Uncategorized

فارس بلا مأوى ٢

_ يقرع بقدميه في الغرفة ذهاباً وإياباً، فقال له رافع الذي ضاق به زرعاً:
_ ما تجعد ياسليم، رايح چاي خيلتني. وقف وألتفت إليه قائلاً وهو يجز علي أسنانه:
_ يا برودك يا أخي، نفسي أفهم أنت إزاي قاعد كده وكمان عمال تشرب في سجاير وشيشه ولا علي بالك. زفر بتأفف وقال:
_ علي يدك من ليلة إمبارح ومهملناش خرم في النچع ولا البلاد الي حواليه وما فتشناش فيه، حتي البت الممرضة الي يمكن تعرف راحت فين أختفت فص ملح وداب.

تدخل صلاح بذكاءه وفتنته قائلاً:
_ أنا خطر علي بالي حاجتين دلوقت. رمقه سليم بإنصات وقال:
_ أي هما؟ . أجاب بثقة كعادته:
_ الأولي، أي بنت بيبقي ليها صديقة سواء في محيط العيله بنت خالة بنت عمه أو خال أو عم وبتحكي لها كل حاجة. قال رافع بتهكم:
_ هي و مارتي بنات خالة والحمدلله مابيطجوش بعض واصل، مفيش غير… صمت قبل أن يتفوه پإسمها، فقال سليم والشر يتطاير من عينيه:
_ كمل يا رافع مخبي أي وخايف منه؟ .

ود لو نهض ويوجه له لكمة قوية، كظم غضبه وقال:
_ عابجي أجولك بعد ما أخلص المشوار دي. قال الآخر بأمر:
_ مش هاتروح في حته غير لما تقولي مين الي مش عايز تقول إسمها وشكلك خايف عليها أوي. رفع جانب فمه بإبتسامة ساخرة وبنبرة إستفزازية قال:
_ لتكون حبيبة القلب بنت عمتك، فاطمة. نهض رافع كالعاصفة الهوجاء وقبض علي تلابيب سترته:
_ إياك تچيب سيرتها علي لسانك تاني واصل. قام صلاح بالفض بينهما:
_ ماتهدي يا رافع بيه، سليم مايقصدش حاجة.

نفض يديه عنه قائلاً :
_ ولا يجصد، أني جولت الي عندي، خليكو أهنه وأني رايح. قال صلاح:
_ روح أنت خلص مشوارك، وأنا وسليم بيه والرجالة هانروح مشوار تاني كده، ونبقي نتقابل هنا في الفندق. سأله سليم بترقب:
_ مشوار أي أنت التاني؟. أجاب بإبتسامة غامضة:
_ هاتعرف لما نوصل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ _ فاطمة، بت يا فاطمة.
نادت بها جليلة، فخرجت إبنتها من الغرفة تمسك بقلم ومذكرة و دفتر ورقي:
_ نعم ياماه، بتنادمي عليا فيه حاچة؟ .

أجابت والدتها بسخرية:
_ في حاچات يا عين أمك، جاعدة في أوضتك وجافله عليكي ومدرياشي بالي حوصل والنچع المجلوب علي بت خالك زينب. تساءلت بخوف وصدمة في آن واحد:
_ مالها زينب؟ . أجابت:
_ تعبت وحچزوها في المشتشفي وتاني يوم هربت، وأخوها وراچل غريب معاه بيجولو إنه خطيبها جالبين عليها النچع ولا كأنها عيلة صغيرة وتاهت. تركت ما في يديها وجلست علي أقرب كرسي قائلة بحزن:
_ مستشفي و خطيبها وهربت!، يا مُرك يا زينب، رافع عيسوي فيكي أي تاني، الله ينتجم منيه.

أمسكت بخمارها لترتديه قائلة:
_ جومي همي وغيري خلچاتك، عانروح لمرات خالك، الله يكون في عونها هي وخميس. لم ترد علي والدتها وتفكر فيما أخبرتها به، صاحت جليلة بها:
_ بت يا فاطمة. أنتفضت ونهضت:
_ ما أني قدامك أها. دفعتها في كتفها:
_ چهزي حالك عانروحو لمرات خالك. تسمرت في مكانها وقالت:
_ لع، روحي أنتي، مش ناجصة نتعارك ويا الحرباية الي إسمها نوارة، بتقعد تلجح علي بحديت ماسخ. _ سيبك منيها وأطمني الي خايفه منيه مش هناك، مرات خالك جالتلي من إمبارح تارك الدار و بيدور علي خايته ولسه معاودش.

صاحت بحنق:
_ مين دي الي بخاف منيه، حاسبي علي حديتك ياماه، ولا هو ولا ألف زيه يجدر يهز شعره مني. خرج بكر من غرفته يعتدل من جلبابه ويمسك بسبحة في يده:
_ عيب يا فاطمة تعلي حسك علي أمك، لا تقل لهما أفُ ولا تنهرهما. رمقته بتهكم وحنق فقالت:
_ خليك في حالك يا سيدنا الشيخ وكفياك مواعظ. هز رأسه بسأم وقال:
_ ربنا يهديكي أنتي وأخوكي الكبير. صاحت في وجهه:
_ بعد عن خلجتي الساعة دي أحسن لك، شايفني مچنونة قدامك ولا أي عاد؟.

أرتدي القلنصوة البيضاء فوق رأسه قائلاً:
_ حجك علي ياخيتي بدعيلك بالهداية، عموماً أني رايح المسچد وعريحك مني. _ يبجي أحسن. أرتدت والدتهما حذاءها وقالت:
_ أستني يا ولدي خدني في طريجك، وأنتي لما أبوكي يعاود چهزي له الواكل، وأبجي طلعي للطير الميه والحبوب، البت الي كانت بتيچي تساعدني مشتها خوفت عليها من أخوكي الفلتان زكريا، ماناجصينش چورس عاد. قالت فاطمة ساخره من كلمات والدتها:
_ سبحان الله ربنا رزجك بولدين واحد شيخ والتاني إبليس.

_ روحي وأعملي الي جولتلك عليه ياست العاجلين لما نشوف أخرتها، وأجفلي الباب عليكي زين. غادرت جليلة مع نجلها، أمسكت فاطمة بالدفتر والقلم قائلة:
_ يا عيني عليكي يا زينب، يارب يهديلك نفسك وحالك يا رافع ويهديك علي خيتك الغلبانة. طرقات عنيفة علي الباب، جعلتها أنتفضت بذعر وخوف، فقالت:
_ كيف غيره الي بيخبط بالغباء دي، چايه أهه يا زكريا.
فتحت الباب لتتفاجئ به يقف أمامها يحدق بملامحها فهي الآن بدون وشاحها وكم أشتاق لخصلاتها الفحمية المسترسلة، وكم من ليالي كان يحلم بتلك الخصلات وهي مبعثرة علي صدره ووجهه، صاحت به:
_ عتبحلج فيا ليه إكده؟.

تذكرت إنها لم تكن مرتدية حجابها، شهقت ودلفت للداخل تاركة إياه واقفاً، ذهبت إلي غرفتها وأخذت وشاحها وقامت بإرتداءه علي عجالة، وأستدارت لتعود إليه لكنها أصتدمت في صدره،ليفاجأها مرة أخري بوجوده داخل غرفتها. صاحت في وجهه:
_ أي الي دخلك أوضتي يا چدع أنت، أخرچ برة لأنادم لك علي أمي. شقت إبتسامة ثغره قائلاً:
_ نادمي عليها إكده؟. صاحت لتوهمه بوجود والدتها :
_ أماه، يا ماه.

قال بتهكم منها ويقترب خطوة تلو الأخري:
_ عمتي لسه شايفها رايحة نواحينا وبكر زمانه بيحفظ قرآن للعيال، وزكريا في الأقصر من إمبارح، والحاچ واصف أبوكي عنده قاعدة صلح عيحكم فيها و قدامه لحد العشا. تتراجع إلي الوراء وتتظاهر بالقوة لكن بداخلها يرتجف خوفاً:
_ طالما خابر إن محدش فيهم أهنه أي الي چابك؟. أجاب وعينيه السوداوتين مليئة بالغموض الذي يزيدها رعباً:
_ هربت عند مين؟. التوتر والخوف جعلاها لم تفهم مقصد سؤاله فأجابت:
_ هي مين؟.

دفعها بجسده فوقعت علي تختها، دنا نحوها وهي تبتعد بوجهها عنه، قائلاً:
_ زينب، جالتلك عتدلي عند مين جبل ما تهورب؟. دفعته في صدره ليبتعد عنها فلم يتزحزح أنشاً واحداً، فصاحت:
_ لسه خابره بالي حوصل من عمتك جبل ما تمشي. _ عبيط أني إياك لأچل أصدج الي بتجوليه، أنتي الوحيدة الي زينب بتجولك علي كل حاچة. تتزحزح إلي الوراء علي الفراش قائلة:
_ تصدج ولا ماتصدجش، جولتلك ما عرفش حاچة عنيها. أمسك بزراعيها وجذبها من فوق التخت وجعلها تلتصق بصدره قائلاً بتهديد و وعيد:
_ عارفة يا فاطمة لو طلعتي بتضحكي علي عسوي فيكي أي؟.

رمقته بإستهزاء ونفضت يديه عن زراعيها قائلة بتحدي:
_ إياك تكون فاكرني بخاف منك يا رافع!، وأي رأيك بجي لو كان عندي علم بمكانها لو دبحتني ما عجولك واصل، لأني مابخافش غير من الي خلقني وبس.

زفر بعمق ونيران غضبه المندلعة بداخل صدره تحولت إلي نيران أخري، ظل لهيبها مشتعل منذ سنوات لم ينطفأ بتاً، وقربه منها هكذا جعله يندلع أكثر كما تحديها له وقوة شخصيتها التي يعشقها لكن بداخله فقط فكبرياءه الذكوري لم يسمح له الإعتراف بذلك، بل دائماً يريد فرض سيطرته عليها، لم يتجرأ رجلاً في النجع بأكمله أن ينظر لها فالكل يعلم فاطمة خاصته ومن يريد الموت والهلاك هو من يذهب إلي والدها أو أشقائها ويطلب الزواج منها، فهذا الذي يختار نهايته بيده أو بالأحري علي يد رافع.

كانت نظراتهما المتبادلة أبلغ من آلاف الكلمات، أخفض بصره نحو شفتيها المرتجفة، أسبل جفونه يتذكر عندما كان يتذوقهما في أحلامه.
مازالت تنظر له بترقب عقلها يحسها علي دفعه أو الصراخ به ليذهب من أمامها، لكن قلبها الخائن يكاد يقفز من بين ضلوعها ليستقر بين يديه عاشقه. تسارعت أنفاسه وهو يصارع رغبته في عانقها وتحقيق أحلامه الجامحة وتقبيلها، دنا نحوهما فأنتبهت لما سيقدم عليه، دفعته بكل قوتها:
_ بعد عني وأمشي من أهنه. ولت ظهرها إليه تمنع دموعها من التحرر، أقترب منها حتي يكاد صدره يلمس ظهرها، تفوه بأنفاسه وأحست بحرارتها الصاعدة:
_ عتطرديني يا فاطمة؟.

يتعمد ذكر إسمها فهو يعلم كم تأثير هذا علي قلبها، فكانت دائماً تخبره كم تعشق إسمها من بين شفتيه وبنبرة صوته التي تحتويها. عقدت ساعديها وبدون أن يراها مسحت دمعه منسدلة من فوق وجنتها، فأجابت بصوت مختنق وشيك علي البكاء :
_ كفياك لحد إكده يا واد خالي، هملني لحالي لو لسه باجي ليا خاطر عنديك. زفر وجز علي شفتيه، رفع يديه لكي يضعهما علي كتفيها قائلاً:
_ أنا ماشي. تراجع عن ملامستها، وأستدار ليغادر مسرعاً قبل أن يفعل شيئاً يندم عليه لاحقاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ _ و في فناء هذا المنزل القديم يللهو هؤلاء الصغار، فخرجت من الحجرة إليهم إمرأه تحمل وعاء مليئ بالمياه المتسخة، صاحت علي الصغار بغضب:
_ أمشي ياولاه منك ليه، ألعبو عند داركو ماناجصينش وچع دماغ. أستيقظ من نومه هذا الراقد علي الأريكة الخشبية القديمة، فأنتابته نوبة من السعال، وقال بصوت متحشرج:
_ بت يا سكينة، أنتي يابت. أجابت عليه تلك السيدة وهي تلقي بالماء أمام الدار، وعادت إلي الداخل:
_ بتك بتچيب لي حاچة من السوج وزمانها راچعة دلوق.

_ لما تيچي، شيعيها تچيب لي علبة دخان. قالت بحنق وكأن فاض بها الأمر:
_ يا راچل أرحم صحتك وأرحمني معاك، بكفياك سچاير الي حرجتلك صدرك دي. وكزها بالعصا التي يتكأ عليها:
_ ملكيش صالح يا وليه، وأعملي الي جولتلك عليه جبر يلمك. وضعت يدها علي أثر الوكزه تمسدها و تتمتم بدون أن تجعله يسمع :
_ اللهي تنجطع يدك يا بعيد، كله من مجصوفة الرجبة سمية بتك من وجت ما هچت من النچع وأنت ماطيجش حد واصل، اللهي ماترچع تاني.

أنتبهت علي أصوات سيارات تتوقف أمام المنزل، فخرجت بدافع الفضول، شهقت بذعر عندما رأت هؤلاء الرجال ذو البدل السوداء والملامح المخيفة يترجلون من السيارات ويقفون أمام دارهم مباشرة، تقدم نحوها صلاح مرتدياً نظارة شمسية سوداء قاتمة، وقف يسألها:
_ ده بيت سمية عبد السميع النجعاوي؟. وبخوف أجابت علي الفور:
_ لع، جصدي آه يا بيه دي دار عبدالسميع چوزي وأني مارته وسمية تبجي بت مارته الأولانية الي ماتت. ألقي نظرة عليها من أسفل لأعلي فقال:
_ طيب جوزك موجود؟ .

أشارت له بإحترام وخوف:
_ چوه يا بيه تلاجيه متكوع علي الكنبة ما عيتحركش منيها. ألتفت قبل أن يدلف إلي سليم الذي ينتظر بداخل السيارة، فأشار له صلاح بأن يتحلي بالصبر، ولج إلي الداخل فوجده منزلاً بسيطاً للغاية ذو أثاث مهترئ وقديم والأرض عبارة عن قشرة إسمنتية مغطاه بالطلاء البني الداكن. رأي صلاح علي عبدالسميع أمامه فقال:
_ السلام عليكم يا حاج. أعتدل الآخر في جلسته ممسكاً بعصاه الخشبية، أجاب:
_ وعليكم السلام، في حاچة يابيه؟.

خلع نظارته وقال:
_ مش هنطول عليك ياحاج، إحنا جايين نسأل بس عن مكان سمية بنتك. أنتفض بغضب قائلاً :
_ هببت أي بت ال….. دي؟ . تظاهر بالجدية البالغة وأجاب:
_ أطمن حضرتك إحنا هنسألها علي حاجة بس مش أكتر. تدخلت زوجة والدها بخوف وقلق:
_ أنتو حكومة يا بيه ولا أي؟. إبتسم من طيبتها الساذجة المعاكسة لهيئتها، فقام بإستغلال ذلك، رد قائلاً :
_ لاء مش حكومة، تقدري تقولي جهة سيادية.

ضرب بكفها علي صدرها بصدمة وقالت لزوجها:
_ شوفت عمايل بتك يا عبدالسميع، مكفهاش إنها تهمل النچع وتهچ منيه ورچالة رافع القناوي كانو جالبين عليها الدار، كمان عاملة مصيبة وچايبه لنا الحكومة لحد أهنه. صاح بها زوجها:
_ أكتمي يا وليه وكفياكي عويل لأجوم أفتح دماغك بالنبوت دب وأرتاح منك. فألتفت إلي صلاح وأردف:
_ ممكن أعرف بتي عملت أي يابيه؟. تنهد صلاح بضيق فقرر إستخدام أسلوب التهديد، فقال:
_ أنا سألت سؤال محدد وعايز إجابته لإما هنضطر ناخدك معانا وهناك بطريقتنا نخليك تقولنا علي مكان بنتك.

صاحت السيدة بعويل:
_ يا مُري، حرام عليكم يابيه الراچل صحته علي قده وميستحملش بهدله، أني أجول….. قاطعها زوجها:
_ كلمة كماني وأرمي عليكي اليمين وأرميكي برة الدار. أدرك صلاح مراوغة هذا الكهل فألقي بآخر ما بجعبته:
_ واضح إنك هتتعبنا معاك، كده مقدمناش غير الحل الأخير. وأشار إلي رجال سليم ليدخلو، وبمجرد دخولهم وهجومهم علي عبدالسميع يقبضون عليه بعنف، صاحت زوجته وأرتمت علي يد صلاح في توسل:
_ أني أجولك يابيه، أبوس يدك جولهم يسيبوه.

أبعد يده عنها قائلاً للرجال بأمر:
_ سيبوه. ألتقطت أنفاسها وقالت:
_ سمية ليها جريبة تبجي خالة أمها عايشة لحالها في سوهاج.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ _ عاد إلي الدار فوجد عمته و خالته سعاد وزوجته يجلسن مع والدته التي رمقته بسخط، فقالت عمته جليلة:
_ داخل إكده من غير ماترمي السلام يا ولد أخوي!. نظر إليها بإحراج وقال:
_ حجك عليا يا عمتي، كنت شارد شوي. فقالت خالته:
_ ربنا يرچعهلوكو بالسلامة ويهدي النفوس بيناتكو. حدجت رسمية إبنها بإزدراء:
_ طول ما فيه الي مسلم حاله للشيطان، عمرها ماهتهدي واصل.

أستشاط غضباً من كلمات والدته الموجهة إليه، أشار بعينيه لزوجته:
_ حصليني علي چوه. وقبل أن تنهض مالت والدتها نحوها وهمست لها:
_ ها عملتي كيف ما الشيخ جالك؟. أجابت عليها بهمس أيضاً :
_ لسه، أديكي شايفه الدنيا مجلوبة من وجت ما عاودت وهو ماطيجش روحه ولا بيجرب مني. لكزتها سعاد في زراعها:
_ أتصرفي يا بت المركوب جبل ما مفعول الوصفة يروح ويبجي كل الي عملناه راح علي الأرض. _ خلاص بجي ياماه.

_ نوارة.
صاح بها رافع من الداخل، فأجابت:
_ أني چاية أهه، شكله راچع والعفاريت بتنطط قدامه وخالتي عتزودها عليه، ربنا يستر. ذهبت إليه لتجده يجلس علي الكرسي المقابل للتخت، وملامحه متجهمة ، فقالت بتوتر:
_ أمرك يا سي رافع. لم يرد بل ظل يحدق بها وبعد ثوان أشار إليها بأمر:
_ أجفلي الباب وجربي أهنه. أغلقت الباب وركضت نحوه ثم وقفت أمامه فأمسك يدها وجعلها تجلس علي المسند الجانبي للكرسي الجالس أعلاه، ليفاجأها قائلاً :
_ خديني چوه حضنك.

ومال برأسه علي صدرها، أذعنت له متعجبة من أمره، حيث كانت تتوقع منه إنه سوف يصب عليها حمم غضبه كما يفعل دائماً معاها، لكن مابه للتو أمر جديد جعلها تنفست الصعداء، وقامت بإحتضانه وتقبيل رأسه، تتوغل بأناملها خصلات شعره السوداء تمسد فروة رأسه مما جعلته يسترخي، لف زراعيه حول خصرها ودفن وجهه في عنقها، وفي تلك اللحظة خُيل إليه إنها هي من تعانقه بحنانها وحبها الذي يفتقده.

أستجابت حواسه لمخيلته، فوجهها أمام عينيه و عطرها الذي يشبه رائحة الريحان تخلل أنفه، وصوتها الذي مازال يسمعه في أذنيه تناديه وتبتسم بدلال يعشقه، أخذ يقبل عنق الآخري وكأنها هي متمتماً بكلمات حب وهيام.

بينما نوارة كانت كالغارقة بين يديه، تستمع لكلماته وقلبها يرفرف ويحلق، لأول مرة منذ أن تزوجها ويسمعها تلك الكلمات التي غمرتها، لاتعلم إنها ليست المقصودة ولو دلف الشك بداخلها لم تكترث بل كل ما يهمها الآن إنها تعيش هذه اللحظة التي طالما حلمت بها فعليها الإستمتاع بها.
لم تشعر بجسدها الذي حمله للتو وهو ينهض متجهاً نحو الفراش يحاوطها بجسده وكيانه ومشاعره، يردد بداخل عقله الثمل من عشقها:
_ بعشجك جوي يا فاطمة! .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ يابنتي والله كنت لسه هكلمك وهقولك أنا وأكرم سافرنا.
قالتها ندا لصديقتها مروة في الهاتف، فأجابت الأخري:
_ بس يا ندلة، برضو زعلانة منك، يومين قافلة تليفونك وهاموت من القلق عليكي، قولت مبدهاش بقي هاروح لها البيت لاقيت البواب بيقولي أنكو مش موجودين وأدامكو أسبوع وترجعو.
_ غصب عني، لما هارجع إن شاء الله هجيلك أنا ولارا ونقضي معاكي يوم وهحكيلك علي كل حاجة، بس كل الي بطلبه منك أنك تدعيلي بالله عليكي.
_ أنتو سافرتو عشان تتخانقو؟.

انت في الصفحة 3 من 10 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى