Uncategorized

فارس بلا مأوى ٥

أخذته من يدها باللهفة:
_ تسلميلي يا قمر يا حتة سكر، كملي جميلك معايا وهاتيلي أشرب ميه ساقعه هاموت من العطش. زفرت بنفاذ صبر:
_ الصبر من عندك يارب، حاضر يا سماح هاقوم أجيب لك تشربي. وبعدما نهضت شهدت وذهبت لتجلب لها الماء، أشرأبت برأسها لتطمأن إنها لم تراها فأمسكت بهاتفها وأخذت تضغط عدة نقرات وعلي شاشة هاتف الأخري، حتي جاءت شهد تحمل زجاجة مياه وكوب وضعتهما أمامها:
_ أتفضلي. _ ربنا يكرمك يا سكره.
سكبت الماء في الكوب وأخذت ترتشف، ثم هاتفت والدتها وأطمأنت عليها.

_ أتفضلي تليفونك يا شهوده، ما أنحرمش منك أبداً، شكراً يا حبيبتي. ردت بإقتضاب:
_ العفو.

نهضت وهمت بالذهاب:
_ هارجع أنا علي المحل عشان سايبه البت الي معايا لوحدها ودي خيبه مابتعرفش تبيع للزباين زيي، يلا سلام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ تمسك بهاتفها لتجري إتصالها به للمرة الخمسون ولم يجيب، يبدو أنه ترك هاتفه علي الوضع الصامت هكذا كان ظنها، ألقت بهاتفها علي الفراش ونهضت وهي تتثائب بكسل.
ذهبت إلي المرحاض لتغتسل وتتوضأ ثم أبدلت منامتها بإسدال الصلاة وأدت فرضها، وبعد إنتهائها أطبقت شفتيها بألم وتضع يدها علي رأسها يبدو الألم يداهمها مجدداً، ذهبت إلي المطبخ لتعد فنجان قهوة عله يخفف لها ذلك الصداع.

وصلت إلي أنفها رائحة مقززة، أمتعضت ملامحها بتأفف، حتي وقع بصرها علي سلة القمامة، صفعت جبهتها قائلة:
_ آخ نسيت أخرجها إمبارح بالليل قبل ما أنام ، وشكل الراجل بتاع الزبالة فضل يرن الجرس وأنا نايمة زي القتيلة.

قامت بإغلاق كيس القمامة و وضعت غطاء السلة وأغلقته بإحكام لتخرجها من باب المطبخ وتضعها بجوار الجدار، كادت تعود إلي الداخل لكن أوقفها صوت أنين يصدر من شخص يتألم، تتبعت الصوت لتجد مصدره من الشقة المقابلة لها، خفق قلبها وتراجعت عن أمرها:
_ جري أي ياندي!، ناويه تروحيلو يا مجنونه!، بس ده شكله تعبان أو فيه حاجة، وأنتي مالك يتعب ولا يموت ولا يغور حتي في داهية، خليكي في حالك. تنهدت و أردفت لذاتها:
_ وأنا مالي خليني في حالي أحسن.

و دخلت إلي منزلها، لكن فضولها يسيطر عليها فجالت في رأسها فكرة، ذهبت إلي جهاز الأنتركم وضغطت علي الزر ليأتيها صوت حارس العقار:
_ صباح الخير يا ست ندي، أمرك؟. _ صباح النور يا عم خضر، بقولك أنا عايزاك تجيب لي خضار وفاكهة من عند الحاج مرعي. _ حاضر يا هانم، في أي طلبات تانية حضرتك؟. _ لاء، شكراً، بقولك صح هو فيه حاجة عند الجيران الي قصادي؟.

_ ده علي بيه ربنا يشفيه ويعافيه طلعو عليه ولاد حرام وغزوه بمطواه في جمبه، راجع من المستشفي إمبارح بالليل وسندته بالعافيه لحد ما نيمته علي سريره، بتصل عليه دلوقتي أشوفه محتاج حاجة وأطمن عليه ما بيردش، أصله قاعد لوحده والمدام بتاعته لسه مارجعتش من السفر زي مابيقول. _ لا حول ولاقوة إلا بالله، ربنا يشفي كل مريض، ماشي ياعم خضر، هاتلي الطلبات الي قولتلك عليها.

جلست علي الكرسي بجوار الطاولة الرخامية تنتظر فوران قهوتها، وفي ذات الوقت أنتابها شعور بالذنب نحوه، تخشي إنه يلقي بنفسه إلي الهلاك من أجل نسيانها.
أنتفضت عندما سمعت آهاته تعلو يبدو إنه في حالة يرثي لها من الوهن والتعب، أخذت تقضم أظافرها وما بين أن تذهب لتطمأن عليه أم تتركه!.
تذكرت عندما تغيب عن الجامعة لأكثر من ثلاثة أيام ولاتعلم عنه شيئاً، فذهبت إليه وجدته محموماً ويتصبب عرقاً غزيراً وفي حالة هذيان، فقامت بالإعتناء به حتي تحسنت حالته.

أنتبهت إلي صوت فوران القهوة الذي تدفق علي سطح الموقد وأطفأ النار، نهضت وأطفأت الغاز وهي تحسم أمرها، بأن تقدم إليه آخر مالديها من مساعدة وتطلب منه الإبتعاد.
ذهبت إلي المرآه لتهندم من إسدالها وتضبط حجابها، ألتقطت مفتاح باب منزلها في يده ثم غادرت.
أطمأنت أولاً بألا أحداً سيراها وهي تضغط زر جرس باب جارها، ضغطت مراراً وتكراراً ولم يفتح لها، وضعت أذنها علي الباب لتتأكد من وجوده بالداخل فسمعت ذلك الأنين المرتفع.
عادت إلي داخل شقتها مرة أخري والقلق يساورها، فقالت:
_ مفيش غير حل واحد و ربنا يسترها.

خرجت من باب المطبخ وتمسك بسكين رفيع قد أخذته معها لتستطع فتح باب مطبخ شقته، وبالفعل نجحت في فتحه ودلفت تتلفت من حولها تبحث عنه.
شهقت عند رؤيته يتمدد علي الأرض في غرفة نومه بنفس هيئته منذ سنوات، محموم ويتصبب عرق غزير بإضافة إلي الألم المنبلج علي ملامحه وهو يجز علي أسنانه ويأن، دنت إليه لتلمس جبهته فوجدت حرارته مرتفعه جداً.
_ علي، أنت جسمك مولع، أزاي سايب نفسك كده!. لم يجب وكانت عينيه كالشارد في الفراغ يهذي ببضع كلمات ألتقطت منها البعض:
_ ندي، أنا بحبك، ماتبعديش عني.

نهضت بتردد و هي تحدجه بإمتعاض، تعلم هذا ليس مجرد هذيان حمي بل حقيقة مؤكده نابعه من أعماقه وتعلقه المرضي بها.
أطلقت زفرة فهي في حيرة من أمرها، ماذا عساها أن تفعل!.
أنحنت إليه وألتقطت من بجواره منشفة قطنية أخذت تجفف بها حبات عرقه المتناثره علي جبهته و وجهه، لكزته في زراعه:
_ علي، سامعني؟،حاول تقوم عشان تحط راسك تحت الميه، حرارتك عاليه أوي. نظر نحوها بعينين زائغتين مهمهماً:
_ ندي!، أنتي هنا بجد ولا أنا بتهيألي.

ربتت عليه وقالت:
_ لاء بتهيألك، قوم بس وأسمع كلامي. تحامل علي نفسه وحاول أن ينهض مستنداً علي طرف السرير، أختل توازنه فكاد يقع، لم تشعر بنفسها وهي تمسك به لتساعده علي الوقوف.
ظل يرمقها وهو لم يصدق عينيه إنها معه بل وتسنده حتي قامت بإيصاله إلي المرحاض. _ أتفضل أدخل حط راسك تحت الحنفيه، يا أما أفتح علي جسمك الدش، وأنا هاروح أعملك حاجة تاكلها. أستدارت لتذهب، أمسك يدها ليمنعها قائلاً:
_ ماتسبينيش أرجوكي، أنا ماليش حد غيرك.

سحبت يدها في هدوء:
_ علي، أرجوك أنت أفهم وجودي هنا عشان أساعدك مش أكتر. أستند بجسده علي الحائط وقال:
_ أنا أصلاً مش مصدق، حاسس أن أنا بحلم، اه… تأوه بشدة، ركضت نحوه فلاحظت جرحه أسفل القميص يذرف دماً. _ علي، أنت بتنزف، أنت آخر مرة غيرت علي جرحك ده كان أمتي؟. هز رأسه بعدم معرفة:
_ مش فاكر، يمكن علي ما أعتقد من وقت إمبارح لما الدكتور غير لي عليه. رمقته بضيق وقالت:
_ شكل جرحك أتفتح من الحركة وأتلوث وده الي خلي حرارتك بالشكل ده، أنت لازم تروح للمستشفي أو تكلم دكتور يجي يشوف جرحك.

تركها و دلف إلي المرحاض و أخفض رأسه أسفل الصنبور لينهمر الماء علي رأسه.
ذهبت إلي المطبخ تبحث عن شئ لتعده له، فتحت الثلاجة تجدها شاغرة، أغلقتها فشهقت بفزع عندما وجدته يقف أمامه وصدره يعلو ويهبط، يلتقط أنفاسه بوهن.
تراجعت قليلاً لتحافظ علي مسافة بينهما، فقالت بتوتر:
_ أنا كنت بدور علي أكل أعمله لك، ملقتش حاجة. _ أنا أكلي كله دليفري أو باروح أكل في مطاعم، آخر مرة كلت فيها أكل بيتي،كان من أيديكي أنتي، فاكرة؟.

تحاشت النظر إليه وهمت بالذهاب لتتهرب من نظراته وحديثه :
_ طيب هاروح أنا لشقتي وهاعملك من عندي وأبعته لك، وياريت تتصل بالدكتور يجي يكشف علي جرحك. خطي نحوها وهي تتراجع حتي أصبح أمامها وخلفها حافة طاولة الحوض الرخامية، يحدجها بعتاب وشوق وهيام و عشق قد بلغ ذروته:
_ أنا جرحي الي بينزف مش هنا.
أشار نحو جرح جانبه، وأردف:
_ جرحي الحقيقي هنا.

أشار إلي موضع قلبه، ظل ينظر في عينيها لثوان فبدأ يهبط إلي شفاها التي ترتجف من التوتر والخوف، وقبل أن يتمكن من تقبيلها، دفعته لتبعده من أمامها و عبرت من باب المطبخ إلي شقتها، تلهث بشدة، تضع يدها علي صدرها، تسمع خفقات قلبها أثر هذا الهراء والعبث الذي كان سيحدث منذ قليل، ذهبت إلي غرفة النوم وتخلع حجابها، ضغطت علي زر الإضاءة، تسمرت في مكانها وتشعر بالبرودة تسري في عروقها:
_ أكرم! . #الفصل_السابع_والعشرون
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي

_ لاتنظر لنا الحياة بنظرة واحدة تارة تسعدنا وتارة أخري تشقينا وتلقي بنا في بئر الأحزان والمصاعب فما علينا سوي السعي والصبر حتي نجتاز مرحلة الشقاء ونصل إلي بر السعادة.
♕ولاء رفعت علي♕
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ذهبت إلي غرفة النوم وتخلع حجابها،  ضغطت علي زر الإضاءة،  تسمرت في مكانها وتشعر بالبرودة تسري في عروقها:
_ أكرم!  . كان يجلس علي طرف السرير وينظر إليها بشبه إبتسامة لم تستشف منها إن كان سعيداً أم غاضباً أو هادئ كالهدوء الذي يسبق العاصفة!.

أزدردت ريقها بتوتر حاولت إخفاءه ببسمة هشة قائلة:
_ أي المفاجاءه الحلوة دي؟.
وتلتها بالذهاب إليه ومعانقته لتخفي ملامح وجهها عن رماديتيه التي كانت تخترقها عن كثب.
_ وحشتني أوي يا حبيبي.
تردد في مبادلتها العناق لكن رفع ساعديه وأحتضنها وبدأ العناق يشتد،  قائلاً  بنبرة تخلو من المشاعر التي تعبر عنها كلماته:
_ وأنتي كمان كنتِ وحشاني. أنسحبت من بين زراعيه و طبعت قُبلة رقيقة علي ذقنه الحليق،  فسألته :
_ قولتلي إنك في شغل لمدة أسبوع وأنت يا دوب رجعت تاني يوم.

أجاب بعملية وجدية:
_ كنت في مُهمة مُحدده والحمدلله خلصتها. أمسك طرف ذقنها و حدق في عينيها بنظرة أربكتها وجعلت قلبها يكاد يقفز من مكانه، فأردف متسائلاً:
_ مبسوطه من المفاجاءه ولا متضايقة؟. تصنعت الدهشة علي ملامحها فأجابت بإنكار:
_ وهتضايق ليه يا حبيبي،  طبعاً مبسوطه وفرحانه،  ده أنا كنت ببقي زعلانه لما كل شويه بتسافر وتسيبنا لوحدنا،  فاكر؟. أومأ لها وأجاب:
_ أه فاكر،  و عمري مابنسي أي حاجة. أدركت مايخفيه في طيات إجابته،  نهضت وهي تحاول تشتيته:
_ طبعاً شكلك مافطرتش، روح خدلك شاور عقبال ما أحضرلك أكله هتاكل صوابعك وراها.

_ ما تعمليش حاجة.
أوقفها قبل أن تذهب،  ألتفتت إليه فأردف:
_ أنا أكلت قبل ما أجي ،  لو أنتي لسه مافطرتيش كولي وجهزي نفسك عشان هانروح نجيب البنت. عادت إليه وجلست جواره،  وضعت يدها علي كتفه:
_ مالك يا أكرم،  أنت زعلان مني؟ أو ضايقتك في حاجه؟. أمسك يدها ليضعها بين يديه ليجدها ترتجف وأطرافها يكسوها البرودة:
_ و هزعل أو هتضايق منك ليه!  ،  أنتي عملتي حاجه زعلتني؟. غصة علقت بحلقها،  تجرعتها بصعوبة حتي تجيب علي سؤاله الذي زاد خوفها:
_  لاء،  هو أحنا لحقنا نقعد مع بعض.

ربت علي كتفها وقال:
_ متقلقيش،  هانقعد،  هانقعد كلنا مع بعض!. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تقف أسفل المياه المنهمرة فوقها كإنهمار عبراتها علي وجنتيها،  تبكي وتنعي ذاتها وكبريائها الذي تحطم علي يدي هذا الظالم.
فالألم النفسي يغمرها أكثر من الألم الجسدي أثر ما أقترفه بها، أطلقت آهه نابعة من جوفها فجلست علي الأرض محتضنة ساقيها وجسدها يرتجف وتبكي ويزداد نحيبها كلما تذكرت وعيده لها بأن يعاملها كالحيوان،  يزداد كلما تشعر بأثر لمساته العنيفة وهو يرغمها علي الركوع أسفله كما يفعل الرجال أيام الجاهلية والعصور المظلمة مع الجواري وآسيرات الحروب.

_ بعد ماتخلصي حضري نفسك عشان جايين لينا ضيوف بعد شوية.
أمرها من خلف باب المرحاض، تخشي أن تصرخ بالرفض وتخبره بأن يذهب إلي الجحيم هو وضيوفه،  فيجب عليها أن تتريث وتفكر جيداً في كيفية الخلاص من هذا الوحش.
نهضت وأغلقت الصنبور ثم تناولت معطفها القطني ومنشفة الرأس وأرتدتهما. كان بالخارج يقف أمام المرآه يرتدي حُلة سوداء مثل عالمه،  يمشط خصلاته الفحمية وعينيه تنظر في المرآه نحو تلك التي خرجت من المرحاض للتو تتحاشي النظر إليه،  بل تتمني أن تهبط علي رأسه مصيبة مفجعة تخلصها وتخلص البشرية بأكملها من شره.

جلست علي الأريكة عاقدة ساعديها فقال لها وهو ينظر لها عبر المرآه:
_ قاعده عندك بتعملي أي،  مش قولتلك جهزي نفسك!  . رمقته بإزدراء جلي في نظرات ذهبيتيها المتلألأه من أثر البكاء:
_ ما أني منتظراك تخلص وتطلع بره عشان أعرف ألبس. إبتسامة هازئه أعتلت ثغره،  ألتفت إليها وسار نحوها حتي أصبح أمامها وبأسلوب ساخر تحدث:
_ مكسوفه تغيري قدامي يا حبيبتي!، ما خلاص ده أنا حافظ كل تفاصيلك من أول شعرك.
أزاح المنشفة فوق رأسها فسقطت خصلاتها المبتلة بتبعثر علي كتفيها،  هبط ببصره إلي تلابيب معطفها بنظرات وقحة جعلتها تمسك بها وأردف:
_ لحد رجليكي.

كادت تحرك قدميها من أمامه لكنه حاصرهما بين ساقيه، حاولت تحرير خاصتها فلم تنجح مما أثارت ردة فعلها ضحكاته، أخذ يقهقه و دنا نحوها ممسكاً بطرف ذقنها يحدق في ذهبيتيها بسوداويتيه لثوان،فباغتها بقبلة لم تستطع الإفلات منها لهيمنته وأصابعه التي أنغرزت خلف رأسها في طيات خصلاتها ليزيد من عمق قبلته التي لاتخلو من العنف،حيث ألتقط طرف لسانها عنوة بين أسنانه بضغطه خفيفة فتأوهت وقامت بمقاومته ليبتعد عنها، لكنه إبتعد بإرادته هو وليست هي. ألتقطت أنفاسها التي كانت علي وشك أن تتوقف، أرتسم إبتسامة إستفزازية علي شفاه وقال:
_ معلش.

قالها وأعتدل ليغادر الغرفة قائلاً:
_ عشر دقايق وألاقيكي لابسه وجاهزة قدامي. وما أن غادر بصقت نحو أثره:
_ معلش!  ، معلش علي أي ولا أي يا حيوان،  ربنا ياخدك أنت والي كان السبب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ هدأ من سرعة سيارته حتي توقف أمام البناء القاطن به عائلة زوجته، أمسكت بحقيبتها وكادت تفتح الباب وهي تقول:
_ أستناني هنا خمس دقايق هاجيبها و نازلين علي طول. _لاء.
تفوه بحده مما جعلها ألتفتت إليه بدهشه تلاشت عندما أردف:
_ أنا طالع معاكي.

نزل كليهما من السيارة،  و دلفا إلي البناء فأشار لها لتصعد الدرج أمامه،  و مع كل درجة تصعد عليها يزداد شعور بداخلها يحذرها من القادم. أستقبلهما والدها بحفاوة وترحاب بعدما صافح أكرم وأحتضن أبنته:
_ ده البيت نور بالحبايب. أنبسطت ملامحه بسعاده غرار ما كان منذ قليل:
_ الله يخليك يا عمي،  منور بيكم ديماً. جلس ثلاثتهم،  فقالت ندي:
_ أومال فين ماما ولارا ؟. أجاب والدها:
_ بنتك نايمه في أوضتك، ومامتك في المطبخ أول ما عرفت أنكم جايين بعد ما أكرم أتصل بيا، راحت تحضر الأكل الي بتحبوه.

_ حبيبتي يا ماما، لما أقوم أروح أساعدها.
قالتها وهمت بالنهوض، فوجدت والدتها تخرج من المطبخ وبيدها منشفه قطنية تجفف يديها بها:
_ أنا خلصت والأكل قرب يستوي كمان. وقفت ندي بجوار والدتها وقالت بفخر:
_ مامتي طول عمرها ست بيت شاطره وأسرع واحده تعمل أكل. قالتها ثم عانقتها، ف ردت والدتها بمزاح:
_ يا بكاشه.
نظرت إلي أكرم وقالت:
_ عارف رغم أنا زعلانه منك أنت وهي، لكن لما عرفت أن الحمدلله ربنا هداكم لبعض فرحت وأتبسطت أوي.

فقال والدها:
_ ربنا ما يجيب زعل أبداً ويهدي سرهم، إحنا مش عاوزين غير إننا نسمع عنهم كل خير ويكونو مبسوطين، ولا أي يا ندي؟. _ أطمن يا حبيبي الحمدلله أنا وأكرم أسعد زوجين في الدنيا. تدخلت والدتها قائلة:
_ قولي ماشاءالله يابنتي، لايحسد المال إلا أصحابه. وجه والدها نظراته إلي أكرم الذي آثر الصمت فسأله وخلف سؤاله عتاباً علي ما أقترفه مع إبنته سابقاً:
_ يعني خلاص يا أكرم؟.

_ مش خلاص يا عمي.
إجابته الحاده جعلت ملامحهم تتبدل من الفرح والسعادة إلي الصدمة والوجوم، بينما ندي هربت الدماء من وجهها فأصبحت شاحبة كالأموات عندما تفوه الآخر:
_ أنا جيت لحضرتك النهارده زي ما جيت لك من تسع سنين وطلبت إيد ندي للجواز. كان حماه يستمع لكلماته بإنصات شديد يخشي ما هو آتي، و زوجته التي لاتقل صدمتها عن إبنتها التي شعرت وكأن دلو من الثلج أُلقي علي رأسها، ليستطرد الآخر:
_ و زي ماقولتلك وقتها يشرفني إن أطلب إيد الآنسه ندي من حضرتك، دلوقتي بقولك بنتك ما تلزمنيش وكل واحد يروح لحاله.

شهقت والدتها وهي تضرب بكفها علي صدرها، وضعت ندي يديها علي فمها وعلي وشك البكاء غير مصدقة ما يقوله زوجها لوالدها الذي أجترع ما سمعه الآن علي مضض فقال:
_ بغض النظر عن الي قولته وهاعتبر نفسي ماسمعتوش، ممكن أفهم أيه السبب الي وصلك تقول كده؟. أعتدل أكرم في جلسته وأرتسمت علي ملامحه الثقة والجدية البالغة:
_ حضرتك عرفت تفاصيل آخر مشكله حصلت مابينا أنا وبنتك، وبعترف بغلطي الي ندمت عليه وأخدت عهد علي نفسي ما كررش غلطتي دي تاني الي أتعلمت منها درس عمري ما هنساه.

جال ببصره إلي ندي التي تجلس بالقرب منه وأردف:
_ لكن الظاهر الي ما أتعلمش لسه هي بنتك.
وضع يده في جيب بنطاله وأخرج هاتفه وضغط علي شاشته ثم رفعه أمام عينيها:
_ مش دي الرسالة الي بعتهالك علي الحسيني من كام يوم ومسحتيها؟. أتسعت عينيها وشعرت لوهلة بأنها علي حافة الهاوية، ورغماً عنها تفوه لسانها:
_ إزاي؟. تدخل والدها وهو في حيرة من ما يحدث أمامه:
_ ما تفهمني يابني أي الي حصل؟، ورسالة أي الي بعتها الي اسمه علي ده؟.

حاول الآخر أن يكبح جموح غضبه الذي لو أطلقه عليها كلما يفكر فيما سيخبرهم به الآن، ستصبح في تعداد الأموات.
_ تحكي لهم ولا أحكي لهم أنا يا ندي هانم يالي بتوعدي وتحافظي علي وعدك!.
تحدث بسخرية مما جعلها صاحت بدفاع عن نفسها:
_ دي مجرد رساله ملهاش لازمه ومسحتها، الي يسمعك كده يقول إني خونتك!.

بادلها نفس وتيره الصوت المرتفع لكن بوضع الهجوم:
_ هو موضوع رسالة بس!، ولما الو….. يجي يسكن في الشقة الي قصادنا وتروحيلو لحد عنده وياريتها مره، مرتين، الأولي يوم ما سبتك وسافرت والتانية وقت ما رجعت من شوية ومالاقتكيش في الشقة ورجعتي من باب المطبخ. كل كلمة وكل نظرة صادرة منه إليها كانت بمثابة سهام مشتعلة تخترق روحها وقلبها، فما كان منها سوي الإنكار لتبعد عنها نظرات الإتهام من والديها:
_ الي قالك كده كداب، أنا مكنتش أعرف أنه هو هيسكن قصادنا.

إنكارها الأحمق أسبر أغواره مما جعله يحدثها كما يتعامل مع متهميه في المخفر:
_ عيب لما جوزك يبقي نقيب شرطه وبيتعامل مع مجرمين وأشكال لايعلم بيها إلا ربنا، وتقوليلي كداب الي قالك، محدش قالي أنا شوفت بعينيا. وأخذ يضغط علي شاشة هاتفه وقام بتشغيل فيديو مُسجل:
_ مين دي الي كانت معاه في أوضة نومه وهو مرمي زي الكلب؟. نظرت إلي الهاتف لتجد مقطع دخولها لغرفة نوم علي وهي تحاول مساعدته، أردف:

_ أنا كنت عارف أنه هيجي يأجر الشقة الي قدامنا وصاحب البرج سألني عليه بحكم شغلي خليته يأجر له وأشوف أخرتها معاه، وقبل ما يسكن بيوم بعت واحد ركب له كاميرات، بالنسبة للرساله الي سيادتك مسحتيها من غير ماتبلغيني بيها كانت علي موبايلي زي موبايلك بالظبط، وقبل ما تمسحيها أخدتها إسكرين شوت، ما تستغربيش التكنولوچيا علي مابتضر علي أد مابتنفع برضو، ولو كان عندك ذرة ذكاء واحدة كنتي فهمتي لما قولتلك أوعديني ماتخبيش عليا حاجه تاني، كنت عمال أدعي أنك تخيبي ظني وترجعي ثقتي فيكي تاني، لكن للأسف كل مرة تثبتي لي إنك إنسانه غبية وغير جديرة بالثقة.

كان والدها مُنكس الرأس و هو يستمع لأخطاء إبنته التي لاتغتفر، فتدخلت والدتها بدبلوماسية حفاظاً علي منزل إبنتها من الخراب:
_ أكرم يابني، أنا معاك إن بنتي غلطانه وغلطها كبير كمان، بس معلش سامحها هي خافت تقولك علي موضوع الرساله لتتهور وتعمل حاجه في الي إسمه علي وتتأذي أنت. رد بنفاذ صبر وهو يتمالك أعصابه من الإنفلات:
_ ولو عديت موضوع الرساله، بالنسبه لدخولها شقته ده أسامحها فيه برضو!. نظر إلي حماه وسأله:
_ ترضاها علي نفسك يا عمي لو أنت مكاني؟، الي عملته بنتك ملهوش غير تفسير واحد عندي إنها ست خاينه وملهاش أمان .

صرخت ندي ببكاء:
_ والله العظيم ما…… _ أخرسي بقي مالكيش عين تتكلمي.
صاح بها والدها وهو يهبط بكفه علي وجنتها باللطمة قوية، شهقت والدتها وجذبتها لتبعدها من أمامه، وبرغم من الغضب العارم الذي يشتعل بداخله نحوها من ما أقترفته وألم قلبه من القرار الذي أتخذه وحسم أمره، شعر بوخزة في فؤاده عندما لطمها والدها، فمازال يحبها بل يعشقها بجنون ومن أجل محاربته لهذا الحب الذي سيجعله رجلاً بدون كرامة تفوه بقراره:
_ بنتك طالق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ _ دلفت سيارة سوداء ذات الدفع الرباعي من البوابة حتي توقفت أمام باب المنزل،  هبط السائق ليفتح باب السيارة فهبط منها المدعو دنيال ومن الجهة الأخري زوجته ساندرا،  يقف سليم لإستقبالهما.
تقدمت إليه ورفعت يدها لمصافحته تقول بالإنجليزية الأمريكية :
_ منزلك الجديد رائع جداً سليم. بادلها المصافحة ضاغطاً علي أناملها قليلاً ومبتسماً:
_ أحب إقتناء كل ما هو رائع. ضحك دنيال وقال:
_ حتي عندما تزوجت أختيارك رائع. هنا أظلمت عيناه وكف عن التبسم  ،  أشار لهما بالدخول وملامحه يكسوها التجهم :
_ تفضلا.

سار بالداخل وهما خلفه،  فنظرت ساندرا إلي دنيال بتحذير هامسه إليه:
_ أحذر من التغزل في زوجته، المرة القادمة لم يتردد في إقتلاع لسانك. رمقها ذات النظرة قائلاً:
_ أنتِ من سيقطع لسانها أن لم تصمتِ. وصل إلي بهو لإستقبال الضيوف فوجدوا زينب تقف في إستقبالهم وتحدقهم بإبتسامة مصتنعه،  فهي ليست في حالة أن تجلس وتتسامر مع أحدهم حتي في ذلك الأمر مُرغمة دون إرادتها. _ أهلاً بكِ سيدة ساندرا.
قالتها زينب وهي تصافح الآخري التي قالت:
_ لا داعي عزيزتي تناديني بسيدة،  هل أبدو لكِ امرأه مُسنة أم ماذا؟.

تحمحمت بإحراج فأجابت:
_ لم أقصد،  فأنا أقولها علي سبيل الأحترام. _ قولي لي ساندرا بدون ألقاب فهذا أفضل. فقال دنيال متدخلاً:
_ وأنا دنيال بدون سيد. و كاد يمد لها يده ليصافحها فألحقته ساندرا  وأمسكت بيده تحت نظرات سليم القاتمة والذي قال لهما: _ لا داعِ للجلوس هنا، فهناك حفلة شواء قد أعددتها لكم في الحديقة، أعلم كم يحب دنيال اللحم المشوي. صاح الآخر بسعادة وإبتسامة بلهاء تعلو وجهه:
_ آوه يا ألهي، هيا بنا ساندرا.

_ هيا حبيبي.
قالتها وذهبا سوياً وسليم أمسك بيد الأخري قائلاً:
_ خليكي زوق مع الناس وإياك أشوفك قالبه وشك، سامعه؟. تمتمت بدون سماعه لكلماتها كما تظن:
_ سمعت الرعد في ودانك. _ بتقولي أي؟.
صاح بها،  فأجابت في الحال:
_ ما جولتش،  خلاص هاسوي  الي أنت رايده.
وأردفت بصوت خافت:
_ جبر يلمك. حاوطها بزراعه ليتمتم بالقرب منها:
_ أنا الي هاسمعك الي أرعب من صوت الرعد وأنا بعلمك الأدب، والقبر ده الي هيلم أشلاء جتتك بعد ما أقطعك حتت،  لمي لسانك أحسنلك.
وغرز أنامله في خصرها فتأوهت رغماً عنها، هدر بها من بين أسنانه:
_ أكتمي صوتك.

أبتعدت عنه بصعوبة وذهب لتجلس حول المائدة بجوار ساندرا التي مالت عليها وسألتها:
_ لما تلك الدموع؟. جففت عينيها أطراف أناملها:
_ لاء مفيش حاچة. عقدت الأخري مابين حاجبيها،  لم تفهم ما قالته زينب حتي أدركت فقالت بالإنجليزية:
_ عفواً ساندرا، كنت أقصد لايوجد شئ، أو علي مايبدو دخان الشواء هو سبب عبرات عينياي. نهضت الأخري وجذبت كرسيها فألتصقت بها حتي تستطيع التحدث مُستغله إنشغال سليم مع زوجها:
_ لا تكذبِ زينب،  أنا أعلم ما يفعله بكِ سليم، هل يُعذبك،  يُضاجعك رغماً عنكِ؟.

جحظت عينيها بدهشة وصدمة في آن واحد لتجيب بقليل من الحده:
_ كفي ساندرا،  ما هذا الهراء الذي تتفوهين به!. رفعت جانب شفاها بإبتسامة ماكرة:
_ حبيبتي،  أنا أعلم الكثير عن سليم و والده،  أأخبركِ سراً لايعلمه سوي أنا و هو.

تلفتت من حولها لتطمأن عدم سماع دنيال إلي ما ستخبرها به فأردفت:
_ كنت عشيقة داغر العقبي والده،  كان رجل أكثر جنوناً من إبنه، وصل به الأمر شرب دماء ضحياه،  يلقبونه في عالم المافيا بدراكولا،  لذا عندما سنحت لي فرصة الفرار منه،  لم أتردد ولم أظهر سوي بعد علمِ بخبر وفاته، يقولون إنه توفي أثر جرعة مخدر زائدة لكن علمت من كانو مقربون إليه حينها إنه قد مات منتحراً.

أنتهت من كلماتها وأمسكت بزجاجة الخمر فسكبت القليل في الكأس وأخذت ترتشف،  تنظر إلي الأخري التي أستمعت إليها وعلامات عدم الإستيعاب وعدم المقدرة علي تصديق ما ألقته عليها للتو،  تمتمت في عقلها:
_ أني سويت أي في دنيتي لأچل أوقع في يد واحد مريض نفسي وأبوه راچل مچنون، واحد بيسلخ الناس صاحيه والتاني كان بيشرب دمهم!،  والله لو جولت الحديت دي لأي واحد حدانا في النچع ليجول عليا أتچنيت عاد،  يارب صبرني وقويني يا تاخده يا تاخدني وتريحني.

_ ها قد جاء اللحم المشوي.
قالها دنيال وهو يجلس علي كرسيه والخادمة تضع أمامه طبق من اللحم المشوي وأطباق أخري من الأرز والمقبلات. وبعدما تناول قطعة، تذوقها بسعادة بالغة:
_ أمم، ألذ لحم مشوي قد تذوقته في حياتي. أبتسم له سليم:
_ جعلتهم يعدونه خصيصاً لك، هنيئاً. أبتلع دنيال ما بفمه:
_ شكراً لك عزيزي. إبتسم الآخر قائلاً:
_ علي الرحب.
نظر إلي زينب فوجدها لم تأكل سوي قطعة صغيرة وأخذت تمضغها علي مهل، أبتسم بخبث ومال عليها وقال:
_ مبتاكليش ليه ولا دي كمان محتاجه فيها أمر مني؟.

انت في الصفحة 9 من 11 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى