ألتفتت ونظرت له نظرة عميقة متمعنة تحمل بطياتها الكثير وأخبرته بنبرة تملك منها الآسى:
-انا أقل بكتير من اني أعمل خلاف بينك وبينها همهم يؤنبها:
– انتِ جبانة ومقولتليش علشان معندكيش ثقة فيا متحاوليش تبرري غامت عيناها وقالت بصدق و هي تنظر لكل شيء إلا هو:
-يمكن أنت عندك حق أنا جبانة بس انا معرفتش يعني ايه ثقة غير معاك انتفض بقوة يوليها ظهره بعدما غزى الغضب ملامحه وتطاير الشرار من عينه ورد يستخف بحديثها:
– وعلشان كده روحتي اترميتي في حضن فهد مش كده
كانت تنوي عدم الدفاع عن نفسها ولكنه مازال على موقفه ويطعن في شرفها لذلك فاض الكيل بها فقد نهضت و وقفت مواجه له وهدرت وهي تحاول لملمت حطامها:
– أكمل هو اللي باعتني لهناك علشان أخذ وصلات الأمانة اللي كان بيهددني بيها ومكنتش أعرف انه ناوي يبعني لفهد لترفع سبابتها بوجهه وتضيف بشراسة قتالية:
-انا مش كده، ولا عمري هكون كده انت متعرفش ان كنت بتعرض لإيه انا كنت بكافح وبعافر أد إيه علشان أحافظ على نفسي
هدر هو بعدم أقتناع وبنبرة جهورية حادة وهو يركز نظراته عليها ويتمسك بفكها بقوة الذي ينطق بالترهات فكيف يصدقها رغم أن كل شيء يدينها:
-كدابة انا شوفتك بعنيا معاه نفضت يده بكل ما أوتيت من قوة و ردت بأنفعال وبنبرة هستيرية وهي وتقبض على قماش قميصه بعدما طفح الكيل بها:
– قولي شوفت ايه هاااااا رد عليا؟ انا كان هدومي مقطعة، وانت دخلت على صريخي ومقاومتي ليه، قولي شكلي كان شكل واحدة رايحة برضاها
الحيوان كان بيحاول يعتدي عليا ومنعته بكل قوتي ولما شوفتك حمدت ربنا و قولت جاي تحميني وتنقذني منه
لتضربه بصدره بقبضتها عدة ضربات وتستأنف بنبرة هستيرية على حافة الانهيار:
-انا كنت هترمي في حضنك واستنجد بيك، لكن انت عملت زيهم كلهم وجيت عليا واتخليت عني وظنيت فيا السوء
وبرغم كل ده عذرتك وقولت زيك زي أي راجل الغيرة عمت عنيه
حتى لما جيت واتجوزتني مكنتش مصدقة كنت طايرة من الفرحة وفاكرة انك لسه بتحبني وصدقت اني مظلومة، كان عندي شكوك بس كنت بكدب نفسي انك ممكن تأذيني
لكن انت استكترت عليا الفرحة دي ومكتفتش قعدت تجرح فيا وتقولي كلام عمري ما تخيلت اني أسمعه منك انت، وبعد كل ده هند هانم العزازي تيجي تكمل عليا وفاكراني حامل منك وتقولي ان انا مخصكش، هو للدرجة دي كلكم شايفني
رخيصة ومليش قيمة كانت تتحدث بأندفاع وكأنها انفجرت لتوها ودمعاتها تتهدل بحرقة كي تنعي حظها
أما عنه كان يستمع لها وقلبه يتألم مع كل حرف تتفوه به، فحديثها لامس اوتار قلبه وبشدة وشعر بصدقها وتأثر كثيرًا حتى انه ازاح الغضب من عينه وأستبدله بالدفء التي أعتادت عليه منه ودون أدنى تفكير جذبها من ذراعها وأحتضنها بقوة وبعاطفة جياشة جاهد كثيرًا لكبحها، لتتعالى شهقاتها بين أحضانه، ويضمها هو الى صدره أكثر ويعتصر بيده جسدها بحماية وكأنه يريد ان يخفيها بين ضلوعه ويتألم بدلًا عنها
أما هي لن تشعر بألم ولابكدمة ظهرها أثر تشبثه بها بقدر ما شعرت بالأمان وبنجاحه في أحتوائها ليربت بحنان مبالغ به على ظهرها يحاول أن يهدئها
قائلًا بصوت رخيم:
-شش…أهدي…خلاص متعيطيش…أهدي يافتون
وعندما هدأت شهقاتها تدريجيًا فصل العناق دون أن يترك مسافة لمرور الهواء بينهم ومرر أبهامه على وجنتها بهدوء مثير للغاية يمسح دمعاتها، لترفع هي نظراتها إليه ويستشف هو صدق بَين بها
لتنتفض دواخله لآثارها وينتقل بكفه لمؤخرة رأسها يريد ان يثبت نظراتها عليه ودون وعي وجد نفسه يقترب من وجهها وكأنه مغيب بسحرها…ولكن هي كانت ذهنها حاضر مع ردود فعلها فلن تدعه يستنزف ما تبقى منها فقد دفعته عنها وهدرت بصوت متحشرج كي تلمم ما تبقى من حطامها بعدما تردد صدى حديثه الجارح خاصًة الأمس بعقلها:
-وفر…شفقتك عليا مش عايزاها أنا مقدرة اللي عملته علشاني بس كتر خيرك أوي لغاية كده…ولو فاكر إني اتكلمت معاك علشان استعطفك واخليك تصدقني…مبقاش يفرق بالنسبالي عارف ليه علشان أنت اثبتلي أن كلكم زي بعض كل واحد فيكم استغلني بطريقته وأنت بجوازك مني ما فرقتش عنهم
ابتلع ريقه بعدما ذهل من هجومها وعقب عليه بإنفعال وهو يتمسك بذراعيها ويهزها:
-قوليلي إيه التميز اللي كان مفروض أعمله…كان مطلوب مني افهم واستوعب أن البنت اللي حبتها وكنت هتجوزها بتستدرج الرجالة وكمان كان مطلوب مني استوعب لما روحت بيت الكلب ده ولقيتك في اوضة نومه مش كده هاتيلي راجل على وش الأرض يقدر يستوعب ده ويصدق أنك مظلومة حانت منها بسمة ممزقة تنعي بها حالها وهي تنفض يده وتبتعد عنه خطوتان للخلف تخبره باستسلام وكأن من شدة يأسها لم يعد يعنيها شيء:
-مبقاش يهمني قولتلك تصدق أو لأ كده كده فراقنا محتوم وكلها أيام والتمثلية السخيفة دي تنتهي
زمجر غاضبًا وكاد يرد عليها لولآ ان طرق باب الغرفة، ليندفع إليه ويهتف بصوت منفعل فور أن فتحه:
-أفندم يا فوزية عايزة ايه؟ أطرقت فوزية رأسها بالأرض بحرج وهمهمت:
-آسفة يا صقر بيه بس محمد بيه عم حضرتك عايز فتون تروحله أومأ لها بتفهم وهو يتذكر مجيء الطبيب ليتسأل بترقب:
-أمي جت ولا لسه ردت فوزية بأحترام:
-لسه حضرتك مجتش اول ما تيجي هبلغ حضرتك
أومأ لها من جديد وأشار لها لتنصرف وأغلق الباب وألتفت اليها قائلًا بنبرة جاهد أن تكون هادئة كي لا تعكس ثورة دواخله من مجرد فكرة ابتعادها عنه:
-هنكمل كلامنا بعدين علشان
عمي عايزك، ياريت تروحيله في أوضته…ليرمق هيئتها التي تثير جنونه ويزفر أنفاسه دفعة واحدة وهو يضيف:
-بس الأول تعالي ورايا لتتنهد هي بضيق وتتبعه الى زاوية خاصة بالجناح وعندها فرغت فاهها بعدما فتح أحدى الخزانات الكبيرة بالغرفة فكانت تحوي على ملابس نسائية كثيرة لكافة الأوقات بكافةمستلزماتها لتهمهم متسائلة:
-إيه كل ده بتاع مين؟
اجابها هو بنبرة هادئة وهو يتحاشى النظر لها:
-بتاعك يافتون أشترتهم مخصوص ليكِ
وفي حاجات تانية بس لسه موصلتش من باريس رددت ببسمة تسخر بها من نفسها قبل أي شيء:
-باريس…أزاي يعني؟
انت أكيد بتهزر انا أخري بلبس من الناس اللي بتفرش على الرصيف في سوق الجمعة عادي
وبعدين انا مقدرش أقبلهم دول شكلهم غالي اوي، انا هكلم كوثر تجيبلي هدومي زفر هو بضيق من حديثها وهدر بنفاذ صبر:
-متعصبنيش وأسمعي الكلام من غير نقاش وبعدين لازم مظهرك يليق بيا
اعتلى حاجبيها وهمهمت بعدما ايقنت أنه فعل ذلك ليس من أجلها بل من أجل أن لا تسيء لمظهره الأجتماعي:
-لما همشي مش هاخد حاجة معايا ابتلع ريقه ببطئ شديد من سيرة الفراق التي لا تنفك عنها وكأنها تؤيد قراره الذي يقسم انه لن يقوى عليه فقد تنهد بتثاقل ودون أن يعقب على جملتها هدر:
-النهاردة بليل في صحفين جاين عايزك تجهزي علشان هتنزلي معايا ومش عايزك تفتحي بؤك بكلمة كل اللي تعمليه انك تبتسمي
ومتنسيش إحنا قدام الناس متجوزين و…المفروض بنحب بعض
نطق بجملته الأخيرة وهو يتحاشى النظر لها…بينما هي رددت جملته بسخرية مريرة وهي تحاول أن تبدو ثابتة:
-المفروض…لأمش هنسى متقلقش… تأمرني بحاجة تانية هز رأسه لها بشيء من الأرتباك ثم فر من أمامها ولكن قبل خروجه انحنى بجانب الفراش وألتقط ذات الفرشاة التي استخدمتها وعلق بها بعض الشعيرات منها…لتزفر هي بضيق أنفاسها بعدما استمعت لصوت غلق الباب وتدعوا الله أن يرأف بحالها.
——————-
تنهد بأرتياح بعدما وصل أمام باب شقته وهو يمني نفسه أنه سينال القليل من الراحة بالقرب من ملكة قلبه فبعد كل ما دار اليوم انتابه الضجر كثيرًا وارد ان ينعم ببعض الهدوء وعندما تناول مفتاح الشقة
وفتح الباب تفاجئ من الفوضى العارمة التي حلت بالمكان وقبل أن يفتح فمه ويصدر أي ردة فعل أصطدمت بوجهه أحدى الوسادات الطائرة التي كانت تقذفها هي بأتجاهه:
-انا هوريك ازاي تقفل الباب وتحبسني، انت فاكر نفسك ايه؟ صاح وهو ينحني بخفة كي يتفادي
الوسادات الآخري التي تناوبت بقذفها عليه:
– يا مجنونة اهدي…في حد عاقل يعمل كده هدرت هي بعصبية مفرطة:
– انت لسه شوفت جنان والله العظيم لهدغدغ البيت على دماغك
لتتناوب بقذف كل شيء يأتي أمامها
على الأرض بقوةوتتعمد كسره، من تحف باهظة وفازات كرستالية وغيره من مقتنياته الثمينة
ليزمجر هو غاضبًا:
– كفاية…انتِ عارفة الحاجات دي عزيزة عليا بطلي جنان زمت فمها بغيظ وخطت بخطوات حثيثة يشوبها الحذر وصعدت على احد مقاعد الصالون ومدت يدها لأعلى الحائط وتناولت ذلك الأطار الذهبي المعلق الذي يحاوط صورة زواجهم وبعد أن انزلته ولوحت به أمامه تطالع ملامحه المشدوهة بتحدي سافر و تترقب ردة فعله.
ليصرخ هو:
– لأ انتِ بتهزري اكيد…مي حبيبتي أهدي دي صورة فرحنا بلاش تزعليني ورجعيها مكانها
هزت رأسها برفض وهدرت بعناد:
-لأ…هات مفتاح الشقة الأول وسيبني أرجع بيت ماما ليقول هو بنفاذ صبر:
– قولتلك مفيش خروج من هنا غير لما تولدي تأففت هي كعادتها بعدم رضا وصرخت به:
– ده مستحيل انت أزاي عايزني أقعد كل ده محبوسةهنا…مش هيحصل
تقدم هو نحوها ببطئ يريد ان يسيطر على نوبتها الهستيريةتلك التي من الممكن أن تضر بها و بجنينها وهمهم بنبرة مسايرة: -خلاص يا حبي هريحك وأعملك أي حاجة انتِ عايزاها بس إلا موضوع السفر ده
ابتسمت هي بأنتصار وهتفت بأصرار وهي مازالت تحتضن الإطار وتخطو خطى واسعة تتنقل من أعلى المقعد الى المقاعد التي تجاوره:
– رجعني بيت ماما هقعد هناك، وعايزة ورقة طلاقي توصلي بعد ولدتي
وفي الوقت د مش عايزة أشوف وشك، انت اللي ليك البيبي وبس وانا مش هحرمك منه وهخليك تشوفه
زفر هو بنفاذ صبر وتعالت انفاسه بأنفعال واضح من تلك العنيدة التي تكاد أن تفقده صوابه ودون أي تردد أندفع إليها بسرعة ونزع صورتهم التي يحتضنها الإطار منها وقذفها بكل قوته على الأرض مما أدي الى هشيم بروازها فلم يتبقي منه غير بقايا زجاج متناثر، و دون أي مقدمات منه آخرى كان يحاوط خصرها ويحمل جسدها كي ينزلها من أعلى المقعد هاتفًا من بين أسنانه بوعيد بنبرة أرعبتها كثيراً:
– بطلي شغل القرود ده، وحسي بالمسؤولية شوية ناحية اللي في بطنك ولعلمك بقى
انا طلاق مش هطلق ومش هتمشي من هنا ولو حصل ونشفتي دماغك ومشيتي، قسم بالله يا مي لكون طالبك في بيت الطاعة ومرجعك هنا غصب عنك. ليتركها وينسحب بخطوات غاضبة الى غرفة نومه ويغلق خلفه الباب بعنف نفضها
لتنظر الى الباب الذي أغلقه بنظرة ضائعة ثم بعدها جلست بتهاون على المقعد مشدوهة بفضل ما تفوه به وفاق توقعاتها.
——————–
في نفس التوقيت في فرنسا وخاصًة في باريس عاصمة الموضة والجمال
كانت تجلس هي في أحد المطاعم العريقة القابعة بشارع الشانزليزيه، فبعد انتهاء يوم عملها اتت الى هنا بمفردها كي تتناول العشاء، فبعد ما حدث وتركها للبلاد وهي تفضل العزلة كثيرًا حتى إلحاح آسر المستمر بأنضمامها لحفلاته و عروضه الصاخبة لم يؤثر عليها
تنهدت بعمق وهي تستمع الى صوت فيروز الخفيض الذي يصدر من هاتفها بهدوء يريح الأعصاب فها هي مثل عادتها عندما تريد الأختلاء بذاتها.
(يا طير يا طاير على طراف الدني لو فيك تحكي للحبايب شو بني يا طير وآخد معك لون الشجر ما عاد في إلاّ النطرة والضجر بنطربعين للشمس عبرد الحجر وملبكي وإيد الفراق تهدني يا طير وحياة ريشاتك وإيامي سوا وحياة زهر الشوك وهبوب الهوا إن كنّك لعندن رايح وجن الهوا خِدني ولنو شي دقيقة وردني يا طير)
شعرت ان كلمات تلك الأغنية لامست كافة حواسها و ان قلبها يتأكل من القلق عليه وخاصًة بعد أن أخبرها آسر بما حدث وسوء حالته الصحية يوم أن تركته…
وهنا نفضت أفكارها وظلت تشجع وتدعم نفسها من جديد:
– انا قفلت صفحته خلاص ومش هفكر فيه تاني… لتراودها تلك الذكرى القريبة عندما كان يتوسلها، تقسم أنها مازالت الى الآن تتردد كلماته المتوسلة بأذنها دون انقطاع
لتتنهد بعمق تحاول أن تستعيد عزيمتها السابقة لكن دون أرادة ودون أي تفكير تناولت هاتفها وضغطت على شاشته بأنامل مرتعشة تطلب رقمه التي تحفظه عن ظهر قلب وهي تقنع نفسها أنها فقط ستستمع لصوته ليس إلا.
كان هو في تلك الأثناء يلتزم غرفته داخل المشفى، ونظرًا لتحسن حالته نسبيًا نهض من الفراش واتجه نحو النافذة التي تطل على الحديقة الخلفية للمشفى لعله يكسر ذلك الملل فقد استنشق نفس عميق من عبق الزهور المنتشر بالأجواء ثم رفع نظراته للسماء وظل يتأمل كحلتها لعدة دقائق ويشاهد أبداع الخالق في كونه وعندما وقعت عينه على تلك النجمة اللامعة البعيدة لاحت منه بسمة باهتة وهو يتذكرها، معشوقته ومن تربعت على حصون قلبه وعندها تمتم يناجي ربه بقلب نادم أضناه الفراق:
– يارب انا ندمت سامحني وأغفرلي، انا راضي بقضائك، يارب بلاش يكون عقابي اني أتحرم منها
وعندها انسابت دمعاته دون ارادة
و هو يشعر بمدى حاجته لها
وإن تعالى رنين هاتفه تناوله دون أهتمام و بلامبالاه رد وهو يمسح وجهه بكف يده:
-الو مين؟ تنهدت هي بأرتياح ولم تنبس ببنت شفه وأكتفت فقط بسماعها لتلك الكلمتين منه وصوت أنفاسه ليهتف هو من جديد:
-الو لتبتسم متنهدة وتنوي أن تغلق الخط -فدووووووة باغتها هو بلفظ أسمها بنبرة ملتاعة حارقة يشوبها الأشتياق
شهقت هي بخفوت عندما تفاجأت انه علم هويتها وتساقطتت دمعاتها دون وعي ولم تتفوه بشيء
ليهمهم هو من جديد بنبرة متألمة وكأنه يتأكد كونها هي:
-وحشتيني أوي
انتِ فكرك لما متتكلميش مش هعرف انه انتِ، انا بعرفك من صوت أنفاسك يا فدوتي وضعت يدها على فمها تحاول أن تكتم شهقاتها وتكبح دمعاتها وظلت ملتزمة بصمتها ليهمهم هو بتوسل وبنبرة ضعيفة متألمة من جديد:
-ردي عليا يافدوة قولي كلمة واحدة تبرد نار قلبي وتديني أمل في رجوعك، انا محتاجك يافدوة
…والله محتاجك
لم تقوى بعد تلك الكلمات التي تلفظ بها على التماسك أكثر ودون أي تردد أغلقت الخط وتبعته بأغلاق الهاتف نهائيًا لتضع يدها على خافقها رغبة منها أن تهدأ صرخاته و عندما فشلت أطلقت العنان لنفسها ان تفرغ كل ما بجعبتها من بكاء مختزن
أما هو فقد قذف الهاتف على الفراش بقوة بعدما يأس من محاولاته الشتى بمعاودة الاتصال بها ليتهدل جسده و يكوب رأسه بين يديه وهو يلعن غبائه وينعي حظ قلبه المدمي بعشقها.
————
بعد استعداده وتأنقه المبالغ به علم من أحد الخدم بعودة والدته وتواجدها بغرفتها، ليتوجه الى هناك بخطوات حازمة وعندما طرق الباب وسمحت له بالدخول
باغتته هي بحدة:
– هو انا أخر من يعلم يعني ايه أغيب كام ساعة أرجع ألاقي القصر بالفوضى دى انت ليه مقولتليش علشان استعد
تنهد هو وجلس على طرف فراشها وأستند بمرفاقيه على ساقيه وهدر بجدية دون ان يكترث لكلمة واحدة مما تفوهت به:
– ليه حاولتي تأذي فتون؟ رفعت هي جانب فمها بأمتعاض وهدرت مستنكرة:
-محصلش…انا مجتش جنبها هي اللي اتكعبلت ووقعت – اتكعبلت ووقعت منين يا أمي؟ أجابته بتوتر بعدما زاغت نظراتها:
– من على السلم انا دخلت عليها لقيتها بتنظف ولما سألتها قالت ده بيت جوزي ولازم أهتم بيه وبصراحة مرضتش أمنعها لأنها مفرقتش حاجة عن الخدمات اللي عندنا
سكن الجحيم عيناه ونفرت عروقه من شدة الأنفعال بعدما لم تنطلي عليه كذبتها الواهية وارد أن يصرخ بها لكنه لا يستطيع أن يقلل من أحترامه معها فهي أمه رغم كل شيء
ليحاول التحكم في زمام نفسه وهو يخبرها:
-لأ فرقت يا أمي وفرقت كتير، فتون تبقي مراتي…ومهما كان وضعي معاها أو السبب اللي اتجوزتها علشانه مش هيغير من كونها تبقى مراتي وكرامتها من كرامتي وطول ما هي على ذمتي مش هسمح لحد يهنها ولا يقلل من شأنها
لتهدر هند بسخط وبنبرة متهكمة:
– انا كنت عارفة أن بنت الشوارع دي هتعرف تأثر عليك وتخليك لعبة في ايديها هب وباغتها بحدة بعدما تفاقم غضبه:
-امـــــــــــــــــــــــــــــــــي
لأخر مرة بقولك فتون مراتي ومش هقبل عليها كلمة طول ما هي على ذمتي، وياريت انتِ تراعي ده وتخلي بالك من كلامك عنها وبتمنى متحطيهاش في دماغك وتمارسي عليها جبروتك لتهدر هي بلؤم تحاول تستعطفه:
-بتعلي صوتك عليا يا صقر بعد كل اللي عملته علشانك وبتتعصب عليا علشان واحدة زي دي
ليستأنف صقر بنفاذ صبر بعدما مل من طريقتها المبتذلة لاستعطافه:
– امي لو سمحتي انا مبحبش الطريقة دي وانتِ عارفة، ومش كل مرة تقوليلي عملت علشانك
انتِ معملتيش حاجة علشاني انتِ اتحملتي قسوة ابويا وأهانته ليكِ علشان خاطر ثروته مش علشان حاجة تانية، وياريت كفاية تحمليني فوق طاقتي وتحسسيني ديمًا بالذنب
هذا أخر ما تفوه به قبل أن ينصرف ويتركها
تستشيط غيظًا فقد فاجأها كثيرًا بردة فعله وكشفه لحيلتها الماكرة.
———————-
بعد أن رافقت عمه أثناء تواجد الطبيب بغرفته ونظرًا لقلقه أصر على ان يطمأن عليها ويتم عمل بعض الفحوص الروتينية لها
وأخبرها أن ذلك القلق ناتج من شحوبها وهزالتها الواضحة إنصاعت له دون تردد وهي تشعر بالأمتنان لشخصه الحنون ولم ينتابها أي شكوك حوله وبعد إنتهائها اتجهت لتتجهز كما أمرها صقر وبعد بضع دقائق انتهت من الاستعداد ووقفت تلقي على نفسها نظرة أخيرة بالمرآة تزامنًا مع دخوله إليها بطلته المهيبة
وحين وقعت عينه عليها تجمد بأرضه وأحتبست أنفاسه لثوانِ معدودة من شدة فتنتها فكانت ترتدي فستان بنفسجي فائق الجمال منساب على جسدها بأنسيابية مهلكة، أما عن شعرها فقد رفعته على شكل ذيل حصان مرتب يتأرجح مع خطواتها وكأنها تعمدت أن تعانده و تثير أعصابه وتجعل الدماء تندفع إلى رأسه بسبب كشفها المغوي لعنقها..ورغم ذلك ألتزم ثباته حتى لايشعرها بتلك النيران المندلعة به ليتحمحم بنبرة جاهد لتكون هادئة ولا تفضح مكنونه نحوها:
– جاهزة