استندت برأسها على ظهر الأريكة وظلت تزرف الدموع دون انقطاع لتباغتها مي بحدة بسؤالها بعدما شعرت بالضيق من إنهيارها:
-بتعيطي ليه بكرة يبقي زي القرد وبعدين فين كلامك عن انه حكايته خلصت وأنه لو أخر راجل في الدنيا مش هترجعي ليه انتِ رجعتي في كلامك ولا ايه؟ مسحت فدوة دمعاتها بظهر يدها وأخبرتها بنبرة حزينة مختنقة:
-لأ مرجعتش في كلامي و عمري ما هرجع… بس انا مش عايزاه يمــ . ــوت يا مي مش هتحمل فكرة انه مش موجود حواليا….
رغم اللي عمله زمان فيا بس معرفتش اكرهه غصب عني يا مي حسي بيا
تنهدت مي بضيق وجلست بجانبها تربت على ساقيها بمواساة:
– انا حاسة بيكِ يا فدوة بس صدقيني أكمل ميستهلش حبك ولا يستاهل تتحدي الدنيا علشان ترجعيله تاني انتِ نسيتي صقر عمره ما هيسمح بكده اجابتها هي بنبرة متألمة ودمعات فشلت في كبحها:
– انا…أكتر حد يعرف أكمل هو مش بالسوء اللي انتِ متخيلاه أكمل مبيعرفش يعبر عن اللى جواه وديمًا بيحاول يظهر عكسه، علشان يثبت لنفسه وللي حواليه انه قوي…انا مش بدافع عنه بس…
قاطعتها مي بحدة و بإندفاع كعادتها كي تذكر صديقتها ولا تلحق بها قبل أن تقع بشركه مرة آخرى:
-والله كل ده ومش بتدافعي عنه وبعدين بأمارة ايه ده ندل يا فدوة انتِ نسيتي اللي عمله فيكِ فوقي يافدوة وبلاش تضعفي من تاني
انتِ خدتي قرارك وخلاص متخليش اللي حصله يأثر عليكِ وبعدين ليه مسألتيش نفسك مين اللي عمل فيه كده كل العلامات بتقول انها واحدة اللي حاولت تقــ . ـــتله والأغرب أنه قال لهاشم وهو بيستنجد بيه متبلغش تفتكري ليه؟
وايه اللي ممكن يكون عمله فيها علشان تقرر تقــ . ـــتله
اومأت لها فدوة بضياع وهمهمت:
-انا عمري مانسيت ومتخافيش انا مش هرجع في قراري انا بس هطمن عليه علشان ابقى ريحت قلبي وحتى لو واحدة اللي عملت كده فيه مش هيفرق معايا ما أنا بسمع عن علاقاته الكتير ومبقاش يأثر فيا متقلقيش يا مي انا مش هذل نفسي ليه تاني ومفيش حاجة هتعوضني كسرته ليا
أومأت لها مي واحتضنتها فهي تشعر بها وتتفهم موقفها وتعلم انها مازالت تحبه وتشعر بمقاومتها لنفسها لكن لن تدعها تضعف مرة آخرى وتخضع له فهو لا يستحقها
فنعم تؤيد وبشدة قرار سفر صديقتها فهي تستحق أن تبني حياه جديدة خالية من كل شيء
وهنا تنهدت مي بضيق و همست في نفسها:
-على الأقل انتِ لما تسافري مفيش حاجة هتفكرك باللي هنا لكن أنا هاخد حتة منه معايا وهتفكرني بيه لتتحسس بطنها برفق وتلوح بسمة حانية مميزة على ثغرها.
————-
كان يجلس منهمك في عمله بعد أن أقسم أنه يستعيد ما كان عليه ويمحيها من ذاكرته كأنها لم تكن
دخل عليه أكرم وملامح الضيق ظاهرة على وجهه لينتبه له الآخر ويسأله:
– مالك يا أكرم؟ زاغت نظرات أكرم وتلعثم لم يعرف من اين يبدأ الحديث:
-أكمل الصرفي حد حاول يقــ . ـــتله وفي المستشفى لوهلة احتل الضيق ملامحه وشعر بالحزن لكنه ألتزم بثباته وتساءل:
-حالته ايه؟ – مش عارف بس هو في العناية استند صقر على مقعده واستأنف:
-متعرفش مين اللي عمل كده فيه؟
مرر أكرم يده بخصلاته وأجابه:
-بيقوله واحدة هي اللي ضــ . ـربته بس اللي استغربته أنهم مبلغوش عقد حاجبيه بتفكير واشعل سيجاره وتساءل:
– مين اللي قالك على كل ده طالما هما مبلغوش -هاشم اتصل بيا وطلب مني ابلغ مامت أكمل واوديها المستشفى علشان تطمن عليه أومأ له صقر بتفهم وقال برزانة:
-روح يا أكرم وابقى طمني من هناك عليه ابتسم أكرم بمغزى وقال:
– رغم كل اللي عمله فيك قلقان عليه انت غريب أوي يا صقر انا مش فاهمك
اجابه صقر بعقلانية ونبرة واثقة:
– الندل ده في يوم من الأيام كنت أنا وهو أكثر من الأخوات ومينفعش اشمت فيه يا أكرم ولا اتمنى مــ . ــوته لو اني كنت ناوي احاسبه على اللي عمله بس كفاية عقاب ربنا عليه واللي حصله بس ده مش معناه إني سامحته ونسيت اللي حصل تنهد أكرم وقال بفخر:
– انا محظوظ ان ليا صاحب زيك ابتسم صقر بود وقال بجدية:
-طب يلا روح علشان متتأخرش أومأ له وانصرف بتعجل
ليشرد صقر في آثاره ويهمهم لنفسه:
– كفاية عليا انه هيعيش عمره كله قلبه محروق و ندمان على اللي عمله
وبعد ثوانِ طرقات منتظمة على باب مكتبه أخرجته من شروده ليأذن للطارق بالدخول ويستأنف مراجعة عمله ليتقدم منه رجل في العقد الخامس من عمره ويدعى محمود يحمحم بحرج:
-ممكن أخد من وقتك دقيقة يا صقر بيه رفع صقر عينه من على الورق وابتسم بهدوء وقال مرحبًا:
-تعالى يا عم محمود فينك ياراجل ياطيب كده تحرمني من قهوتك – لامؤاخذة يا بيه كنت تعبان شوية وراقد بقالي كام يوم -ولا يهمك انت أحسن دلوقتي…محتاج حاجة نفى محمود برأسه وأخبره بامتنان:
– أنا أحسن يا بيه…ومش محتاج غير سلامتك ربنا يخليك لينا انت مش مقصر
ابتسم صقر بود ليتحمحم محمود من جديد والتردد يكسو ملامحه ليتنهد صقر ويقول بجدية بعدما لاحظ تردده:
-عايز تقول حاجة قولها يا عم محمود متترددش -ايوة يا بيه في حاجة معايا تخصك…ورقة ولازم اديهالك لقيتها وانا بروق المكتب من كذا يوم وبصراحة خوفت اسيبها توقع في ايد أي حد غيرك وسامحني يابيه والله لولآ رقدتي وتعبي كنت جبتهالك علطول عقد حاجبيه باستغراب وتسائل بريبة: الواحد والعشرون
طرقات منتظمة على باب مكتبه أخرجته من شروده ليأذن للطارق بالدخول ويستأنف مراجعة عمله ليتقدم منه رجل في العقد الخامس من عمره ويدعى محمود يحمحم بحرج:
-ممكن أخد من وقتك دقيقة يا صقر بيه
رفع صقر عينه من على الورق وابتسم بهدوء وقال مرحبًا:
-تعالى يا عم محمود فينك ياراجل ياطيب كده تحرمني من قهوتك – لامؤاخذة يا بيه كنت تعبان شوية وراقد بقالي كام يوم -ولا يهمك انت أحسن دلوقتي…محتاج حاجة نفى محمود برأسه وأخبره بامتنان:
– أنا أحسن يا بيه…ومش محتاج غير سلامتك ربنا يخليك لينا انت مش مقصر ابتسم صقر بود ليتحمحم محمود من جديد والتردد يكسو ملامحه ليتنهد صقر ويقول بجدية بعدما لاحظ تردده:
-عايز تقول حاجة قولها يا عم محمود متترددش
-ايوة يا بيه في حاجة معايا تخصك…ورقة ولازم اديهالك لقيتها وانا بروق المكتب من كذا يوم وبصراحة خوفت اسيبها توقع في ايد أي حد غيرك وسامحني يابيه والله لولآ رقدتي وتعبي كنت جبتهالك علطول عقد حاجبيه باستغراب وتسائل بريبة:
-ورقة ايه ياعم محمود؟
ناوله محمود تلك الورقة التي خطتها هي له منذ عدة أيام وقصت له كل شيء بخصوص المخطط اللعين
لتتجمد ملامحه وهو يؤشر الى محمود أن ينصراف بعدما شكره، وعندما قام بالتدقيق بها
اتسعت عينه بصدمة عارمة من تلك الكلمات التي سطرتها لأجله فقد شرحت له كل شيء و أخبرته أنها لن توشي بأي شيء يخص عمله وأكدت أنها لم تستطيع ايذائه.
وضع يده على فمه بعدم تصديق وهو يقرأ باقي كلماتها ويقسم انه شعر برجفة قوية اجتاحته بعدما قرأ قسمها؛ أنها أحبته بصدق.
اغمض عينه بقوة يحاول استيعاب الأمر ولكن مهلآ ذلك لم يغير شيء بالنسبة له فيكفي انها اخفت عنه
وتعمدت أن توقعه في شباكها أما بشأن قسمها قلبه يخبره أنها لم تتصنع مشاعرها واحبته بصدق لكن عقله اليابس لم يقتنع بتلك السهولة وحتى إن اقتنع ذلك لا يغير من كونها مدنثة عديمة الشرف بالنسبة له فهو مثله كمثل أي رجل شرقي يتمسك بالمبادئ والقيم والأعراف المُتبعة، وهو كا شرقي ايضًا يعد من أكثر رجال الأرض غيره على عرضه وشرفه ولا يقبل المساس بهم بتاتًا.
بعد تفكير دام طويلًا تنفس الصعداء وتعمد عدم الأكترث لندائات قلبه وبعد القليل من الشرود جال بخاطره
عقد الصفقة الخاصة بفهد وظل يسأل نفسه إن لم تكن هي من فعلت فمن فعلها لدقائق فقط استغرق الأمر منه التفكير ليرفع سماعة الهاتف ويطلب رقم مدير الشئون القانونية الخاص بشركته ويطلب منه بإيجاز أن يتأكد له من أمر ما.
———————
أما عنها بعد أن قصت لإحسان كل شيء شعرت أنها ازاحت عنها قليلًا فكانت تجلس والآخرى تجلس بجوارها حين همهمت هي بضعف:
-خايفة يكون مات يا ست إحسان انا معرفش انا عملت كده أزاي انا شكلي هروح في داهية وهتسجــ . ــن اجابتها إحسان بأمل:
-هو يستاهل كل اللي حصله… بس نقول ايه ربنا يعفي عنه علشانك ياغلبانة وعلشان مستقبلك ميضعش دي أختك ملهاش غيرك انتفضت بقوة بعدما تذكرت شقيقتها وغمغمت:
-نهار ابيض انا نسيت ان فرحة هتروح على البيت اللي كان أكمل مأجرهولي دي اجازتها كمان ايام ده حتى تلفوني معرفش فين نسيته علشان اقولها انا لازم اروحلها المدرسة وأقولها متجيش دلوقتي لغاية متخلص امتحانات
لطمت إحسان صدرها بقوة وقالت بذعر:
-لأ مش هتتحركي من هنا انتِ عايزة يتقبـ . ــض عليكِ حاولت فتون طمأنتها:
-متخافيش مش هخلي حد ياخد باله مني وكمان لازم اعرف أكمل مات ولا لأ هدرت إحسان بنبرة يشوبها القلق:
– يالهوي كمان عايزة تروحي برجليكِ مستحيل اسيبك لوحدك أصرت هي:
– متخافيش ياست إحسان لو ليا نصيب في حاجة هشوفها
أومأت لها إحسان بقلة حيلة واوصتها بنبرة حانية:
-علشان خاطر ربنا يا بنتي خلي بالك من نفسك
هزت رأسها بإنصياع وقد عزمت أمرها أن تذهب غدًا.
——————–
استبد القلق بهم جميعًا عندما لم يستفيق الى الآن فكان لكل منهم أفكاره الخاصة.
فكانت امه تنتــ. ــحب بحــر . ــقة وتتسائل من الذي تعمد أذية ولدها ولكن هاشم تستر على الأمر واخبرها أنه سارق وما حدث كان نتيجة لتعرض أكمل له قبل ان يفر هاربًا.
اقتنعت وظلت تدعوه لولدها بتضرع طالبة من الله عز وجل أن يسلمه لها أما عنها ظلت متسمرة أمام الحائط الزجاجي المطل على فراشه بالعناية لم ترمش حتى عن موضعه، وظلت تناجي ربها لأجله لحين اتاها صوت أكرم الخفيض من خلفها فهو ايضًا ظل ملازم لهم داخل المشفى ينتظر الأطمئنان عنه: -وجودك هنا غلط…انتِ أكيد عارفة أن صقر هيضايق لو عرف اجابته بأصرار مقيت لا علاقة لعقلها به:
-عارفة يا أكرم متتعبش نفسك مش همشي غير لما أطمن عليه… وانا عارفة انك أكيد مش هتخبي على صقر حاجة ومش فارق معايا علشان انا كنت هقوله
تنهد أكرم وقال بيأس من يباس رأسها:
– انتِ حرة يافدوة بس انا مش عايز صقر يضايق كفاية اللي هو فيه أومأت له بضيق واستمرت بتحديقها بمالك قلبها من خلال الحائط الزجاجي
أما عنه دخل ليتفحصه هو وفريق من الأطباء المختصين وبعد عدة دقائق خرج وعلى وجهه ابتسامة مطمئنة، تهافتوا الجميع عليه وسألوه بصوت واحد:
-طمنا ياهاشم اجابهم بعملية:
– الحمد لله كل الوظايف الحيوية كويسة ومفيهاش خلل كل شيء طبيعي وحالته مستقرة زفرت هي بأرتياح واعتلت بسمة هادئة ثغرها ثم تمسكت بقلادتها وكأنها تستمد منها القوة ورفعت عيناها بترجي قائلة بنبرة متألمة تناجي ربها:
-يارب متوجعش قلبي عليه، واحفظه
لتقول فايزة والدته بلهفة:
-عايزة اشوفه يا هاشم الله يخليك رد هاشم:
-حاضر ممكن اتنين منكم يدخلو يشوفوه بس طبعًا مش ازيد من عشر دقايق أومأت له بتفهم وصوبت نظراتها على فدوة وقالت بحنو:
– انا وفدوة هندخله وبعد عدة دقائق دلفو اليه وعند رؤيته عن قرب أنهارت امه باكية وأخذت تقبل جبهته وهي تتوسله:
-ياقلب امك اوعي تسبني انا مليش غيرك يا أكمل كفاية اني اتحرمت من أختك علشان خاطر امك اوعي تسبني لتتعالي شهقاتها ويزداد نحيبها ليأتي هاشم واحد الممرضات ويسحبها خارجًا وهو يهدئها
أما عنها انسابت دمعاتها تأثرًا بأنهيار والدته وتقدمت من فراشه بخطوات بطيئة وحين تمسكت بيده شعرت ببرودتها أخذت تمسح عليها برفق قاصدة تدفئتها وهمهمت من بين دمعاتها: -متعملش كده فينا فوق علشان خاطري -س…ام…حي…ني همهم هو بنبرة متقطعة دون وعي وهو مازال مغمض العينان هزت رأسها بعدم تصديق وظنت انها يهيأ لها أنها استمعت لهمهمته
لتنظر اليه بذهول وتقول بلهفة:
-أكمل انت اتكلمت صح رد عليا انت كويس همس هو من جديد من بين لا وعي بتقطع وبنبرة ضعيفة خافتة:
– سا….محيني
ابتسمت هي بأتساع وقالت بقلب يتراقص بين جنباتها دون لحظة تفكير منطقية واحدة:
-هسامحك اوعدك هسامحك بس فتح عيونك يا أكمل ليهزي من جديد دون وعي بنبرة أضعف:
– فتون…سامحيني يافتون
وعند تفوهه بأسم آخرى شحب وجهها وانتفضت من جانبه تنظر له بصدمة عارمة وهي تجفف دمعاتها و تشعر بخنجر مسموم انغرس بصدرها فيبدو أن شكوك صديقتها بمحلها، لتنظر له نظرة عميقة تحمل بطياتها الكثير ودون أدني تفكير قامت بنزع القلادة التي تحاوط عنقها بقوة قطعتها ووضعتها بكفه المتراخي فهي عزمت بعد اطمئنانها عليه أن ترحل دون رجعة فيبدو أن قد حان موعد الفراق بالنسبة لها، هي تعلم أن قرارها السابق هو الصواب ولن تتهاون وتضعف من أجله فيكفيها خنوع…تبًالقلبها.
تنهدت بعمق قاصدة لملمت شتاتها ثم ألقت عليه نظرة أخيرة وأنصرفت بتعجل دون الأكتراث لأحد ممن كانوا ينتظرون بالخارج ينادون بأسمها.
——————–