حاوطته بقوة وهي تبكي بألم و احساس قوي بالذنب يجتاحها ليتضاعف احساسها حين سمعته يقول بنبرة جريحة:
ـ كمال مش بس أخ. كمال سند عارف اني لو في يوم وقعت هيكون هو عكازي. تعالت شهقاتها لترتد إلى الخلف وتقوم باحتضان وجهه بين يديها وهي تهتف بطمأنه:
ـ هيرجع يا حبيبي. زي ما رجع قبل كدا. لو في حد في الدنيا كمال ممكن يرجع عشانه هو أنت. أومأ برأسه قبل أن يتراجع عنها وهو يحاول محو آثار ضعفه ليقول بجمود:
ـ روحي شوفيها و خليكِ جنبها لحد ما ارجع.
كعادته بتر اعتراضها و التفت مغادرًا ليقوم بجذب هاتفه يجري مكالمة، و ما أن أتاه الرد حتى صرخ بلهجة آمرة:
ـ اسمعني كويس يا عابد. ميرهان، نبيلة، هايدي، عز الدين مفيش مخلوق منهم يخرج بره القصر النهاردة، ولو عز الدين فتح بقه قوله خالد الوتيدي بيقولك لو خرجت من البيت مش هتدخله تاني. اللهم اجعل السعادة دائمة في حياتنا، اللهم ابعد عنا الحزن والضيق، وفرج همومنا، واشرح صدورنا، وتقبل أدعية قلوبنا”، و”اللهم ارزقني سعادة لا تزول، وفرحًا يأتي من عندك، ويسر أمري، وبارك لي في وقتي”، وأيضًا طلب العفو والعافية في الدنيا والآخرة. ♥️
★★★★★★★★ كانت تجلس فوق المقعد تحتضن جسدها بخوف، فقد استيقظت لتجده غير موجود، فاجتاحتها موجة هلع كبيرة أن يكون حصل له شيء، فهي لم تعد تمتلك في هذا العالم سواه، لتنخرط في نوبة بكاء حارة لم يقطعها إلا صوت قفل الباب يدور لتهب من مقعدها حالما رأته و تندفع إلى أحضانه وهي تصرخ بانفعال:
ـ ياسر. حاوطها ياسر بقوة وهو يهتف بلهفة:
ـ مالك يا غنى في ايه؟ غنى بنبرة ترتجف ألمًا:
ـ كنت فين يا ياسر ؟ أنا مــ,,ـــــوت من الرعب عليك.
أطلق أنفاسه المحبوسة وهو يشدد من احتوائها بين يديه وكأنه يمتص خوفها قبل أن يقول بنبرة خشنة:
ـ كل دا عشان اتأخرت عليكِ شوية! وقعتي قلبي يا غنى. غنى بعتب:
ـ شوية أيه؟ دا انت من الفجر و انت نازل، انا اترعبت قولت جرالك حاجة بعد الشر. امتدت أنامله الحانية تمحي عبراتها بلُطف تجلى في نبرته حين قال:
ـ متخافيش يا حبيبتي. أنا كويس. عبأ صدره بالهواء النقي قبل أن يقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ عشان أنتِ موجودة بس يا غنى انا كويس.
ابتسامة بسيطة مزقت قناع الألم الذي يخيم على ملامحها، فيفقدها رونقها لتمتد يدها تعانق ذراعه وهي تجذبه ليجلس على الأريكة لتعانق كفوفه بحنو تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ أنا دايمًا موجودة عشانك. اطمن. مد يده ليلامس خصلة هاربة تتمايل فوق جبهتها قبل أن يقول بنبرة خافتة:
ـ بقالي كتير بلف في الشوارع. عمال أسأل نفسي ليه و ازاي؟ و أيه كمية الظلــ,,ـــــماللي حصلنا من أقرب الناس لينا دا؟ ولما ملقتش إجابة لقيتني بقول الحمد لله انك هنا.
غنى بنبرة جريحة:
ـ أكتر حاجة توجع في اللي حصلنا دا أنه كان من اقرب الناس لينا. احنا ليه حصل معانا كدا؟
لم يحاول منع عبراته من التدفق لتتحشرج نبرته وهو يتابع:
ـ متقوليش الكلام دا. احنا ربنا رحيم بينا أوي على فكرة. ضيقت عينيها باستنكار ليُتابع بأسى:
ـ اللي عملته هيام دا كــ,,ـــــسر ضهري. مش هقدر أنكر. بس لو مكنتيش جنبي مكنش زماني قدرت أقف على رجلي تاني.
غنى بحُب:
ـ أنا جنبك على طول. أصلًا ماليش مكان غير جنبك. أنا بس كل اللي واجعني. هل هنقدر نتخطى اللي حصل! هنقدر نبص في وشهم يا ياسر؟! هقدر اتعامل مع ماما عادي! و انت هتقدر تبص في وش هيام تاني!
وضعته وجهاً لوجه مع هذا الاستفهام الذي نهش روحه بلا رحمة، فأخذ يهيم في الطرقات بحثاً عن إجابة بإستطاعتها تهدئة أنين قلبه، ولكن لا الإجابة جاءت ولا الأنين هدأ! فكيف يتخطى الإنسان الضــ,,ـــــربة التي جاءت من أكثر موضع للأمان بالنسبة إليه! و أي دواء هذا الذي يُجدي نفعًا مع طعــ,,ـــــنة غدر جاءت من أولئك الذين ظنناهم خلاصًا فصاروا هلاكًا!
جاءت نبرته قاطعة حين قال:
ـ لا، و مش مضطرين نعمل دا. اللتنين شافوا وجعنا بعنيهم، و محدش فيهم اتهز في شعره. يبقى احنا كمان مش هنحطهم في حساباتنا تاني.
لا إراديًا احتمت بصدره من ذلك الألم الذي نهش روحها ليحتويها في اعتذار صامت عن كل هذا الوجع الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ طيب هنروح فين؟ هتفضل قاعدين في فندق كدا على طول! نثر عــ,,ـــــشقه فوق خصلاتها قبل أن يقول بنبرة صارمة:
ـ لا يا غنى مش هنهرب. تراجعت عنه تنظر إليه بعدم فهم ليُتابع موضحًا:
ـ أيوا مي هنهرب. هنرجع تاني الحارة، و هنعيش هناك. بس لوحدنا. في بيت أبويا.
توسعت عينيها من الصدمة ليُتابع بجمود:
ـ عشان نبقى على نور أنا مش هاخد حاجة من فلوسي اللي مع جابر. عشان أساساً هي فلوس هيام. دا كان مهرها من جابر، و دا اللي بدأنا بيه الشراكة سوى، ولا هاخد مليم من ورث ابويا الله يرحمه. مش بعد ما اتجنوا عليه و ظلموه و قهروه اخد فلوسهم كدا عادي. أنا هبدأ من الصفر يا غنى. عارفة يعني أيه من الصفر!
صمت يتابع وقع الحديث على ملامحها ليُكمل بنبرة مُتحشرجة:
ـ قبل ما تقرري اذا كنتِ معايا ولا لا لازم تعرفي أني مش هقدر اوفر لك كل الرفاهية اللي كانت في البيت هناك، ومقدرش اوعدك كمان إني هملى إيدك دهب ولا هملى دولابك حرير و هدوم عالموضة.
شدد من احتضان يديها قبل أن يُتابع بنبرة صادقة يجيش بها العــ,,ـــــشق الخالص الذي يحمله في قلبه تجاهها:
ـ كل اللي اقدر اوعدك بيه. اني أشيلك فوق راسي، و بين رموش عنيا، و هتقي ربنا فيكِ، و ابديكِ على نفسي في كل حاجة، وعمري في يوم لا ههينك ولا هندمك انك اختارتي تكملي معايا. قولتي ايه يا غنى معايا؟!