رد ببرود يشعل نيران غضبها: -أني صحيت من بدري و فطرت. جزت علي أسنانها إلي هذا الحد لا تفرق إليه في أبسط الأشياء، لذا رمقته بنظرة توعد و عزمت علي إثارة ضيقه و حنقه! بعد قليل خرجت من الغرفة ترتدي ما يخطف الأنفاس و يسحر الألباب، فهي الآن بكامل زينتها و ثوب عاري يجعل من جسدها البض ذو المُنحنيات أكثر إثارة و إغراء، تسبقها رائحة عطرها الفواح، و قبل أن تدلف إليه ذهبت و جلبت من المطبخ طبق ممتلئ بالتسالي، و قفت أمامه و وضعت أمامه الطبق:
-أتفضل. رفع وجهه و نظر صوب عينيها، أطلق زفرة و كأنه يستعين بالصبر في تلك اللحظات العصيبة، جلست بجواره و حافظت علي مسافة قليلة بينهما، أمسكت بجهاز تحكم التلفاز و قامت بتغير القناة، فقال لها: -ممكن تچيبي القناة اللي فاتت چايبة فيلم رايد أتفرچ عليه. لم تهتم لمطلبه و أخذت تتناول التسالي قائلة: -ده فيلم عربي قديم، أنا بحب أتفرج علي الأجنبي. زفر بضيق يعلم إنها تحاول استفزازه لكنه سيظل يرتدي قناع الجمود الذي يظن سيجعلها تنفر منه و تبدل حُبها له إلي كراهية.
صدح رنين هاتفه و كأنه مُنقذ له، أجاب علي الفور: -ألو يا چنيدي. ….. -صباح النور. ….. – أه صاحي أطلع كان لسه الحاچ عندنا أهنه. ….. -لاء أني جاعد ما بسويش حاچة أطلع أني مستنيك، سلام. و بعد أن أنهي المكالمة أخبرها: -جومي خشي چوه، چنيدي طالع. توقفت عن التقام اللب قائلة: -ما يطلع و أعمله أي! بصقت ما بفمها من قشر، رفع إحدى حاجبيه و قال بحدة: -بجولك طالع و أنتي جاعدة كيف إكدة!
أطلقت ضحكة ساخرة و قالت: -اللي يسمعك يقول إنك بتغير عليا ما يعرفش اللي فيها. -أستغفر الله العظيم، بزياداكي حديت ملهوش عزا و أسمعي اللي بجولك عليه. تركت الطبق علي المنضدة بحدة مما أصدر صوتاً و ألتفتت إليه قائلة: – ولا ما سمعتش هاتعمل أي! جز علي أسنانه و يكظم غضبه حتي لا يصدر منه فعل يندم عليه لاحقاً: -أجصري الشر يا شهد و سوي اللي جولت لك عليه. اغتاظت من لهجته الحادة و أمره الصارم، نهضت و تناولت كوب عصير و بدون أن ينتبه قامت بإلقائه في وجهه قائلة:
-عشان تبطل برود أعصابك. ركضت سريعاً إلي الغرفة و تقسم بأن رأت في عينيه الجحيم، ألتفتت لتبحث عن عباءتها، شهقت عندما وجدته أمامها و يرمقها بنظرة نارية،أمسك ذراعها بعنف و هدر بصوت غاضب: – أي اللي سوتيه ده! و كأن القطة قد أكلت لسانها، ازدردت لعابها و قالت بدون أن تنظر إلي عينيه مباشرة: -أنت اللي أستفزتني. كور قبضته و قام بضرب الحائط بجوارها مما أجفلها و جعلها تبتعد من أمامه،أخذ صدره يعلو و يهبط من فرط ما يشعر به من غضب عارم.
خلع قميصه القطني المُبتل بالعصير و ألقاه علي الأرض بحنق، فأصبح أمامها عاري الجذع، خفضت بصرها لكن اختطفت بعض النظرات خلسه علي تفاصيل جسده المنحوت و كأنه رجل داوم علي ممارسة الرياضة لمدة أعوام، فالعضلات بارزة لاسيما لدي عضديه و عضلات بطنه السُداسية. ذهبت سريعاً لتجلب إليه قميصاً آخر من الخزانة، ألتفتت لتعطيه إياه وجدته خلفها مباشرة كادت تصطدم به، و هنا احتبست أنفاسها حيث شعرت بوهج شديد الحرارة يلفح بشرتها التي سرعان ما غزاها اللون الوردي.
– هاتفضلي و اجفة تبحلجي فيا كتير إكدة! قال لها هذا عندما وجدها مُتسمرة أمامه و تتشبث بقميصه، ابتلعت ريقها و قالت له علي استحياء: -أنا آسفة. اختطف منها القميص و لم يجب عليها أو يتقبل اعتذارها بل و تركها و ذهب إلي الغرفة الأخرى، يخشي أن يُصدر منه ردة فعل يندم عليها لاحقاً فتلك الشهد تسبر أغواره و توقظ بداخله شيطان غضبه الثائر.
ــــــــــــــــــــــ
مرت عدة أيام و كانت قد حسمت قرارها و ها هي تقف أمام المشفى الشهير في مدينة قريبة من النجع، تمسك بيد حقيبتها و تضغط عليها بقوة،فـ عقلها كاد يُجن من الأحداث المُنصرمة كلما تتذكر ما ألقاه عليها ابن عمتها من كلمات مُفجعة تشعر بالاختناق و الموت البطيء فعليها أن تحيا بعدما حكم عليها بالنبذ و النفي من حياته. دلفت إلي داخل المشفى و سألت عن مكتب الطبيب يحيي، أرشدها إحدى العاملين إلي عيادته،أنتظرت أمامها ريثما ينتهي من الفحص الذي لديه مع رجل كبير السن.
خرجت الحالة فنهضت و طرقت الباب حتي أتاها صوته: -أتفضل. ولجت بخطي وئيدة حتي وقفت أمام مكتبه، بينما هو كان مُنكب علي دفتر ورقي يسجل به بعض الأشياء و دون أن ينتبه إليها، يحسب إنها إحدى مرضاه فأشار إليها: -أتفضلي حضرتك. أغمضت عينيها للحظات ثم قامت بفتحهما و بدأت تتحدث: -أني چيت أجولك مابجاش في حاچة تجدر تمنعك عني. ــــــــــــــــــ
صدح رنين جرس منبه الهاتف فأيقظه من غفوته بينما هي ما زالت نائمة، أخذ يتأمل وجهها الملائكي و يداعب خدها بأطراف أنامله حتي فتحت عينيها و رمقته بأعين يغلبها النوم ثم أوصدتهما مرة أخري، همس بصوته الرخيم و يداعب خصلاتها و يمسد فروة رأسها بحنان غرار خصاله البرية: -زوزو أصحي، من إمبارح و أنتِ نايمة من المغرب و ما رضتش أصحيكِ لما جيت قولت أسيبك براحتك، قومي بقي كفاية نوم. أجابت بصوت يُسيطر عليه النوم:
-هملني بالله عليك يا سليم، أني ماجدراش أحرك چتتي. و تقلبت علي جانبها الأخر فأصبح ظهرها مقابلاً إليه،رفع إحدى حاجبيه و قال: -بتهربي مني بالنوم، أوك يا بيبي أنا هاعرف أصحيكي بطريقتي. نهض من بجوارها و ظنت إنه أبتعد، هيهات و انتفضت بفزع عندما وجدت الدُثار يُلقي من فوقها ليصبح هو بدلاً منه، أخذ يدغدغها لدي جانبي أضلاعها و هي تضحك رغماً عنها و تصرخ في آن واحد: -بعد عني يا سليم، جوم ماجدراش أخد نفسي.
قهقه و قال: -عشان تحرمي ما تسمعيش الكلام، عمال أصحي فيكي عشان وحشاني، بقالي كام يوم كل ما أرجع ألاقيكي نايمة و بتصعبي عليا أصحيكي. -بصعب عليك!، حنين إياك! توقف عن دغدغتها و نهض من فوقها ينظر إليها بضيق عندما أستشعر بالتهكم في حديثها و عاد من جديد إلي جانبه المظلم و الذي كان يتجنبه منذ فترة: -الظاهر كنت غلطان لما أتعاملت معاكِ بحُب و إحترام، و شكلك من النوع اللي لازم ياخد علي دماغه عشان يتعدل.
نهضت و وقفت أمامه و ها قد عادت إلي طبيعتها و نظرة التمرد التي أخفتها منذ شهور ظهرت مُجدداً في ذهبتيها و اكتملت بنبرة صوتها القوية: -أنا اللي غلطانة لما طول الوجت بجولك حاضر و نعم، خلتني واحدة تانية ما بجتش خابرة هي مين، مُچرد عبدة تلبي رغباتك المچنونة و لو علي حساب كرامتها، أنا تعبت كفاية بجي. و في لحظة واحدة كانت خصلاتها مُجمعة في قبضته،كشر عن أنيابه و يخبرها بنبرة آتية من قعر الجحيم:
-قولي بقي إنك كل الفترة اللي فاتت عايشة تمثيلية و فكراني المغفل اللي ممكن يصدقك، أنا كنت متوقع هايجي عليكِ وقت و مش هاتقدري تكمليها، عارفة ليه. دفعها من مؤخرة رأسها و أصبح وجهها مقابل وجهه و عينيها صوب عينيه ذات النظرة المُخيفة و التي أجفلت قلبها و جعلت أوصالها ترتعد خوفاً لاسيما عندما أردف:
-أيوة أنتِ هنا عبدة و أوامري كلها سيف علي رقبتك و يوم ما تفكري تعملي عكس كدة أو شوفت النظرة اللي شوفتها في عينيكِ دي تاني مش هقولك أنا ممكن أعمل أي فيكِ ساعتها، هاسيبك تتفاجئي بس أعرفي وقتها لو فضلتي تعيطي و تترجيني و تبوسي رجلي عمري ما هارحمك، سامعة؟
عجز عقلها عن التفكير من الخوف و هي تري كل ما قامت ببنائه طوال الوقت ها هي في لحظة حماقة تقوم بهدمه،فالذي يقف أمامها ليس سليم الذي أصبح حنوناً بل شيطانه الذي كان في غفوه و أستيقظ لتوه ليعود لأمجاد شره العاتي،عليها أن تستخدم إحدى الحيل و تستعيد هذ الحنون مرة أخري قبل فوات الآوان.
و بالفعل و بدون أي تمثيل أجهشت في حالة بكاء هيستري، جعلته يترك خصلاتها من يده و يراقبها بوجه متجهم،و تلك الوخزة في قلبه الذي يشعر بها للتو أخبرته عليه باحتوائها فهي ليست في حالتها الطبيعية أو ربما هناك اضطراب في الهرمونات خاصتها مما أدي إلي تغير حالتها المزاجية من سيء لأسوء!
عانقها و أخذ يربت عليها دون أن يتكلم، تركها تبكي حتي هدأت و أصبحت في حالة سكون و عندما رفعها من صدرها ليري سبب صمتها المُطبق، وجدها استسلمت إلي النوم، حملها ثم وضعها علي السرير و دثرها جيداً، أخذ يلوم نفسه علي كلماته القاسية التي ألقاها عليها لكن الوحش الذي بداخله أخبره هذا ما كانت تستحقه و أن لم يفعل ذلك، فكان سيصبح هو عبداً لها! 🌷يتبع🌷
#الفصل_التاسع_والثلاثون
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي
و كان مرور تلك الأيام لها أثر علي تلك التي تقهقر فؤادها، و هذا لأن منذ تركها منزل عائلة زوجها و أتت تمكث لدي منزل خالها فما كان ردة فعل الأخر سوي التجاهل و كأنها لا شيء بالنسبة إليه، تعلم أخباره من الصغير عمر الذي كان ينقل كل أخباره إليها ليطمئن قلبها لكن زاد هذا من ألمها أكثر، يمارس حياته الطبيعية و لم يعط لها أدني اهتمام يا له من شعور مُوجع بل و مؤلم أيضاً.
فوق المنزل تقوم بوضع الثياب علي الحبل ثم تحكمها بالمشبك الخشبي و عندما انتهت من نشر الدثار الكبير و ألتفتت لتأخذ مشبك من الوعاء البلاستيكي انتفضت و شهقت بـ ذُعر عندما وجدته يقف أمامها. -بسم الله الرحمن الرحيم. قالتها و تلتقط أنفاسها، رد قائلاً: -شوفتي عفريت إياك! رمقته بضيق و ولت إليه ظهرها: -أي اللي فاكرك بيا و چابك أهنه؟ وقف أمامها و أخبرها بنبرة يغلب عليها التملك: -چيت أخد مارتي و نرچعو علي دارنا.
رفعت حاجبيها و سألته بتهكم: -مارتك!، تو ما أفتكرت إياك!،أني خلاص ماليش مطرح غير أهنه في دار خالي الله يرحمه. حاول إخماد نيران بركان غضبه، فهو يعلم سبب حديثها الساخر و غضبها البادي إليه، أطلق زفرة و قال: -مطرحك هو مطرح چوزك يا قمر، و أنتِ أهنه مُچرد ضيفة كفاية عليكِ إكدة، يلا تعالي معاي. أمسكها من يدها فجذبتها من يده صارخة بغضب: -جولت ماريحاش معاك، هو أي بالعافية! جز علي أسنانه و قال بنبرة لا تتحمل أكثر من ذلك:
-أجصري الشر يا قمر، لينا دار نتحدتو فيها ما تسامعيش مرات خالك و ولادها بينا. أطلقت ضحكة ساخرة ثم أخبرته بتهكم: -واه تصدج مكنتش واخده بالي!،خابر يا بكر أني أكتشفت إن اللي حصلي جبل ما أعرفك أهون بكتير من ما كنت وياك. كرر أخر كلماتها في ذهنه و ردد: -كنتِ!، جصدك أي بالحديت ده! عقدت ساعديها أمام صدرها و قررت أن تثأر لكرامتها بإلقاء عليه هذا الطلب الذي بمثابة قنبلة تُدمر الأخضر و اليابس: -طلجني يا بكر.
لم يدري بحاله و هو يدفعها إلي الحائط قائلاً بأمر عاشق مُتيم: -مفيش طلاج، و هاتيچي معاي و بكرة هايبجي الفرح سواء راضية ولا لاء، و لو رايدة تعرفي ليه بعدت عنك طول الأيام اللي فاتت، ده لأني هملتك لحد ما تهدي و أني كمان أحاول أهدي و أنسي كل اللي حوصل، لأن كان چوايا نار و كنت خايف عليكِ منها و من نفسي يعني مكنتش نسيكِ كيف ما فهمتي.
أخبرها قلبها بصدق حديثه، فذلك البريق الذي ينضح من عينيه يخبرها بأنه يعشقها إلي حد الثمالة و ما حدث كان من فرط غيرته عليها، ربما هذا أسعد قلبها قليلاً لكن كبرياءها ما زال يرفض انصياعها لأمره و عليها بالثأر. -لو أفترضنا اللي عتجوله ده صحيح، أني خلاص مارچعاش في قراري، أي اللي يغصبني أكمل مع واحد شك فيا و هو خابر مين هي قمر. ردد بداخله دعاء حتي يلهمه ربه بالصبر ثم أخبرها:
-أني لو كنت شاكك فيكي لو لحظة مكنتيش بجيتي علي ذمتي لحد دلوق، الموضوع كان صعب عليا جوي، حطي حالك مطرحي لما تكتشفي أجرب الناس ليكِ و اللي هو المفروض الدعم و السند يطعنك في ضهرك، أنتِ ما خابراش أني بحبك قد أي و بغير عليكِ من الهوا و….. صمت فجاءة عندما لاحظ عدم ارتدائها لغطاء وجهها سألها بنبرة جعلتها تنتفض و تريد الابتعاد من أمامه لكن قبضته جعلتها غير قادرة أن تتزحزح إنشاً واحداً:
-ما لبساش نقابك ليه؟ أجابت بتوتر: -مفيش حد شايفني و جولت هانشر الغسيل و أنزل تحت علي طول. جز علي أسنانه و عروقه عنقه النافرة تكاد تطق من الغيظ، أومأ لها بشبه ابتسامة و إذا به يفاجئها بقُبلة لم تسمح لها بالتحرك بتاتاً أو حتي دفعه، يسيطر علي يديها بجوارها، و بعد أن أنتهي من تقبيلها رمقها بانتصار و ابتسامة ماكرة قائلاً:
-أبجي أنسي تلبسيه أو تجلعيه بره الدار و أني إكده هافهم أنك رايده أسوي فيكي كيف ما أسويت دلوق، و يلا جدامي و أبجي جولي لاء لأچل أنفذ تهديدي و يا عالم ممكن الموضوع يتحول لحاچة تانية هاموت و أسويها بس لما يتجفل علينا باب واحد، يا قمري. جحظت عينيها من تهديده و إيحاءاته الجريئة و المنحرفة، عضت علي شفتها السفلي من الخجل الشديد فانتفضت خلايا جسدها حينما أردف بصياح: -لساتك واجفة، طيب يبجي أنتِ اللي أخترتي.
و كان علي وشك الاقتراب منها، دفعته و ركضت إلي الأسفل و لم تسمع ضحكته التي بلغت عنان السماء. ــــــــــــــــــــــ تقف في المطبخ شاردة في مُعذب قلبها و الذي لا يلين إليها قط،يا له من قاسي لكي لا يظلمها يؤدي واجبه الزوجي نحوها لكن بدون مشاعر، لم تنس ليلة أمس و التي تشبه سابقتها (حدث سابقاً)