ـ هو أيه؟ يعرف تلك النظرات القاسية التي تنبعث من عيني شقيقه، و التي توحي بأن ما مر به لم يكُن سهلًا فقد أعلن حربه على كل شيء أودى به إلى هاوية الألم التي أصقلته كما تصقل النيران الحديد لكنه لم يُفصح عن شيء فقط قال بصراحة:
ـ انك تيجي الحفلة بتاعت آسيا!
مضى وقتٍ طويل منذ أن شعر بأن الألم يكاد يكــ,,ـــــسره، والآن تغلب على آثاره واعتاد عليه لذا لم يهتز عند ذكر اسمها ولا حتى رؤيتها لذا قال بملل:
ـ أنا هنا في مصر من أسبوع و أنت عارف دا، و كمان راجي كان زميلي في الجامعة، و بعتلي دعوة لحفلته، و بالمناسبة الدعوة كانت باسمه. أومأ خالد برأسه، وقد أدرك أن تنصل شقيقه من أي شيء يخصها لهو بادرة تبعث على الراحة على الأقل في الوقت الراهن، فقد رأى بعينيه مدى معاناتها طوال الاثنى عشر شهرًا الماضيين، وهو ما جعله يخبر سوزان لتأتي إلى الحفل الليلة.
خالد بحبور:
ـ أحسن حاجة عملتها انك رجعت. التفت كمال يناظره بابتسامة هادئة مُمتنة قبل أن يقول بنبرة جافة:
ـ من بكرة هنزل الشركة. مجمع المستشفيات اللي انتوا ناويين تعملوه محتاج كل الورق بتاعه والميزانية المبدئية عشان اشوفها الأول لو فيها تعديل. خالد بعملية:
ـ هتلاقيها على مكتبك الصبح.
بدأ الحفل برقصة هادئة، لتستغل آسيا ذلك و تتوجه بخطٍ حاولت أن تكون ثابتة متجاهلة وجوده الطاغي و إشباع رغبة مُلحة داخلها في النظر إلى داخل عينيه، لتمر به وكأنه مجرد شــ,,ـــــبح لرجل زعزع وجوده أوتار قلبها، و ألقت بنفسها بين ذراعي سوزان التي تلقتها بقلب رحب، و عانقتها بكل ما تمتلك من حب تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ بنتي. حبيبتي. فخورة بيكِ أوي. تشبست بها كما يتشبث المرأ بآخر خيط يربطه بالحياة لتهتف بأنفاس مقطوعة:
ـ حاسة اني مش عارفة أتلم على نفسي. هو هنا صح!
سوزان بخفوت:
ـ هو هنا و بيبص عليكِ، و مش هو بس. كل اللي في الحفلة، يبقى نجمد كدا و نفضل جدعان لحد النهاية. افتكري أنك تعبتي لحد ما وصلتي للحظة دي. سحبت قدرًا كافيًا من الهواء داخلها قبل أن تقول بنبرة مُرتجفة:
ـ بطني وجعاني اوي، و نفسي أملي عيني منه و اقف قدامه و أقوله إني اتوجعت منه و عشانه أوي. تراجعت سوزان عنها لتنظر إلى داخل عينيها بحُب تجلى في نبرتها وهي تقول:
ـ ينفع تعتبريه مش موجود! الليلة دي بس، و بعدين هييجي الوقت اللي تقولي و تعملي فيه كل اللي أنتِ عايزاه. الصبر.
أشجان بتشجيع:
ـ اسمعي كلام سوزي، و كأنه مجاش. اقتربت شروق تعانقها بقوة وهي تقول:
ـ قلبي يا سيسو. فرحانه بيكِ أوي. عانقتها آسيا بقوة، وهي تقول بتوتر:
ـ احــ,,ـــــضنيني أوي. شروق بتشجيع:
ـ اجمدي كدا. هو جاي النهاردة عشان يهد اللي أنتِ بنتيه! و أنتِ اوعي تسمحيله يعمل كدا. كانت أكثر من يعلم بخطأها، ولكن ذبحها الفراق دون أن يمنحها الفرصة للدفاع عن نفسها، وهو ما لم يرتضيه قلبها أبدًا لذا حاولت أن تستمد الشجاعة من حديثهم لتقول بتصميم:
ـ حاضر.
ـ بقى بتعاكسيني قدام الناس كلها و جاية دلوقتي تديني ضهرك! كان هذا صوت راجي المرح من خلفها لتلتفت آسيا تناظره بابتسامة باهتة و أجابته بنبرة يشوبها الارتباك:
ـ أبدًا والله. حضرتك تستحق اكتر من كدا بكتير. كانت عينيه في مكانٍ آخر تحديدًا على ملامح شروق التي كانت جميلة بصورة خاطفة للأنفاس أو لأنفاسه هو ليبتسم وهو يوجه حديثه إليها قائلًا:
ـ طب ناخد رأي شروق بما أنها السكرتيرة بتاعتي؟ غمرها الإحراج لتقول بخفوت:
ـ حضرتك تستحق اكتر من كدا بكتير. أه اعرفك. دي سوزي اللي حكيت لحضرتك عليها.
قالت جملتها الأخيرة وهي تُشير إلى سوزان ليلتفت إليها راجي قائلًا باحترام:
ـ أهلًا بيكِ يا مدام سوزان. نورتي الحفلة. سوزان بلُطف:
ـ ميرسي لذوقك. الحفلة منورة بالناس الجميلة اللي فيها.
في هذه اللحظة كان كمال يناظرهم بأعيُن حادة لا يفلح في كبح أسهمها وهو ينظر إلى ظهرها و يرى ابتسامات راجي المتبادلة بينهم، والتي كانت تخصها أكثر من أي أحد، وقد بدأ الغضب يتشعب إلى أوردته رغمًا عنه، فالعاشق يمكن إخفاء سنوات من العــ,,ـــــشق، و يسقط أمام لحظات من الغيرة، ولكنه لم يكُن يدري أنها كانت ترتجف من فرط التوتر الذي تحاول تجاهله، و لكنه تمكن من جسدها لتشعر برغبة مُلحة في التقيؤ، فاعتذرت منهم بلُطف، و توجهت إلى المرحاض حتى تنفث عن ألمها الداخلي، فالتفتت سوزان قائلة إلى أشجان بقلق:
ـ روحي ورا أختك اطمني عليها.
شعر راجي بالتوتر السائد ليقترب من شروق مستفهمًا:
ـ هي آسيا متوترة شوية و لا أنا بيتهيقلي؟! شروق بقلق:
ـ هي فعلًا متوترة. راجي بانتباه:
ـ في مشكلة ولا أيه؟ ناظرته شروق بتردد ليهتف بطمأنة:
ـ شروق أنتِ عارفة كويس أوي انك غالية عندي، و آسيا كمان، ولو في مساعدة أقدر أقدمها مش هتردد لحظة.
تعرف كم أنه شخص مُهذب، فمنذ ذلك اليوم الذي أوصى به خالد لتعمل عنده، وهو لا ينفك يُثبت لها أنه من الأشخاص الذين يمكن للمرء الاعتماد عليهم.
ـ كمال الوتيدي هو طليق آسيا، و تقريبًا من وقت ما أطلقوا وهي مشافتهوش، و اتصدمت لما شافته دلوقتي. راجي باندهاش:
ـ معقولة! دا كمال كان زميلي في المدرسة، انا قابلته في الطيارة بالصدفة وانا راجع من إيطاليا. تذكر تلك الجملة التي أخبره كمال بها وهم عائدين إلى أرض الوطن:
ـ مكنتش رحلة عمل. كانت رحلة علاج من مرض الشفا منه مستحيل.
راجي بحماس:
ـ أوبا. مرض مالوش علاج يبقى الحب. أنا بايني غبت كتير ولا ايه! كمال بنبرة مُشجبة:
ـ أنا كمان غبت كتير، و ياريته بفايدة. ـ سرحت فى ايه؟ هكذا استفهت شروق حين وجدته يشرد إلى البعيد ليتحمحم قائلًا بلامُبالاة:
ـ لا ولا حاجة. طيب أنا هروح اسلم عليه و ارجعلك
شروق بلهفة:
ـ متجيبش سيرة آسيا معاه. راجي باندهاش: