Uncategorized

فارس بلا مأوى ٦

عاد مجدداً لغمر وجهها في الماء وأخذ يضغط ويستمع لأنينها المكتوم وكأنه يستمع لنغمات تروق لها أذنيه.
يري الصغير هذا لايريد أن يظل مكتوف الأيدي وخائفاً، فعليه إنقاذ والدته حتي لو كان علي سبيل حياته. جذب تمثال كان موضوعاً علي منضدة ورفعه ليباغت والده بضربة فوق رأسه، وما أن رفع التمثال لأعلي وجد والده يلتفت إليه والشر يتطاير من عينيه، أمسك بساعده الرفيع وعينيه جاحظتين ولم ينتبه ليده الأخري الضاغطة علي رأس زوجته في المغطس :
_ أنت كنت عايز تموتني يا إبن ال…..

أجهش الصغير بالبكاء وبرجاء وتوسل لوالده:
_ خلاص يابابي، حرمت مش هاعمل كده تاني. وحين أنتبه داغر لسكون زوجته، أبعد يده علي الفور ورفع رأسها ليحملها خارجا
وأخذ يربت علي وجنتيها ويضغط علي صدرها لتفرغ الماء الذي أبتلعته وكل مايفعله بدون فائدة ، فكان خلفه إبنه ما زال يبكي فهدر به بصوت قد جعله كالأبكم:
_ بطل عياط لأخليك تحصلها.

عاد ببصره لينظر إلي وجهها الشاحب:
_ قومي يا سوزان، بطلي تمثيل بقي خلاص أنا سامحتك علي أي كلمة قولتيها، قومي وهعملك الي أنتي عايزاه هخليكي تشوفي أهلك أو أخليهم يجو هم هنا، قومي بقي.
ظل يهذي ويبكي بنحيب هكذا حتي أدرك أخيراً إنها فارقت الحياه، حين سأله الصغير ببراءة أصابته بصدمة لما أقترفه:
_ بابي هي مامي ماتت؟. ردد وهو ينهض ويقترب من إبنه وعينيه لاتبرح جثة زوجته:
_ ماتت، ماتت.

عصفت به آلاف الكلمات في ذهنه، أولها جملة أنت قاتل زوجتك، بينما جانبه المظلم رفض ذلك الإتهام المطبق عليه ليلقي به علي عتق صغيره، مُعللاً إنه لولا محاولة إبنه لقتله وإنتباهه له لكانت الآن حية، ألتفت إليه ودنا منه بوضع القرفصاء:
_ ماتخافش يا سليم، مش هقول لحد إنك قتلت مامي. وعانقه ويمسد علي ظهره، رد قائلاً:
_ بس أنا معملتش حاجة يابابي، أنت الي حطيت راسها في البانيو لحد ما ماتت.

أبعده عن حضنه وأرتسم علي شفاه إبتسامة لم ينساها الصغير سليم طوال حياته، يسول له شيطانه فكرة نابعة من براثن الجحيم ليرهب بها صغيره حتي لايتفوه بما رآه.
وقف وأعتدل ومد يده إليه والإبتسامة الإبليسية علي محياه:
_ هات إيدك. تردد سليم والخوف يسيطر عليه، يخشي أن يلقي نفس مصير والدته كما هدده والده، صاح داغر به:
_ قولت هات إيدك.

أنتفض عندما جذب يده الصغيره وجذبه لخارج الغرفة و حمله ثم صعد به الدرج المؤدي إلي السطح.
_ بابي، إحنا علي السطح ليه؟.
تفوه بتردد و توجس وخوف، يكبت دمعاته حتي لايثير غضب والده الذي توقف للتو لدي حافة السور وبدون سابق إنذار أفلته من زراعيه قابضاً علي رسغيه وجسده بالكامل متدلي في الهواء، أخذ يصرخ ويبكي فقال له داغر:
_ أنا ممكن أسيبك تقع دلوقت وممكن برضو أرجع في كلامي إلا إذا سمعت الكلام، فاهم يا سليم؟.

يرمقه بتوسل وببكاء تهتز له القلوب من الهول والفزع:
_ فاهم، فاهم يا بابي، هاسمع الكلام. أفلت يد واحدة حتي أصبح يمسك بزراع واحد فقط فتعالت صرخات طفله مُردداً:
_ هاسمع الكلام، هاسمع الكلام. رفعه داغر رويداً رويداً و أنزله علي الأرض فرمقه من مستوي طوله الفارع ليشعر صغيره بمدي ضاءلته أمامه فيزداد إرهابه أكثر.
_ و دلوقتي يا سليم يا حبيبي، مامي حصلها أي؟. أجاب بعفوية مطلقة:
_ ماتت. _ ماتت إزاي؟. سؤال أبيه دب الرعب في أوصاله، فبرغم صغر سنه الذي لم يتجاوز السبع سنوات لكنه يمتلك ذكاء وفطنة قام داغر بإستغلالها أسوء إستغلال، وقتله لزوجته كانت البداية.

أزدرد ريقه الذي علي وشك الجفاف من هول ما حدث معه:
_ عايزني أقول أيه؟. تعجب من صغيره الذي أجاب علي سؤاله بسؤال يدل علي نجاحه في السيطرة عليه وجعله طوع له وبين يديه.
مسد رأسه بحنان زائف:
_ مامي كانت بتاخد شاور وأغمي عليها و وقعت في البانيو، صح يا سليم؟. هز رأسه بالموافقة علي حديث والده:
_ صح يا بابي. _ بدأ يفيق من هذيانه الذي دام طوال رحلة الطائرة إلي أرض الفردوس، فنهض وأتجه إلي المرحاض المخصص للإستحمام، وعند دلوفه إلي الداخل أوصد الباب وخلع ملابسه ونزل أسفل الماء بعد أن فتح الصنبور متفادياً لمسها لزراعه المصابة.

وبعد دقائق يقف في الغرفة الصغيرة التي تحتوي علي سرير وطاولة للزينة وكرسين و ثلاجة صغيرة للمشروبات.
وقف أمام المرآه ليمشط خصلاته السوداء، ويحرك زراعه المصابة بحذر ليرتدي سترة حُلته، غادر للخرج وأنتبه لسماع قائد الطائرة ينبه بالإلتزام في المقعد وإرتداء الحزام إستعداداً للهبوط إلي المطار. _ وبعد دقائق من الهبوط وإصطفاف الطائرة في المكان المخصص للطائرات الخاصة، أنفتح الباب بآلية وخرج الدرج، ينزل تلك الدرجات مستنشقاً هواء بلاده، وكان في إستقباله قائد الحرس خاصته:
_ حمدلله علي سلامتك يا سليم بيه، نورت مصر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ _ فتح باب الشقة ودلف خطوة للداخل ثم مد يده إليها قائلاً:
_ حمدلله علي السلامة يا حبيبتي، نورتي شقتك يا عروستي. أمسكت بيده و ولجت إلي الداخل تنظر بإنبهار لأثاث وديكور المنزل الذي قام بتغيره كلياً، فسألها:
_ أي رأيك؟، عاجبك الديكور الجديد للشقة؟. ألتفتت له وبإبتسامة تغمر ثغرها:
_ ماشاء الله حلوة جوي جوي، لحجت تغير كل دي ميتي؟. إبتسم بزهو وفخر ليجيب عليها:
_عيب عليكي، جوزك بس يشاور وكل الي عايزه بيتم بسرعة وكل ده وإحنا لما كنا في البلد ولما روحنا أسوان.

وبعد أن أدركت الثراء التي تميزت به كل قطعة ديكورية وكل قطع الأثاث، ألتفتت إليه وقالت:
_ و ليه كل المصاريف دي، ما كان العفش الأولاني حلو برضك. أمسك بيديها و جلس علي أقرب كرسي وجعلها تجلس فوق فخذيه:
_ هو كان حلو فعلاً، بس حبيبتي عشان أحلي فلازم أفرشلها الشقة بالي يليق بيها. نظرت للجهة الأخري بخجل من إطراءه لها، همست بخفوت:
_ الله يخليك يا حبيبي. أمسك بوجهها ليجعلها تنظر إليه وبحنق تحدث:
_ الله يخليك يا حبيبي!، هو ده ردك!.

تلاشت إبتسامتها وتعجبت لردة فعله فسألته:
_ مالك متضايج ليه إكده؟، رايد مني أرد كيف؟. أنزلها ليقف وحملها:
_ أنا هاعرفك الرد يبقي إزاي دلوقت. وأتجه نحو غرفتهما وهي تصيح بضحكات رنانة: _ واه بجي، إحنا لساتنا راچعين من سفر هملني أرتاح هبابة.

ألتهم شفاها في قبلة نهمة لينزلها علي السرير:
_ ما هو أنا لو ماخدتش رد حلو منك دلوقت هخلي ليلتك هبابة!.
يقولها مضيقاً زرقاويتيه، يرمقها بمكر ولم يمهلها للتحدث، يقوم بتقبيلها مجدداً ويهبط بها علي الفراش ويديه تتخلص من وشاحها، ويخلل أنامله في خصلاتها ويضغط علي مؤخرة رأسها ليعمق من قبلته وكأنه يحلق بها في سماء العشق الوردية، مد يده الأخري لتلابيب ثوبها لفك أزراره، يحررها من كل هو عائق أمامه ويغمرها في ملحمة أضرمت نيران الحب في جسديهما، ليست مجرد أحضان وقبلات حميمية وأشياء أخري بل تبادل قلبين وروحين و وله وتيم يبلغ قوته وعنفوانه.

وبعد مرور وقت، أنتهي لتوه من الإغتسال وأرتدي مأزره القطني، خرج من المرحاض فلم يجدها في الفراش فقام بمناداتها:
_ سمية؟. أتاه صوتها من الخارج:
_ أنا في المطبخ يا صلوحتي. عقد مابين حاجبيه وقال بتعجب:
_ في المطبخ!، أنا كنت سايبها نايمة.

وقبل أن يذهب إليها صدح هاتفه برنين رسائل متتالية من تطبيق الدردشة الشهير، فأمسك به ليري محتواها، وجد أول رسالة كانت صوتية من سكرتيرة مكتب المحاماه خاصته، ضغط لسماعها:
( حمدلله علي سلامتك مستر صلاح، وألف ألف مبروك يا بيبي، مش كنت تقولي وتعزمني ولا خايف أقول للعروسة علي العلاقة اللطيفة الي مابينا، عموماً بكلمك عشان أقولك إن قضية كامل الدمنهوري بكرة الحكم فيها ولازم تكون موجود).
جز علي أسنانه بحنق متمتماً:
_ وأنا كنت ناقصك أنتي التانية، حسابك معايا لما أشوفك.

وبداخل المطبخ ذو الطراز الغربي، تقف خلف الطاولة الرخامية تعد بعض شطائر اللحم علي المقلاة تستنشق رائحتها بإستمتاع:
_ الله عليكي يا بت ياسمية، من يومك وعتسوي الحواوشي زين جوي. فجائها صوته من خلفها:
_ طب ما تدوقني حته من إيديكي. أنتفضت بذعر إليه:
_ بسم الله الرحمن الرحيم، حرام عليك يا صلاح خلعت جلبي الله يسامحك. ترك هاتفه أعلي الطاولة، فأقترب منها ليجذبها إلي صدره:
_ سلامة قلبك من الخضة يا روح وعقل ونور عيون صلاح.

أستدارت بين يديه تلتقط بالماسك السيلكون وتقوم بتقليب الخبز:
_ واه بجي، شايف كنت هاحرج الرغيف كيف. أحتضنها من ظهرها يستنشق رائحة الطعام وأنحني علي عنقها بهمس:
_ الله حواوشي، علي فكرة بحبه جداً، ممكن أحلي قبله؟.
لثم عنقها بقبلات متفرقة فأنزل حمالة ثوبها القطني، تلوت بين يديه تمسك بالمقلاة وباليد الأخري الماسك قائلة بمزاح:
_ بكفياك تحلية، أني واجعة من الچوع ولو ما أكلتش دلوق هتلاجيني أتحولت لزومبي وأكلك أنت. جذبها إليه مجدداً وقال:
_ ما تيجي في أوضتنا وكوليني براحتك.

رن جرس المنزل، ضحكت فقالت:
_ طيب روح شوف مين الي عيرن الچرس، هاكون حضرت السفرة. ذهب ليري من الزائر، وهي أعدت الأطباق وفي طريقها للذهاب إلي طاولة الطعام وجدت هاتفه يضيئ برسالة عبرة تطبيق آخر، كادت لا تكترث لكن إسم المرسل لفت إنتبهها، وكان المحتوي مرسل باللغة لم تستطع ترجمتها بينما الأسم سهل عليها قراءته جيداً، لاتعلم لما خفق قلبها والقلق يداهمه.
ذهبت لرص الأطباق فوجدته يمسك بالعديد من الأوراق، فسألته:
_ مين الي كان بيرن؟.

وضع الأوراق فوق منضدة موضوعة في زواية وأعلاها مزهرية:
_ ده السكيورتي بيديني الفواتير، ثواني هاروح أغسل إيدي وجاي. بينما هي جلست تنتظره والوجوم يكسو ملامحها تتردد في سؤاله، ولربما صاحبة الرسالة تكن عميلة لديه، فهو محامي مرموق ذو صيت مشهور في وسط رجال الأعمال والإقتصاد. جاء وجذب كرسيها تحت تعجبها:
_ متقعديش هنا. جلس هو علي كرسيها،فقالت بدهشة:
_ يعني أنت تجومني لأچل تجعد مطرحي، ما الكراسي كتيره أهه. أمسك يدها وأجلسها علي فخذيه:
_ أنتي مكانك هنا علي طول.

وأمسك بالشوكة والسكين وكاد يقطع الشطيرة، تناولت منها الأدوات و وضعتهما جانباً:
_ ده ما يتاكلش بالشوكة والسكين.
تناولت شطيرة وأردفت:
_ عيتاكل إكده. و ضعتها بفمه فقطم قطعة وأخذ يلوكها حتي أبتلعها بمتعة عارمة:
_ تسلم أيدك بجد تحفة أوي. رمقته بنظرة أربكته قليلاً:
_ بالهنا والشفا يا حبيبي. وقبل أن يقضم قطعة أخري سألها:
_ مالك مبتاكليش ليه؟. نهضت وعقدت ساعديها لتخبره بتساؤل:
_هاكل وجبل ما أكل، رايده أعرف حاچة إكده. إبتسم ليخفي توتره يخشي أن تكون قد سمعت الرسالة الصوتية التي أرسلتها السكرتيرة:
_حاجة أي يا حبيبتي الي عايزة تعرفيها؟.

رفعت إحدي حاجبيها فسألته:
_ مين صوفيا دي؟. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ _ إحنا كده مضطرين نعمل محضر، عشان دي كانت محاولة قتل.
قالها الطبيب المعالج لحالة رافع بعدما خرج من غرفة الإفاقة للتو ، فأجاب والده:
_ طبعاً لازم تعمل محضر وتشوف مين الي سوي فيه إكده. أقتربت نوارة نحوه لتسأله بقلق بالغ:
_ هو كيفه دلوق يا دكتور؟. وقفت فاطمة خلفها تنتظر سماع إجابة الطبيب:
_ هو الحمدلله بدأ يفوق وعمال ينادي علي المدام. أندفعت نوارة لتهم بالدخول:
_ أيوه أني مارته، ممكن أشوفه؟.

أجاب مشيراً إليها:
_ طبعا، ً بس مش أكتر من عشر دقايق. ولجت تحت نظرات فاطمة التي تود رؤيته لتطمأن عليه، فما حدث له كان بمثابة العاصفة التي هبت في فؤادها تدور في دوامة حبها إليه وجعلته يحيا من جديد.

وطأت قدميها الغرفة تنظر إليه بقلب منفطر علي حاله، ذرفت عينيها عبراتها علي معذب قلبها الذي يتمدد علي السرير ومتصله به الأجهزة الطبية، جذعه عارياً ويلف صدره ضماد طبي حيث موضع الجرح .
وصل إلي سمعها ترديده بكلمات غير مفهومة فأقتربت منه وجلست علي الحافة جواره، أمسكت بيده التي كان دائماً يهبط بها عليها بالضرب بدلاً من أن يحنو عليها بها ويربت بحب و ود، و رغماً من كل هذا ما زالت تعشقه، فكيف للعاشق يقبل بإهانة معشوقه والدعس علي كرامته وكبريائه، هل العشق أصبح إذلال!.

أمسكت بكفه بين يديها وهي تبكي:
_ ألف سلامة عليك يا جلبي، ياريتني كنت مطرحك لعل كان وجتها عرفت غلاوتي چواك، أني بحبك جوي جوي يا واد خالتي وچوزي وحبيبي وكل حاچة. مالت بشفاها علي يده وقبلتها ثم وضعت كفه تتلمسه بوجنتها وقبلة راحته حتي توقفت فجاءة عند سمعها صوته يناديها:
_ فاطمة، ما تهملنيش يا حبة جلبي، أني بعشجك يا فاطمة، ردي علي يا حبيبتي.

تركت يده و وقفت ترمقه بصدمة ودمعها مازال ينهمر، والأشد غزارة كان عبرات قلبها الذي يدمي قهراً، ولت ظهرها إليه،ففتح سوداويتيه ليري طيفها وهي تغادر ثم أغمض عينيه مرة أخري.
خرجت وعينيها تتلاقي بخاصتي غريمتها،فباغتها الطبيب قائلاً:
_ لو سمحت يا مدام فاطمة ماتنسيش متعلقات وهدوم جوز حضرتك في الإستقبال. ألتفتت إليه وقالت بملامح متجهمة:
_ أني مش فاطمة.
ثم أستدارت لتشير للأخري:
_ أتفضلي أدخليله، عينادم عليكي. قالتها وتركت الجميع وهم ينظرون إليها فبعض النظرات كانت شفقة وأخري متعجبة.

تحمحم بكر وقال:
_ عن أذنكم يا چماعة أني هاخد قمر رايحين مشوار وهنعاود مرة تانية. أومأ له واصف قائلاً:
_ أتفضل يا ولدي، الحمدلله ولد خالك بجي بخير. غادر بكر وبرفقته قمر تحت نظرات زكريا الجليه لمن حوله حتي فاطمة لاحظت ذلك، أنتبهت لوالدتها تقول لها:
_ أدخلي أطمني علي خطيبك يا فاطمة. وجدت زوجة خالها ترمقها بإمتعاض، فلا تبالي ودلفت، و مجرد أن دخلت وجدته ينظر إليها بإبتسامة حالمة:
_ فاطمة!. وقفت بالقرب منه تبتلع لعابها، تخشي أن تظهر له ضعفها فيستغل حبها إليه مرة أخري، تفوهت بصوت خافت:
_ حمدلله علي سلامتك.

أجاب والألم يداهمه عندما أراد أن يعتدل:
_ الله يسلمك. عم الصمت بينهما فقاطعه:
_ واجفة ليه عندك، خايفة مني إياك!،أديكي شايفة مفياش حيل حتي أرفع يدي. خطت القرب منه وقالت:
_ الحمدلله إنك بجيت بخير والإصابة مكنتش خطيرة عاد. _ خابره أني علي قد الي حصل مبسوط جوي. رمقته مذبهلة من كلماته:
_ واه، مبسوط إنك أطخيت!. رفع يده بصعوبة وأشار إليها:
_ تعالي، قربي أهنه. أقتربت بتردد وخوف من نظراته التي تخترق روحها، أردف:
_ كنت مبسوط لأچل لما أطخيت آخر حاچة كنت فاكرها وجعت في حضنك، وآخر حاچة شوفتها كانت عينيكي.

غرت فاها وأتسعت عينيها، قلبها كاد يخترق ضلوعها ليقفز ويستقر بجوار فؤاد عاشقه.
مد يده ليلامس خاصتها وتفوه من بين شفاه:
_ ساكته ليه يا بطتي. تلك النظرة وتلك النبرة التي غابت عنها منذ سنين منصرمة، لم تنساها، وكم مرت علي سمعها مثل الآن.
ولت ظهرها وما زالت يدها بيده:
_ أنا دخلت لك لأچل أجولك حمدلله علي السلامة والحمدلله شايفاك بخير، عن أذنك. أوقفها برجاء وتوسل عاشق يريد عطف معشوقته ولو بنظرة:
_ فاطمة، ماتهملنيش، خليكي وياي.

ردت بنبرة أنبلج من خلالها ضعفها نحوه:
_ رايد مني أي يا رافع؟. أجاب بعشق يآسر فؤاده في سجن مملكتها:
_ رايد جلبك يحن عليا وترچعي وياي كيف زمان، رايد أشوف ديماً النظرة الي لاجتها في عيونك وجت ما الرصاصة صابتني، أتمنيت إن الزمن يوجف في اللحظة دي لأچل ما أنحرمش منيها واصل. بدأت حصونها المشيدة في التصدع وتتخلخل شيئاً فشيئاً:
_ كل ده في يدك أنت ترچعو ويمكن أحسن من زمان. تهللت أساريره وخفق قلبه ليسألها باللهفة:
_ في يدي كيف؟.

_ تهمل كل حاچة حرام، تچارتك في السلاح والمخدرات وتبدأ من أول وچديد و چريك ورا الحريم، كل ده لو هملته أوعدك وجتها تلاجيني ملكك وبين يدك، حتي چوازنا مش هايبجي علي ورج. صمت ولم يجب علي طلباتها التي بدت إليه صعبة، فتلك خصاله ويصعب التخلي عنها، الطمع والجشع يتدفقا في مجري دمائه، فهل للعشق سلطان عليه ليغيره!. تأهبت لتردف كلماتها:
_ واضح إنه هيبجي صعب عليك تنفذ كل الي طلبته منك، علي راحتك والمشوار الي كنا رايحينه لأچل نشترو الدهب ده تنساه عاد وياريت تنسي مسألة چوازنا لأنه مستحيل يحصل طالما أنت رايد ماتتغيرش لأچل حالك ولأچل خاطري، سلام.

كان علي وشك منادتها ليجد الطبيب يدخل وبرفقته رجلين، فقال الطبيب:
_ حمدالله على السلامة يا رافع بيه. _ الله يسلمك يا دكتور. أشار له نحو الرجلين قائلاً:
_ رحيم باشا رئيس المباحث بذات نفسه جاي لحضرتك عشان ياخد أقوالك ويوصل للمجرم الي عمل فيك كده. جذب رحيم الكرسي وجلس بجواره:
_ أولاً كده حمدلله على السلامة، وثانياً أنا جاي لك مش عشان أعرف مين الي عمل فيك كده، إحنا خلاص رصدناه عن طريق الكاميرات المحطوطه بره المحلات، وتقريباً قربنا نوصله بس حبيت أفرجك علي مقطع فيه ملامحه باينه أوي.

أعطي الضابط هاتفه وضغط علي المقطع ويضغط مرة أخري لتثبيته علي صورة المتهم :
_ شوفته قبل كده أو تعرفه؟. أمعن التحقيق في ملامح هذا الرجل، ثم هز رأسه بالرفض، صدح رنين هاتف الضابط فأجاب علي الفور:
_ أيوه، عرفتو هو مين؟
……….
_ تمام، حضرو قوة عقبال ما أجليكم دلوقت، سلام. نهض رحيم ويُعد سلاحه ويضعه خلف ظهره:
_ شوفت بقي لسه ماقعدتش معاك وقدرنا نعرف إسم المجرم وبيناته، ولما تقدر تشد حيلك تيجي تشرفنا القسم نستكمل المحضر.

قال رافع:
_ ومين الي سوي فيا إكده؟. أجاب رحيم:
_ إحنا مشتابهين في واحد إسمه مجاهد أنور مجاهد!.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ _ يطوي الثياب بداخل العلبة الخاصة بها ثم وضعها في الكيس المطبوع عليه إسم المتجر وعنوانه، يعطيه للسيدة التي أخرجت له النقود فقال لها:
_ الحساب أدفعيه حضرتك لأستاذ قاسم هناك. ذهبت السيدة إلي فارس الذي كان مسئولاً عن الحسابات وأعطه ثمن ما أبتاعته وذهبت. وضع المال في الدرج فدلف إليه جنيدي ليزعره بصياح:
_ ألحج يا فارس.
وجد حمودة ينظر له بتعجب فتراجع قائلاً:
_ ألحج يا قاسم.

نهض من خلف المكتب بقلق،فأمسكه من ساعده متجهاً للخارج:
_ تعالي نتحدتو بره.
وقف كليهما بالقرب من المتجر، فسأله فارس:
_خلعتني يا أخي، حوصل أي؟. أجاب الآخر:
_ روحت نواحي القسم الأول كيف ما جولت لي لأچل أتابع موضوع الآنسة شهد بعد ما الحاچ نعمان سوي محضر في إسمه ممدوح، تصور الكلب ده عمل أي؟. تابع فارس رداً علي حديثه:
_ أنكر طبعاً. _ ياريت أنكر وبس، راح چاب واحد من العيال الصايعة الي شغالين حداه، وخلاه أعترف إنه الي سوي إكده والبت سماح هي الي طلبت منه يفبرك الفيديوهات.

أكفهر وجهه مما يسمعه، يتكرر نفس السناريو الذي حدث له وإتهامه بهتاناً و ظلماً، سأله مرة أخري:
_ و سماح ما راحتش ويا الحاچ نعمان لأچل تشهد؟. هز رأسه نافياً وقال:
_ ما لقيوهاش في البيت ولا هي ولا أمها، ده غير الواد الي عيجول أنه سوي الفيديوهات جال إنه مايعرفش الي إسمها سماح ولا عمره شافها واصل وإنه الصور چابها عن طريق الي عيجولو عليه هاكر. أطلق فارس زفرة من أعماقه الثائرة غضباً، وتلفظ بسبة علي هؤلاء الحثالة الأوغاد، أخذ يلتقط أنفاسه حتي تريث وتذكر أمر الحاج نعمان:
_ والحاچ نعمان ماتعرفش سوي أي؟.

توترت ملامح جنيدي أثر الصمت لثوان ريثما أجاب:
_ ماعرفش أجولك أي، المصايب كلها عتتچمع في يوم واحد. صاح الآخر بحنق:
_ جصر وجول ياچنيدي، أني ماناجصش مناهده عاد. رد علي مضض قائلاً:
_ الراچل لما حوصل الي حكيت لك عليه ما أستحملش وجع من طوله وخدوه علي المستشفي الدولية الي علي الكورنيش، لساتني راچع من هناك. صاح بصدمة جلية علي ملامحه:
_ عتتحدت چد؟. _ و دي حاچة فيها هزار يا صاحبي، كل الي حكيته لك خابرته من عسكري بلديات واحد صاحبي أهنه،وبعدها أتدليت نواحي المستشفي، بس خد بالك ما عيدخلوش حد واصل غير جرايب المريض وكمان ماحداكش بطاجة.

دفعه فارس من أمامه:
_ أوعي من وشي، أني هاتصرف. عاد إلي المتجر لجلب متعلقاته وأخبر حمودة بإغلاق المتجر الآن، لحق به جنيدي ينادي عليه، لكنه لم يبالي وتركه ثم أستقل سيارة أجرة إلي المشفي وفي طريقه هاتف عم عربي لكي يساعده في الدخول للمشفي، وبالفعل قام بمساعدته للولوج إلي داخل المشفي عبر إحد معارفه يعمل بالداخل. وفي ردهة الإستقبال، أوقف عم عربي إحدي الممرضات ليسألها:
_ عن أذنك لو سمحت إحنا جايين نطمن علي الحاج نعمان الي لسه جاي لكم من شوية.

سألتهما بإستفسار عن هويتهم بجدية :
_ حضراتكم تبقو مين؟. أجاب مشيراً علي نفسه قائلاً:
_ أنا أبقي صديقه.
ثم أشار نحو فارس الذي قاطعه:
_ الحاچ نعمان يبجي حمايا. أجابت بحزن بالغ:
_ للأسف الحاج نعمان أُصيب بجلطة دخلته في غيبوبة، وحجزناه في غرفة العناية المركزة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ علي چمب هنا ياسطا لو سمحت.
قالها بكر فتوقف السائق أمام بوابة دخول المعبد الذي يقع علي مشارف النجع، وقبل أن يترجل أوقفته قمر هامسة إليه:
_ أنت خليته يوجف أهنه ليه؟.

أمسك بيدها وضغط قليلاً وقال:
_ أنزلي دلوق وهاتعرفي. نزل و تبعته بتوجس و وجل، فمنذ أن غادرا المشفي وهو في حالة صمت مطبق، كلما تحدثت معه لم يتفوه بكلمة سوي الآن. سار بها حيث يمسك بيدها إلي داخل الآثار المتبقية من المعبد القديم كما يطلقون عليه أهل النجع.
_ فيه أي يا بكر ما عتردش علي حديتي من وجت ما خرچنا من المستشفي، و واخدني مطرح مهچور، ليه كل ده؟.

توقف وجال ببصره ليتأكد من عدم وجود أي أحد سواهما، حدجها بحدية فباغتها بسؤال والشك جلي في مقلتيه :
_ أي الي بينك وبين أخوي عيخليه ماينزلش عينيه من عليكي واصل؟. غرت فاها بصدمة، لم تستعب سؤاله الذي يتهمها فيه بوضوح، تجرعت غصتها في محاولة الإجابة بكل هدوء عكس ما بداخلها:
_ بيني وبين أخوك!، تجصد أي بسؤالك ده؟. ضيق عينيه ليفاجئها مرة أخري بكلمات أكثر صعوبة أن تتحملها:
_ جصدي أنتي فهماه جوي، وماتلفيش وتدوري في الحديت.

ترقرقت عبراتها بداخل فيروزتيها، أبتلعت غصتها مرة أخري:
_ ولما أنت أخدت بالك من نظراته ليا ليه ما روحتش له وسألته هو!، ليه من نبرة صوتك وطريجة سؤالك عتتهمني بالخيانة. صاح بغضب وإنكار:
_ أني ما جولتش إكده…. قاطعته صارخة به:
_ لاء جولت، مجولتش بلسانك، لكن عينيك جالت، حديت العين أبلغ وأصدج من حديت اللسان يا شيخ بكر، وكان المفروض تسأل السؤال ده لأخوك. تبدلت ملامحه إلي التوتر حيث أحس إنه قد بالغ بالأمر كثيراً، فكلما تذكر نظرات شقيقه إليها تضرم بداخله نيران الغيرة الحارقة كبركان أطلق حممه المشتعلة فتدمر كل مايقابلها وتجعله رماداً منثوراً.

رفع غطاء وجهها الذي يحاوطه بكفيه، يحدق في عينيها بنظرات عاشق تقتله الغيرة:
_ أني واثق فيكي زين، لكن كل ما أفتكر نظرات عينيه ليكي الي لو أي حد شافها هيجول إنه هو الي چوزك، لأچل إكده سألتك، أتعرض لك أو ضايجك أو أتحدت وياكي؟. أمسكت بكلتا يديه وألقتهما في الهواء:
_ أيوه أتحدت وياي وشافني من غير نقابي وكنت كمان بخلچات البيت.

كانت إجابتها بمثابة صدمة فهو لم يعط لذاكرته مُهلة لتعود إليه الأحداث السابقة، فقالت له:
_ فاكر لما كنت مهملني في البيت لحالي وأخوك چه ودخل بالمفتاح الي حداه ، كنت وجتها في المطبخ وبحضر الواكل أتفاچأت بيه في وشي ولما أخدت بالي إني من غير حچاب ولا نقاب چريت لبست خلچاتي وچت بت خالي أنقذتني من الموجف المحرچ. أندفع نحوها وأمسكها من رسغها:
_ وأنتي ما جولتليش كل الحديت ده ليه من الأول؟.

رمقته بإمتعاض فأجابت بنبرة حادة :
_ لأنك وجتها ما هملتليش فرصة أشرحلك الي حوصل، كان كل همك كيف روحت أطمن علي مارت خالي من غير ما أستأذنك وكأني سويت چريمة، ولو جولتلك كنت هاتسوي أي يعني؟. هدر بنبرة أرجفت كل خلاياها:
_ مكناش رچعنا لدار أبوي وأتصرفت، إن شاءالله حتي نجعدو في فندق. جذبت يدها من قبضته التي ألمتها وقالت:
_ أني لا هتدلي علي فنادق ولا دار أهلك، أني هعاود علي دار أمي وخالي ويا مراته وعياله.

جذبها مرة ثانية لكن من ساعديها:
_ ومين هيسمحلك بكده، أني رچلي علي رچلك في أي مطرح هتخطيه، والمكان الي هجعد فيه هتكون وياي، و هاخدك دلوق لدارنا تحضري شنطتك ونروح نأچر أي مكان علي جدنا لحد ما يجوم رافع واد خالي بالسلامة وهنعملو الفرح ويتجفل علينا باب واحد، ومحدش هايشوفك غيري واصل، فاهماني ياقمر، أنتي ملكي أني ومحدش ليه حق يشوف شعرة منك لو حتي أبوي، أني راچلك وحبيبك وچوزك.
أنهي حديثه الذي صدر من عاشق تملكت منه الغيرة، فأنحني علي شفاها يلتقمهما في قبلة مليئة بالمشاعر المختلطة من حب وجنون وغيرة وتملك وقليل من الع.نف.

انت في الصفحة 5 من 8 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى