اندفعت العبرات من بين مآقيها كالفيضان الذي اجتاح ثباتها دون أي مقاومة منها فقد كانت مهزومة، متعبة، تخلى عنها كل شيء حتى إرادتها لتهتف بنبرة تتقطع لها نياط القلوب:
ـ بس أنا مش قادرة آخد نفسي. حاسة في ألم في قلبي بيمــ,,ـــــوتني بالبطيء. بحاول اتجاهل، و اقول هتعدي الاقي دموعي سبقاني، و كإن روحي بتنزف لحد ما هتتصفى و أمــ,,ـــــوت وانا بتعذب.
شاركها الجميع في نوبة البكاء الحارة التي أنخرطت بها، ولكن سوزان استغلت ذلك لتحاول تهدئة هذا الألم قليلًا حين قالت:
ـ و ليه تتجاهلي! عيطي و صرخي لحد ما تخرجي كل الطاقة اللي جواكي. فرغي شحنة الألم و الخوف اللي مالية قلبك عشان يرتاح. خدي وقتك في الزعل. الجرح مبيطيبش لو قفلنا عليه و عملنا نفسنا مش واخدين بالنا منه.
صمتت ثوان لتمتد يدها تمحو عبراتها بحنو تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ عالجيه، وهو هيطيب واحدة واحدة. ربنا خلق النسيان عشان رحيم بينا متفكريش انك لوحدك اللي موجوعة. بس آخرة الوجع أيه؟ هنمــ,,ـــــوت! لا. هنقف و نكمل لحد ما نلاقي ألف سبب نفرح عشانه. آسيا بلهفة:
ـ معتقدش اني ممكن افرح في يوم! سوزان باستفهام:
ـ أنتِ شايفة انك تستحقي تفرحي!!
تذكرت ذنبها العظيم لتخفض رأسها بندم، ولكن سوزان لم تُمهلها الفرصة بل وضعت أناملها فوق ذقنها ترفعة بقوة اجتاحت نبرتها وهي تقول:
ـ تستحقي. أنا اللي بقولك دا. أنتِ تستحقي كل الفرح اللي في الدنيا. حتى لو غلطي. كلنا بنغلط دي صفة بشرية. المهم نتعلم، و نتجنب الأخطاء وحتى الطباع اللي وصلتنا أننا نغلط. تخدرت أوجاعها قليلًا و هدأت نوبات الألم لتهمس بخفوت و نبرة يغلب عليها الامتنان:
ـ عندك حق. مش عارفة أشكرك ازاي!
سوزان بمُزاح:
ـ تقوليلي رأيك في الفطيرة بتاعتي. أو لا رأيك أيه تقوليلي حلوة على طول حتى لو معجبتكيش. ابتسمت آسيا على جملتها و قالت بامتنان:
ـ حلوة عشان منك. كفاية انك تعبتي نفسك و عملتيها. سوزان بحنو:
ـ أنتِ تستاهلي. يالا امسحي دموعك مش عايزة خيابة و بنات مايصة بتعيط على الفاضي و المليان. دا أنتِ غلبتي أشجان في النكد. قالت جملتها الأخيرة بحدة مفتعلة لتتعالى قهقهات الفتيات على حديثها لتقترب أشجان تحتضنها بقوة وهي تقول بمُزاح:
ـ انتوا عملتوني ماركة مسجلة في النكد ولا أي؟ لا دانا بقيت فرفوشة.
سوزان بفخر:
ـ البركة في ابني الغالي. ابتسمت أشجان لتلتفت سوزان إلى آسيا قائلة بمُزاح:
ـ خلاص بقينا أصحاب؟ آسيا بابتسامة هادئة:
ـ بقينا أصحاب. سوزان بحنو:
ـ طب تعالي في حــ,,ـــــضني بقى.. لم يكن عناق بل قلب اشتهى أن يتكيء على جدار من الحنان لا ليسنده فقط بل ليحنو على فتاته حتى يستطِع لملمتها و البدأ من جديد. عودة إلى الوقت الحالي
حاولت سوزان تجاهل تلك الغصة في صدرها وهي تنظر إلى آسيا بابتسامة مُشجعة، قبل أن تحين منها إلتفاتة إلى كمال الذي كانت تترقب عودته، ولكنها كانت تتمنى لو أنه يعود وهي في أبهى صورها حتى يُدرك أنها انثى لا تتكــ,,ـــــسر بسهولة حتى لو أضناها الوجع. و هاهو يعود هو الآخر ممزق من الألم، ولكنه يحسن ارتداء قناع الصلابة، و اللامُبالاة و ربما القسوة!
احتارت في تفسير قدومه في هذا الوقت بالذات. ترى هل جاء ليهدم؟ أن ليُعيد بناء ما هدمه رحيله!
ـ ياترى صدفة ولا مقصود! هكذا تحدث خالد إلى جانب كمال الذي قال بنبرة لامُبالية: