يقترب بشفتيه نحو وجنتها الوردية:
_ أني إكده ربنا راضي عني. همست وهي تتحاشي النظر في عينيه بصعوبة:
_ إشمعنا؟. أجاب وأنفاسه تضرب وجنتها بسخونه قشعرت بدنها:
_ عشان ربنا رزقني بيكي، أنتي چنتي الي في الدنيا وبإذن الله هتكوني حوريتي في الآخره.
وكاد يُقبل وجنتها.
_ أني چاهز يا عم بكر.
قاطعه الصغير الذي أحس إنه قد جاء في وقت غير مناسب، فتراجع إلي الوراء مبتسماً ويغمز بإحدي عينيه إلي بكر الذي أخذ يضحك من مايفعله هذا الصغير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ _ علي ضفاف النيل وصوت وردة الجزائرية ونسمات الهواء العليل، يضع النادل أمام كل منهما كأس العصير، شردت في الكأس لاتعلم ماتفعله هذا صواب أم مجاذفه و ربما هناك من سيدفع الثمن!.
_ سرحانة في أي؟. تفوه بها الطبيب يحيي فأنتبهت إليه وأجابت:
_ ها؟، مافيش.
تنهد وعاد بظهره إلي الوراء:
_ بصي يا فاطمة الي أنتي قولتيه من شويه ده أسمه ضعف وخوف وجُبن، وأنا عمري ماكنت ضعيف ولا جبان، أنا هادخل بيتكو ومعايا أهلي زي ما أي واحد بيجي يطلب إيد أي واحده، لكن جو أقابل والدك بره وأطلبك للجواز منه ده مليش فيه، أنا مش عامل عمله ولا عليا تار. أطبقت شفاها بحيره ثم قالت:
_ وأني خايفه عليك ليچرالك بسببي حاچة لاقدر الله. أنحني للأمام و رمقها بقوة وإصرار :
_ يبقي يوريني هيعمل أي.
_ هعمل فيك كيف ما بيعملو في ضحية العيد.
قالها رافع الذي وصل للتو واقفاً خلفها، فأنتفضت من فوق الكرسي لتلتفت إليه بذعر، بينما الآخر وقف يحدجه بتحدي، وقال له بسخريه:
_ أهلاً يا رافع بيه، ياتري جاي تقعد معانا ولا جاي تقابل حد!.
دك عصاه في الأرض كإشارة تحذيرية إليه، ليس في مقدرته أن يرتكب أي حماقة في هذا المكان المليئ بأفراد الأمن التابعين للشرطة.
أشتد ظلام عينيه الدامس، ومد يده فتراجعت فاطمة خوفاً مما جعله ينظر إليها بشبه إبتسامة لم تصل إلي سوداويتيه الحالكة، جذب الكرسي المجاور لها وجلس بشموخ ممسكاً بعصاه بكلتا يديه، فقال بتهكم ونظرات خلفها براكين ثائره يندلع من فوهتها حمم لو أطلقها علي القابع أمامه ليرديه قتيلاً لا محالة:
_ تشرب أي يا دكتور ساجع ولا جهوة سادة؟.
أدرك يحيي ما وراء سؤاله، فأراد أن يشعل ما بداخله ويجيب علي سؤاله الخفي:
_ عيب عليك يا رافع بيه، المشاريب دي عليا وبالمناسبه الحلوة دي هطلب لينا حاجة ساقعة. كانت تراقب الأجواء عن كثب وقلبها يخفق بشدة، تريد الفرار أو حدوث معجزة ما تنتشلها من هذا المأزق، أبتلعت لعابها وقالت:
_ طيب عن أذنكو عقبال ما تطلبو المشاريب.
و كادت تنهض لكن يده التي قبضت علي فخذها من أسفل الطاولة منعتها من النهوض، شهقت وأتسعت عينيها من فعلته، وبدون أن تلفت إنتباه يحيي حاولت أن تبعد يد الآخر، فباءت محاولتها بالفشل، بل مال عليها وهمس حيث لايسمعه ثالثهما:
_ أترزعي مكانك إلا وقسماً بالله لايهمني لا أمن وحكومة وهطلع السلاح الي معاي وأفرغه طلجاته كلاتهم في دماغ البقف الي قدامك. أزدردت ريقها مرة أخري فأومأت له بإذعان وهمست إليه بتوسل:
_ طيب ممكن تشيل يدك.
و في تلك اللحظة رآت في عينيه لمعة غريبة تصاحبها إبتسامة لم تستدل علي سببٍ لها. _ آه.
تأوهت بعد أن قام رافع بقرصها ثم نظرت إلي يحيي الذي شك في أمر مايحدث، فأبتسمت بتصنع وقالت:
_ چيت أجوم رچلي أتخبطت في الكرسي. نهض يحيي غير مكترث لتلك القنبلة الموقوتة بجواره فقال لها:
_ تعالي أوصلك. هزت رأسها بنفي وهي تنظر إلي رافع تارة ثم إليه تارة أخري:
_ لاء ما خلاص مفيش داعي، جصدي شكراً كلها دجايج و هاروح.
أتكأت علي حروف كلمتها الأخيره لكي يفهما إنها لاتريد إحدهما أن يذهب معها عند العودة إلي منزلها.
أشار يحيي إلي النادل وطلب لهما الثلاثة مياه غازية، وبعد دقائق بعدد أنامل اليد الواحدة، وضع النادل أمام كل منهم كأس شاغرة وبجوارها المشروب في إناءه المعدني المغلق. بدأ رافع بتفريغ مشروبه في كأسه و برغم حديثه الموجه إلي يحيي لكن عينيه لاتحيد عن فاطمته التي تهز ساقها من التوتر وتقضم أظافرها.
_ مجولتليش يا دكتور هنفرحو بيك ميتي؟.
عقد يحيي ساعديه أمام صدره العريض وعاد بظهره إلي الخلف مستنداً علي ظهر الكرسي، أرتسمت علي شفاه إبتسامة يعلم أن هذا الرافع لايمر الأمر بسلام ويريد إشعال معركة ضارية في الحال.
كان علي وشك أن يجيب عليه وكأنه يخبر صديقه وليس غريمه، لكنها رمقته بتوسل حتي لا يقول له إنه سيتقدم لخطبتها.
بينما يحيي أزداد إصرار وشجاعة، فقرر مواجهة هذا الوغد الجالس أمامه، و كان رافع يحتسي من كأسه منتظراً إجابته:
_ إن شاء الله قريب أوي.
صمت ليفكر في تكملة إجابته لكن عبراتها التي تجمعت في عينيها للتو أوقفته، فسأله رافع مرة أخري عن قصد:
_ ومين ربة الصون والعفاف الي هاتتچوزها؟.
رفع الكأس إلي فمه ليرتشف القليل، فأجاب عليه الآخر بإقتضاب:
_الآنسة فاطمة. دب الرعب في أوصالها، فهي تقسم بداخلها إنها تسمع الآن صوت أنفاسه التي تشبه صوت غليان الماء والأبخرة المتصاعدة تخرج من أذنيه.
عم الصمت بينهم جميعاً حيث ينتظر يحيي ردة فعل الآخر الذي ظل في هدوء زائف، وفاطمة المترقبة لأي كارثة علي وشك الحدوث.
وإذا برافع يملأ كأسه مرة أخري و رفعه إلي شفاه ، وإذ فجاءو يقذف محتواه في وجه الآخر الذي لم يتقبل تلك الإهانة، جذبه من تلابيب جلبابه وصاح به:
_ أنت متخلف و…..
قبض علي يده وزمجر من بين أسنانه:
_ شيل يدك لأجطعهالك يا دكتور البهايم، أحمد ربنا إنها چت علي رشك بالساجع، خابر لو كنا في النچع دلوق لكنت خليت الست الوالدة بتقرأ الفاتحة علي روحك. _ مش هحاسبك علي كلامك الي بيدل علي مدي جهلك وغباءك، بس أحب أعرفك أنا مبتهددش ولا بخاف من حد، و فاطمة هتكون ليا.
صاح بها يحيي ليري في عينيه القاتمتين تتراقص شياطينه الآتيه من جحيم أعماقه، فهو لم يكن يكذب بل سينفذ تهديده الصريح إذا لم يكف عن اللحاق بمعشوقته.
مد الآخر يده إلي طيات جلبابه عند صدره وكاد يخرج سلاحه.
نهضت فاطمة وصرخت فيهما:
_ وجف منك له وكفايه بجي لحد إكده، أني خلاص ولا هاتچوز ولا بفكر في الچواز من الأساس، والبركه فيكو والحمدلله، واحد فاكر حاله خُط الصعيد يهدد ويجتل ولايهمه والتاني الي واخد حبوب الشچاعة و رايد ينجتل، ربنا ياخدني ويريحني من وچع الدماغ دي.
أخذت حقيبتها من فوق الطاولة لتغادر، أمسك رافع برسغها وقال:
_ أستني أنا چا…..
قاطعته بسأم وبكاء جعله يريد قتل هذا اليحيي الواقف في صدمة لا يعلم بماذا سيتفوه:
_ معوزاش حد يچي معاي إلا وربي وما أعبد لأرمي حالي في النيل.
قالتها و ركضت تاركة كليهما، والدموع أغرقت عينيها فكانت تركض حتي وصلت إلي خارج النادي، سارت بجوار السياج تنعي حظها العثر، وقفت لتلتقط أنفاسها وتمسح عبراتها التي أغرقت وجنتيها، فأمتدت يد أخري بمحرمة لكنها ليست لتجفيف دموعها المنهمرة بل كانت لفقدان صاحبتها وعيها علي الفور، وقام هذا الشخص الملثم بحملها إلي داخل السيارة وأنطلق بها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ يمسك بقطع الثياب ويضعها بداخل كيس بلاستيكي وأعطاه لتلك السيدة فأخرجت من جذلانها النقود لتعطيها له، أخذها وقام بتقبيل ورقات المال وبصوت منخفض قال:
_ الحمد والشكر ليك يارب.
وقف جواره جنيدي ليقول بسأم جلي:
_ واجفين من طلعة النهار و الشمس دلوق جربت تغرب ومبيعناش حاچة غير البيعة دي. رد فارس بعد أن أرتشف قليل من الشاي:
_ جول الحمدلله أحسن مامفيش. زفر الآخر بتأفف:
_ الحمدلله، بس أني خلاص زهجت من وجفة الشارع الي مابجتش تچيب همها، عايزين نشوفو لنا حاچة أحسن وفلوسها أكتر. رفع جانب فمه بسخرية وهو يرتب الثياب التي بعثرها الزبائن من معاينتها:
_ حاچة تانية كيف المهندس ولا محاسب، ويا تري هتعطيهم بطاجتك بأنهي إسم ليك! ، أحمد ربنا ده لو كنا حدانا في النچع كنا زمانا هربانين في الچبل ويا المطاريد.
أخذ من يده الكوب وتجرع ماتبقي من الشاي علي دفعة واحدة وقال:
_ صوح نسيت أجولك، عم عربي أتصل عليا وبيجولي خد بالك أنت وصاحبك الحكومة عماله تدور علي المساچين الي هربو بعد الحادثة إياها.
شعر بإنقباضة في صدره عندما تذكر مصيبته، فبإمكانه أن يذهب الآن إلي أقرب مخفر للشرطة ويسلم نفسه لكن هذا الحل لن يجلب إليه حقه أو يظهر براءته، بينما وهو طليق و لو كانت حريته زائفة.
أنتشله من بؤرة أفكاره صوت عامل المقهي:
_ قاسم، الحاج نعمان عايزك ضروري.
عاد إلي واقعه وأنتبه لما قاله الآخر، عقد ما بين حاجبيه متضايقاً، فقال برفض:
_ قولو مش فاضي. أقترب منه الآخر وقال:
_ أنا عارف إنك زعلان منه لما عرض عليك فلوس. رمقه فارس متعجباً:
_ عرفت كيف؟. حك ذقنه وأجاب:
_ بصراحة سمعت الحاج وبنته الآنسه شهد وهما بيتكلمو عنك، ده طلع مبسوط منك أوي، وعايز يشغلك معاه في المحل. تدخل جنيدي قائلاً:
_ أنت متأكد ياض ياهيما. أومأ له وأجاب:
_ والله زي ما بقولكو كده، ده يابخت الي يشتغل معاه، كفايه هاتقعد مع القمر الي عنده.
عض جنيدي علي شفته السفلي وقال:
_ جصدك علي حتة الملبن بنته!. ضحك هيما وقال :
_ دي لو سمعتك هاتعمل منك أنت الي ملبن، محدش يقدر يجي جمبها ولايقرب منها، بنت بميت راجل. جز علي شفته السفلي مرة أخري معقباً:
_ بس فرسه، ولا أي يا عم قاسم؟. رمقه بضيق وقال:
_ مليش أني في حديتكو الماسخ ده. رد الآخر:
_ طب خلينا في حديتنا الماسخ وروح أنت شوف الراچل رايدك في أي، يا عالم فعلاً هيشغلك وياه علي الأجل واحد فينا يرتاح من وجفة الشارع وقرفه.
كانت تقف خلف الزجاج تراقبه كالعادة وعندما رأته يقترب من المحل، أبتعدت وقلبها ينبض بقوة، رمقها والدها بنظرة تحذيرية وأشار إليها:
_ أدخلي المخزن وراجعي البضاعة الجديدة. جزت علي أسنانها بحنق، تريد البقاء لتراه عن قرب لكن والدها يعلم مايدور في رأسها، زفرت بضيق و ولجت إلي المخزن.
و في ذات اللحظة دلف فارس وألقي التحية:
_ السلام عليكم يا حاچ نعمان. رد الآخر علي تحيته وأشار له ليجلس:
_ تعالي اتفضل أقعد يا قاسم يابني.
جلس وبملامح متحفزه تحدث:
_ خير يا حاج. أمسك سبحته بكلتا يديه متنهداً،فقال:
_ بص يا قاسم، أنا راجل دوغري ولا ليا في اللف ولا الدوران، يمكن تصرفي معاك المرة الي فاتت زعلك مني وخدتها علي محمل الإهانة. _ بس يا…. قاطعه مُردفاً:
_ عارف هتقول أي، عشان كده بعتلك لحاجتين الأولي أعتذرلك علي أي سوء تفاهم والتانية أنا بعرض عليك تشتغل هنا في المحل.
تأكد فارس من حديث عامل المقهي، لكنه تذكر أمر هام يخشي من الآخر أن يطلبه منه، وإذا بنعمان قائلاً:
_ متقلقش هديك مرتب أحسن من الي بتكسبه من وقفتك في الشارع والبهدلة الي بتشوفها من الزباين والبلدية. تقف خلف باب المخزن الذي تركته مفتوح قليلاً لتسترق السمع، تدعو الله بأن يوافق علي مطلب والدها.
وبالعودة إلي الحاج نعمان وفارس الذي فكر في الأمر ملياً وجده صعباً للغاية، كيف سيخبره إذا سأله عن أمر هويته وماذا سيفعل إذا علم بحقيقته!.
رد وبداخله يقع في حيرة من أمره:
_ الحكاية يا حاج إني ما ضامنش ظروفي عاد.
لم يعطه فرصة للرفض فقال:
_ أطمن يوم ماتحب تاخد أجازة وعايز تسافر في أي وقت لبلدك مش هامنعك بس تبقي بلغني من قبلها عشان أبقي عامل حسابي، و صح بالنسبة لورقك وبطاقتك الي أتسرقو منك أنا هاتصرف وهطلعلك بديل ليهم، مش عايزك تقلق من أي حاجة. رمقه فارس في صمت، لايعلم سر تلك الهالة المحيطة بهذا الرجل، ربما لأنه يشبه والده كثيراً في طباعه وأخلاقه الكريمة، تمني لو تقابل معه في ظروف أخري أفضل من ماهو عليه الآن.
_ ها قولت أي يا قاسم؟.
سأله نعمان وهو يرمقه واثقاً بعدم رفضه للعمل لديه، فأومأ له فارس بالإيجاب:
_ إن شاءالله يا حاج. تنهدت من أعماقها وأخيراً، تحققت أول خطوة لتصبح معه حتي لو كان في مجال العمل فقط، فعقلها لم يكف عن التفكير به وقلبها يخفق بقوة كلما رأته عينيها التي تشبه عيون المها الشاردة. مد نعمان يده إليه مصافحاً إياه:
_مبارك عليك شغلك الجديد. حدجه بإبتسامة طفيفة:
_ الله يبارك فيك يا حاج.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ عايزة حاچة يا خالتي؟.
قالتها نوارة إلي خالتها التي تشاهد مسلسلها الهندي المفضل لديها، فأمسكت بجهاز التحكم الخاص بالتلفاز وأخفضت الصوت قليلاً:
_ رايحة فين يابتي دلوق؟. حاولت التماسك وألا تظهر لها حزنها من أفعال إبنها حيالها:
_ رايحة أشجر علي أمي وأطمن عليها. _ ماشي بس أوعاك تتأخري ما ناجصينش وچع دماغ من چوزك، وأبجي سلميلي عليها وجوليلها الوليه أم إسماعيل عتجولك أبعتيلها فلوس الچمعية. أجابت وهي تهندم من وشاحها وتمسك بمحفظة نقودها وهمت بالذهاب:
_ حاضر يا خالة، متجلجيش، سلام.
و بعد ما خرجت أخذت تبكي رغماً عنها، فهي بحاجة ماسة إلي حضن والدتها، تريد أن ترتمي بين زراعيها وتطلق لعبراتها العنان كما كانت تفعل وهي طفلة، تحتاج إلي تربيت والدتها الحاني وكلماتها التي تهدأ من روعها وتجعل نفسها تستكين، برغم من موقفها نحوها منذ الأحداث الأخيرة وشعورها بالخذلان نحوها حينما وقفت في صف من يظلمها ويقهر قلبها. كادت تصدم في إحدهن، فقالت تلك السيدة:
_ ما تحاسبي يا….
صمتت لتتحقق من ملامحها فصاحت بفرح وسعادة:
_ أنتي نوارة بنت خالتي سعاد؟.
جففت عبراتها ليمكنها رؤية من هذه السيدة، فتذكرتها:
_ أنتي ماچدة بنت الحاچ مرسي الله يرحمه چارنا؟. أومأت لها وبحبور وترحاب، فتحت زراعيها إليها:
_ أيوه أني، يا مرحب بالغالية بت الغالين. عانقتها بقوة وربتت عليها كعادة النسوة عند السلام والترحاب، فقالت نوارة:
_ تسلميلي يا حبيبتي، أنتي رچعتي من أسوان ميتي؟.
جذبتها من يدها علي جانب الطريق وأجابت:
_ لساتني واصلة العصاري إكده، چيت لأچل خايت چوزي يا عيني لساتها محبلتش بجالها أكتر من تلات سنين وحماتها الله يحرجها عماله تسمم بدنها بحديت كيف الحنظل وأخرة المتمه هددتها لو محبلتش في خلال شهرين هاتچوز إبنها لبت خايتها، شوف الوليه الجرشانه، اللهي چوزها يچيب لها ضرة وتكون صبيه وزينة جوي ويجعدها حداهم في الدار لأچل تنجهر وتحس بالي بتسويه في البت الغلبانه. أستمعت بحزن وآسي إلي قصة غيرها، فتمتمت بمثل شعبي شهير:
_ فعلاً صدج المثل الي عيجول الي بيشوف بلاوي الناس تهون علي بلوته، ربنا يهدي لها حماتها.
ردت الأخري علي ذات الوتيرة:
_ جصدك يحمد ربه علي النعمة الي هو فيها مهما كان عنده من إبتلاءات، إلا جوليلي يا نوارة كيفك وكيف چوزك وياكي؟. لاتعلم حقاً ماهي الإجابة، هل تخبرها إنها تزوجت من رجل وغد ذو قلب أقسي من الصخر!، أم تخبرها بزوجها الذي يعانقها وفي مخيلته أخري غيرها!، وبدلاً من ذا وذاك يأتي بكل جرأه وحماقة يقول لها إنه سيتزوج!.
_ نوارة، نوارة، شاردتي في أي عاد؟.
سألتها فأجابت الأخري بعدما أنتبهت إلي ندائها:
_ كنت بفتكر حاچة إكده، وصحيح قبل ما أنسي أبقو خدي أخت چوزك و وديها لراچل كله بركة إسمه الشيخ برهومه أو حاچة كيف إكده مفكراش جوي. رددت ماجده الإسم فصاحت بتذكر قوي:
_ إياك تجولي الي موچود في البر التاني وفي بيت جديم وفي حته مجطوعه؟. أنتابتها قشعريرة عند رؤية تعابير وجه الأخري التي تنبأها بأن هناك كارثة ستعقب إجابتها:
_ أيوه هو، كيف عرفتي؟.
شهقت بصدمة وقالت:
_ أنتي مخبراشي الي حوصل؟، الأسبوع الي فات جبضت عليه الحكومة بعد ما أتفضح علي يد صحفية كشفت عمايله الشين الهباب. خفق قلبها بوجل لينذرها بطامة كبري قد لحقت بها، فسألتها بتردد:
_ عمايله شين كيف؟. تلفتت يميناً ويساراً ثم أجابت وهي تلطم صدغها بخفة:
_ يالهوي الي سواه لا ينحكي ولا يتجال واصل وربنا يستر علي ولايانا، أدي أخرة الچهل وقلة الإيمان بالله. أزدردت ريقها وقالت بنفاذ صبر:
_ ما تخلصي وجولي هبب أي؟.
_ ولد الحرام عيضحك علي النسواين الي بجالهم ياما في الچواز و ما حبلوشي، بيعطيهم منديل يجولو فيه شوية كلمات قال أي دي دعوات للأسياد، أتاري حاطط في المنديل مخدر لأچل ينيمها ويعتدي عليها وهي كيف القتيلة قدامه، طبعاً الهبلة الي تحمل منهم تفتكر چوزها هو الي حبلها، ربنا يستر علي ولايانا. أتسعت عينيها وهي تستمع لما ذُكر للتو، فداهمها الشعور بالغثيان المفاجئ، أبتعدت قليلاً لتفرغ ما بجوفها، ذهبت خلفها لتطمأن عليها:
_ مالك يانوارة، أنتي زينه؟ .
أومأت لها بالإيجاب وتركتها وذهبت بخطي أقرب للركض رغم من حالة الوهن التي بها، بدون أن تنتبه لصاحب تلك الأذن الكبيرة الذي كان يسترق السمع و ذهب خلفها كما أمره رب عمله، وهذا بعد ما أقترفته في منزل عمته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.
تفوه بها المأذون فتعالت الزغاريد والمباركات وعبارات التهنئة مابين المدعوين من الأقارب والجيران والمعارف.
أطلقت زوجة أبيها زغرودة صاخبة أقرب إلي الصراخ وتلقي بالحلوي علي الحاضرين، وقبل إنتهاء ما لديها قامت بإلقاء ماتبقي في الهواء ليلتقطه الصغار في سعادة.
ثم أقتربت من العروس التي تشبه البدر في ليلة تمامه، عانقتها بقوة:
_ ألف مبروك يا سمية ياحبيبتي.
رفعت جانب فمها بإبتسامة هاكمة وقالت من بين أسنانها:
_ الله يبارك فيكي يا مرات أبوي.
فأردفت بصوت لايسمعه سوي الواقف جوارها بدون أن تنتبه إليه:
_ الله ياخدك ويحدفك في نار چهنم ومتلاجيش ونس غير أبو لهب وفرعون وأستاذك وقدوتك أبليس. أنحني نحو أذنها وقال بصوت أيضاً لايسمعه أحداً سواها ساخراً:
_ شكلك بتحبيها أوي!. أدركت سخريته فقالت:
_ أصلها چت عليا كتير جوي وأنا الي بيچي عليا مببطلش دعاء عليه بس مش بالموت، بالعذاب، الموت رحمة ميستحجهاش الي كيف مرات أبوي والتاني سليخ الزفت.
عقد مابين حاجبيه وملامحه يعلوها الإندهاش:
_ سليخ!. أجابت والإبتسامة تصل لأذنيها الأثنتين:
_ جصدي سليم البيه بتاعك، اللهي يهفه قطر ويفرمه تحتيه لأچل يبجي تجطيع وسلخ وفرم. رفع كلا حاجبيه بنظرة معاتبة قائلاً:
_ حرام عليكي، ده المفروض أروح أشكره لأنه السبب في إني أعرفك. أستدارت إليه بكامل جسدها:
_ يعني أنت فرحان ومبسوط لما عرفتني؟. سألها بمكر وإلتفاف:
_ أنتي شايفه أي؟. ضيقت عينيها بمكر مماثل مثله،فأجابت:
_ مشيفاش حاچة واصل. رفع إحدي حاجبيه:
_بقي كده؟.
حدجته بإبتسامة خبيثة وقالت:
_ أيوه إكده، ولو مش عاچبك إحنا لسه فيها دلوق قبل ما المأذون مايمشي. حاوط خصرها بزراعه وضغط بيده قليلاً مما جعل وجنتيها تتوهج إحمراراً من الخجل المفرط، وأقترب من سمعها وهمس بتوعد:
_ نتلم أنا وأنتي في أوضة واحدة ويتقفل علينا الباب وأنا هوريكي الي مش شيفاه ده كويس أوي. شهقت بصدمة وهمست إليه:
_ أه يا سافل يا جليل الحياء. ضغط علي خصرها أكثر وقال بعد أن أدرك سوء الظن لديها:
_ أنا قصدي أوريكي بحبك أد أي يا أم نية شمال.
أطبقت علي شفتيها بخجل شديد وإن رأت والدها قادم نحوهما ركضت نحوه وعانقته، فربت عليها وقال لها:
_ ألف مبروك يابتي ربنا يسعدكم ويهنيكم ويبعد عنكم شر العين والحسد. _ الله لا يحرمنا منك يا أبوي ويخليك لينا يارب. أبتعد عن معانقة إبنته فأمسك بيد الذي أصبح زوجها و وضعهما بين كفيه:
_ وأنت يا ولدي أني مش رايد منك غير حاچة واحدة بس، وهي تحط بتي في عينيك وتراعي ربنا فيها. أومأ صلاح ثم رمق سمية بحب وسعادة قائلاً:
_ متقلقش يا عمي، سمية في قلبي قبل عيوني.
ربت والدها علي كتفه:
_ ربنا يباركلك فيها ويباركلها فيك. _ ألف مبروك يا عريس.
قالها رافع الذي حضر للتو، فتبدلت ملامح سمية من الفرح والسعادة إلي التجهم والضيق، رمقته بإزدراء وقالت لزوجها:
_ أني هاروح أجعد ويا الحريم.
قالتها وذهبت وذهب والدها أيضاً فهو يبغضه منذ أن دلف إليه منزلهم عندما كان يبحث عن زينب، و وجه إليه أفظع الألفاظ والسباب وقام بتعنيفه و دفعه كالحشرة علي الأرض بدون رحمة.
فقال رافع وهو يضغط علي فكه بحنق متجاهلاً عدم ترحاب سمية و والدها له:
_ بس أي المفاچاءة دي يا متر، لما جالو لي المتر صلاح بيكتب كتابه علي سمية ما صدجتش غير لما چيت وشوفت بعيني، وبعتب عليك لأنك معازمتنيش . إبتسم الآخر بتكلف وقال:
_ والله كل حاجه جت بسرعة والمفروض نرجع القاهرة عشان فيه شغل كتير ورايا متأخر. مسح بإبهامه علي ذقنه وقال:
_ ماشي هعديهالك يا أبو صلاح،و ربنا يتتم بخير، إلا صوح سليم بيه وجت ما سافر هو وخايتي جافل المحمول وما عرفش نطمنو عليكم.
رفع الآخر كتفيه و زمت شفتيه لأسفل ثم أجاب:
_ والله علمي علمك، بس هو لما بيسافر ديماً بيقفل موبايله ومبعرفش أتواصل معاه غير من علي النت. ردد رافع بإبتسامة هاكمة:
_ النت!، طيب لو كلمته أبجي جوله متنساش إن لمارتك أهل رايدين يطمنو عليها. بادله صلاح بذات الإبتسامة، يهز رأسه قائلاً:
_ حاضر، هقوله.
وبعد إنتهاء هذا الحفل وعاد الجميع إلي منزلهم، وما زال صلاح يمكث في منزل أهل عروسه، يتمدد علي السرير لكن بدون أن يشعر بالراحة، فهو بغرفة و معشوقة فؤاده في غرفة أخري، يفصل بينهما جدار واحد يريد أن يحطمه ويأخذها بين أحضانه الدافئة.
ظل يتقلب يميناً ويساراً حتي آذان الفجر الذي دوي في أرجاء النجع، أمسك هاتفه ليحدثها قليلاً لعل صوتها الحاني يجعله ينام بطمأنينه.
أجابت بصوت يتخلله النعاس:
_ أيوه يا صلاح فيه حاچة؟.
تنهد وأجاب بنبرة بشوق وهيام:
_ اه، مش عارف أنام وأنتي بعيده عني. تثائبت ولا تدري إنها تتحدث إليه:
_ شد الستاره واجفل النور وأنت هتنام. عقد مابين حاجبيه وقال:
_ ستارة أي الي أشدها!، ماتصحصحي كده وكلميني، بقولك مش جايلي نوم وأنتي بعيده عني، ينفع أجي لك وتاخديني جمبك يمكن أنام؟. بدأت تفيق قليلاً فقالت:
_ أبجي أعملها عشان بدل ما تنام چاري، يچي أبوي ينيمك چار چدي في القبر. _ ده علي أساس إنك مش مراتي!.
تفوه بها بضيق وتعجب، فأجابت بسخرية :
_ ما أنت خابر الأصول زين يا حضرة الأڤوكاتو.
زفر بتأفف وسأم:
_ أمري لله، خلاص قومي وفوقي كده عشان عايز أتكلم معاكي شويه، أصل بصراحة مش مصدق نفسي إنك بقيتي مراتي. تثائبت مرة أخري وقالت:
_ وأني كمان. بدأ يشعر بالضجر نحو إجاباتها المقتضبة والخالية من المشاعر:
_ طب أنا بحبك. أجابت بآلية:
_ وأني كمان.