Uncategorized

اغواء ميرا 7

وقف بتعب وعيون غائمة أمام غرفة العناية المشددة يتطلع من الواجهة الزجاجية على صديقه وهو ملقي بداخلها كاالجـ . ــثه الهامدة لا شيء يدل على حياته سوى جهاز ضــ . ـربات القلب المتصل بجسده فبعد أن هاتفه بالأمس ذهب اليه بسرعة فائقة وبرفقته سيارة الإسعاف الخاصة بـ مشفاه وعند وصوله وجده في حالة يرثي لها فقد نزف الكثير من الدماء وبعد إسعافه ونقله الى المشفى أجرى له عملية جراحية دَقيقة وحمد ربه وقتها أن تلك الطــ .

ــعنة الغادرة لم تصيب صديقه بضرر بالغ فهي أدت إلى تهتك بسيط بالرئة، تنهد بعمق بعدما شعر بتلك الأنامل الأنثوية الرقيقة تربت على كتفه
والتفت لها بهدوء لتحمحم هي قاصدة التهوين عنه بعد قرارها أن تترك كل ما حدث بينهم جانباً الآن فهيئته أرجفت قلبها ومن المخزي أن تتركه دون أن تواسيه:
-إن شاء الله هيبقى كويس خليك متفائل ابتسم بحزن وبعيون غائمة وهمهم بتقطع :
-خايف يمــ . ــوت
ويسيبني انا مش قادر اتخيل هعمل ايه لو ده حصل

قالت هي لتبث به الأمل:
– متقلقش يا هاشم انت دكتور ومفروض تبقى متماسك اكتر من كده علشان انت عارف كل الاحتمالات الواردة ان شاء الله هيفوق ويبقى كويس رد هاشم بتمني:
– يارب يا مي انا مبقاليش غيره تنهدت بضيق من كلماته التي أثرت بها لكنها تجاهلت الأمر و سحبته برفق من يده وهي ترجوه:
– تعالى هوصلك مكتبك ريح شوية وهطلب لك حاجة تاكلها انت من امبارح وانت على الحال ده

نظر لتشابك يدها بخاصته بهدوء ثم لاحت منه بسمة باهتة وانصاع لها
وعند وصولهم مكتبه جلس بأرهاق على الأريكة التي تقبع بزاوية من زوايا غرفة مكتبه أما هي اتجهت إلى الهاتف وطلبت له الطعام ثم وقفت أمامه وأخبرته بثبات وهي تضع يدها بردائها الأبيض:
– الأكل ربع ساعة ويوصل حاول تغمض عينك شوية و انا هروح اشوف شغلي
رفع عينه المتعبة لها وقام بمد يده لها يناجيها بنظراته أن لا تتركه بمفرده لتخرج هي يدها ببطء وتضعها بين يده، ليسحبها برفق ويجلسها بجانبه وهمهم بنبرة حزينة وبمشاعر متلهفة أرهقها الأحتياج:
– احــ . ــضنيني يا مي

لم تتردد ثانية واحدة فنبرته تلك أصابت أوتار قلبها و اشعرتها بمدى حاجته لها لتحتضنه بكل قوتها دافنة رأسه بصدرها بحنان مبالغ به فهي ايضًا بحاجة لقربه فربما ذلك يكون العناق الأخير بالنسبة لها.
اخذت تمرر يدها بين خصلاته برفق وان شعرت بأنفاسه المتقطعة المكتومة أدركت انه يجاهد أن لا يشعرها ببكائه ربتت على ظهره وشددت أكثر من احتضانه لعدة دقائق آخرى دون حديث حتى لا تشعره بالحرج ليهمهم هو بعد عدة دقائق بحزن وبنبرة متحشرجة:
– انا تعبان يا مي وحاسس إني لوحدي

قطعت هي عناقهم واحتضنت وجهه براحتها وأخبرته بحنان:
-انت مش لوحدك يا هاشم كلنا جنبك

جالت عيناه على وجهها بنظرات شغوفة، سرت قشعريرة لذيذة بها فقد ذكرتها نظراته بسابق عهده ليتنهد هو بعمق ويلتفت يمرغ وجهه بكفها ويضع قبلة على باطنه.
ابتسمت هي برقة بعدما تراقصت دقات قلبها من فعلته وقالت:
-انت اقوى من كده يا هاشم علشان خاطري اتماسك وان شاء الله خير
صدقني أكمل مش هيستسلم بالسهولة دي، اقترب بهدوء واستند على جبهتها بخاصته وهمهم بعدما مسح وجهه بيده يزيل أثر دمعاته:
– انا كنت بستمد قوتي منك يا مي ومن حبي ليكِ لكن دلوقتي انا حاسس اني ضايع

همست بنبرة مرتعشة وانفاس متهدجة من تأثيره عليها وهي تحاول جاهدة التغاضي عن أنفاسه الحارة التي تداعب حواسها وتشعرها بتفاقم احتياجها له:
-انت اللي اخترت البعد مش أنا
ووهمت نفسك ان ده الصح أغمض عينيه بقوة يحاول رباط جأشه من جديد ويكبح رغبته الملحة بالتمادي معها وقال وهو يعتدل بجلسته كي يفض ذلك القرب الذي يصعب عليه الأمر:
-انتِ ازاي عندك الثقة دي انه هيبقى كويس استغربت هي من ردة فعله وابتعاده عنها لكنها تغاضت عن الأمر وأدركت أنه كان مشوش ليس أكثر لترد عليه بثبات مهترئ تتستر به على اوجاعها:
-علشان أكمل شرير والأشرار مابيمــ . ــوتوش بسهولة كده

حانت منه بسمة عابرة واخبرها بجدية مبالغ بها:
-متقوليش عليه كده أكمل صاحب جدع و انا مبقاليش غيره زفرت هي بغيظ وتراجعت قليلاً للخلف بخيبة أمل فمن المؤكد انه يريد أن يجرحها من جديد بمقصده فتلك المرة الثانية التي يؤكد حديثه لها وكأنه يذكرها انه محى أي أثر لها بحياته لتهمهم بنبرة ساخرة وهي تدعي الثبات:
– ونيرة خطيبتك نسيتها وقورطة العيال اللي هتجبهم منها راحو فين!
خليك متفائل لسه الحياه قدامك يا دكتور اعتدل بجلسته وأخذ يدلك رقبته كعادته عندما يتوتر ثم اجابها:
-منستهاش أكيد…بس أكمل عِشرة عمري

ابتسمت ساخرة من إجابته
لتغير مجرى الحديث بعدما استعادت القليل من كبريائها فهي لن تزيدها على نفسها وتعاتبه من جديد ويخذلها:
– انت ليه مبلغتش البوليس عن اللي حصل هز رأسه بنفي قاطع وأجابها:
-دي كانت رغبة أكمل لما كلمني واستنجد بيا ومعرفش السبب هزت رأسها بتفهم وتسألت:
-تفتكر مين ممكن يعمل كده؟ أجابها بِفطنة:
– انا لما روحتله كل حاجة في الشقة زي ما هي مستحيل يبقى حرامي عقبت هي على حديثه بشك:
-مش عارفة ليه حاسة ان واحدة هي اللي عملت كده

دلك رقبته بهدوء وهدر:
– انا برضو شكيت في كده بس مين دي اللي بالجبروت ده وتبقى عايزة تقــ . ـــتل أكمل الصرفي اجابته هي بنبرة متهكمة:
– ابقى اسأل الشرير بتاعك لما يفوق لتنهض عازمة الخروج وقبل أن تمد يدها تفتح الباب استوقفها هو وقبـ . ــض على ذراعها برفق وقال بنبرة آسفة:
– أنا مدين ليكِ باعتذار عن اللي حصل عند مامتك بس اوعدك مش هتتكرر تاني قلبت عينيها بسأم فا هو من جديد يتعمد أن يشعرها بندمه من مجرد تلامسهم مرة أخرى لتعقب بثبات ظاهري فقط:
– اعتذارك مش هيغير حاجة يا هاشم

وأضافت بنبرة واثقة وهي تتلاشى انهيارها:
-وانا متأكدة انه مش هيتكرر تاني… عن اذنك لازم اشوف شغلي ترك يدها وقد احتل الحزن ملامحه من جديد وأطرق برأسه بالأرض ولا يعرف بماذا يجيبها ولكنها لم تكترث لهيئته وانسحبت بهدوء وهي تشعر أن ما نوته سابقًا كان عين الصواب ولا سبيل للرجعة فيه.

———————–
بعد أن يأست من البحث عنه توجهت الى جاسم ذراعه اليمين واقسمت انه إن لم يخبرها بمكانه ستفعل ما يحمد عقباه لينصاع اليها لمعرفته تمام المعرفة بمكانتها عند رب عمله
وعند علمها بشأن إصابته وقبوعه بالمشفى لم تشعر بنفسها إلا وهي تسوق بسرعة فائقة الى هناك فهي شعرت أن قلبها انشطر نصفين من القلق… تعلم أنها مخطئة بذهابها إليه لكن قلبها اللعين مازال ينبض له رغم كل ما حدث ورغم محاولاتها الشتى بإدعاء عكس ذلك إلا أنها كانت تجاهد رغباتها فبعد فعلته السابقة لا شيء يستطيع تعويضها عن ما شعرت به عندما هجرها دون أدنى سبب يذكر.

و عند وصولها اندفعت بقوة الى الداخل وظلت تقطع الطرقات بذعر ودمعات منسابة دون إنقطاع
وعند سؤال موظفة الأستقبال علمت بتواجده بالعناية المشددة
فتوجهت مهرولة إلى هناك لتصادف مي بالممر، اندفعت إليها وهتفت بنحيب وبقلب يعتصره الألم:
-هو فين يا مي حصله ايه ردي عليا ليه ما قولتليش ليه؟ احتضنتها مي وأخذت تطمئنها بحنان:
– اهدي يا فدوة هو هيبقي كويس هو في العناية ولسه مفاقش صرخت فدوة بعدم تصديق:
– لأ انتِ بتكدبي عليا انا مش مصدقاكِ انا عايزة اشوفه

تنهدت مي بيأس من إصرارها وقالت:
– هخليكِ تشوفيه علشان تطمني

هزت رأسها بعدم اتزان بعد أن خرجت من أحضانها وتوسلتها بعيناها، لتصحبها مي الى هناك
وبعد تعقيمها دخلت إليه وعند رؤيته كتمت شهقاتها بيدها فكانت هيئته مزرية كان غائب عن الوعي و وجهه شاحب كالمــ . ــوتى وخراطيم الهواء والأسلاك الطبية متصلة بكامل جسده أما عن مكان الطــ . ــعن فكان الشاش واللاصق الطبي يغطي كامل صدره بشكل يقشعر الأبدان
ليزداد نحيبها وهي تقترب بخطوات واهنة منه وتتمسك بيده المتراخية و تخبره بأنفاس مختنقة راجية:
-متعملش فيا كده فوق يا أكمل…علشان خاطري…انا مقدرتش اسامحك ولا أغفرلك بس عمري ما اتمنيت مــ .

ــوتك كفاية عليا اني احس انك بتتنفس وعايش حتى لو مش هقدر أكون معاك…لتضيف بتقطع بأنفاس مضطربة بعدما رفعت كفه واحتضنته:
-قوم يا أكمل انا عارفاك قوي وهتتحمل مش أكمل الصرفي اللي ضــ . ـربة زي دي توقعه، شعرت بتحرك انامله بين راحتها مما جعلها تنتفض بقوة وتصيح بلهفة:
– أكمل انت سامعني مش كده أكمل رد عليا علشان خاطري ظلت تناجيه لكن دون جدوى لتندفع إليها مي وتخبرها:
-يلا يا فدوة الله يخليكِ وجودك هنا غلط كفاية اني طاوعتك وخليتك شوفتيه

هزت رأسها برفض قاطع وتمتمت بهستيرية:
-حرك ايده انا حسيت بيه اجابتها مي بعملية:
– ده رد فعل عادي وبيحصل

شحب وجهها وهي تشعر بخيبة أمل لا مثيل لها ثم نظرت له نظرة طويلة تحمل الكثير بطياتها و خرجت وعيناها متعلقة به لتتبعها مي وترافقها إلى غرفة مكتبها.
———————
أما عنها تلك التي اضنتها الحياه
ظلت ملازمة الفراش كالجـ . ــثه الهامدة دون حراك منذ ما حدث فبعد فعلتها ظلت تسير دون وجهة محددة لا تعلم إلى أين تذهب لتحتمي من بطش الحياة وحين خطر ببالها منزل تلك السيدة الحنون ذهبت إليها بتلصص دون أن يراها أحد وعند طرقها لبابها لم تشعر بشيء إلا في اليوم التالي

دخلت اليها إحسان بخطوات حثيثة وهي تحمل بيدها صنية محملة بالطعام وترجتها بهدوء:
-قومي يافتون يا بنتي الله يخليكِ كُلي لقمة تطلعت اليها فتون بعيون يكسوها الحمرة و منتفخة من كثرة البكاء دون أن تنبس ببنت شفة لتعيد إحسان رجائها:
– يابنتي علشان خاطر ربنا اتكلمي وريحي قلبي اغمضت عيناها من جديد و أجهشت بالبكاء لتربت إحسان على ظهرها بحنان وتحسها على الحديث:
-احكيلي يا بنتي وخففي حمولة قلبك فضفضي يمكن ترتاحي ده انا من ساعة ما شوفتك امبارح مرمية قدام الباب ودماغي بتودي وتجيب ايه اللي حصل احكيلي؟!

اجابتها بأنفاس متقطعة من بين شهقاتها:
-هحكيلك يا ست إحسان بس اوعديني متتخليش عني وتظلــ . ــميني زي ما كلهم عملوا معايا هزت إحسان رأسها بنفي قاطع واجابتها بثقة:
-ربنا يعلم معزتك عندي انا بعتبرك بنتي اللي مخلفتهاش ومستحيل هظلــ . ــمك اتكلمي ومتخافيش اومأت لها بامتنان وأخذت تقص عليها كل ما حدث.
———————–

انت في الصفحة 2 من 8 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى