Uncategorized

فارس بلا مأوى ٧

نهض من فوقها و قطرات العرق تنزلق علي جبهته و كأنه يعدو صحراء شديدة القيظ، و ذلك بعدما آتاها لمدة دقائق تكاد تحصي علي أنامل الكف الواحدة و بمجرد بلوغه إلي لحظاته أبتعد عنها و كأنه يؤدي مُهمة مُرغماً عليها، تركها و ذهب ليغتسل، لنقل الأحري يريد إزالة لمسات الخيانة من علي جسده الذي لا يريد أن يقترب سوي من معشوقة قلبه فقط.

ظلت جالسة علي الفراش تبكي بحسرة علي تلك الإهانة، أجل فما يفعله إهانة لها، يكتفي بالاقتراب منها دون احتواء أو عناق أو قُبلات و يتركها دون أن يكترث إليها و هل وصلت إلي ما وصل إليه أم لا. لا تلوم سوي نفسها هي من قررت و عليها تحمل قرارها الخاطئ و الذي ستدفع ثمنه لاحقاً! (عودة إلي الزمن الحالي) انتبهت إلي رائحة احتراق طعام تنبعث من الفرن، شهقت: -يا لهوي المكرونة.

فتحت باب الفرن و جذبت الشبكة بيدها التي ترتدي بها قُفاز عازل للحرارة، رأت صينية المكرونة قد تفحمت حيث تركتها أسفل نيران الشواية لتعطيها اللون الذهبي لكن حالة الشرود التي كانت بها جعلتها نسيت أمرها، و في تلك اللحظة عاد من الخارج يحمل أكياس و ألقي بهم في الأرض حينما أستنشق رائحة الحريق، ركض إلي المطبخ ليراها تجلس علي عقبيها أمام الفرن المفتوح قائلة من بين بكائها: -حتي الأكل اللي عملت له عشان بيحبه حرقته، ليه حق ما يحبنيش.

تنفس الصعداء عندما علم بمصدر الرائحة،أقترب منها و مد يده إليها قائلاً: -ما تبكيش في داهية الصينية، المهم أنتِ بخير. رفعت وجهها لترمقه بعينيها المليئة بالدموع: -أنت فعلا خوفت عليا و لا كنت تتمني أموت و ترتاح مني. عقد حاجبيه بضيق و سألها: -ليه عتجولي إكده!، بعد الشر عليكِ. نهضت و فاضت ما بداخلها: -و اللي بتعمله معايا ده مش شر!،معاملتك الجافة و طول الوقت بتحسسني إنك جاي علي نفسك و مستحملني بالعافية!

لا تريد الإفصاح إليه أكثر من ذلك حتي لا يخطئ فهمها، ربما خجلها يمنعها من التحدث إليه عن سبب بكائها طول الليل، ماذا كانت تنتظر من رجل قلبه ليس ملكاً له! زفر بنفاذ صبر و ظل يردد: -أستغفر الله العظيم، اللي عنبات فيه نصبحو فيه، يا بنت الحلال مش أني أتحدت وياكي جبل الچواز و فهمتك كل حاچة؟ سؤاله كان بمثابة خنجر مشتعل ينغرز في جرح لم يندمل بعد، مما جعلها تفقد أعصابها و صاحت في وجهه غير مُبالية لتحذيراته السابقة في آداب الحوار:

-أنا فهمت بس أعمل أي لقلبي اللي ماقدرش يبعد عنك، قولت يمكن أخليك تحبني زي ما بحبك، نفسي أعرف فيها أي زيادة عني عشان مش قادر تنساها و طول الليل و أنت نايم تقعد تنادي عليها!،هقولك أنا ليه عشان أنت جبان و بتخاف من المواجهة و لا عارف تجيب حقك من إبن عمك اللي للبسك مصيبة و مليون في الميه أخته اللي عايش علي أمل حبها زمانها أتجوزت و متهنية في حضن واحد أحسن و أرجل منـ….

قاطع كلماتها لطمة قوية بكفه هبطت علي خدها، ماذا كانت تتوقع منه بعد تلك الكلمات التي تتطعن في رجولته، فعلت أكثر ما يؤلمه. ذهب بعيداً إلي الخارج و يزفر بغضب، فهو غاضب منها و من نفسه، لم يكن يريد أن تصل الأمور بينهما هكذا. و بعد أن أصبح في سكينة و هدوء ذهب يبحث عنها في الأرجاء، وجدها في غرفة النوم تضع ثيابها في الحقيبة،ركض إليها ليمنعها: -عتسوي أي يا مچنونة. رفعت وجهها و صاحت:

-أبعد عني و ملكش دعوة بيا، أنا أتحملت كتير بس توصل لمد الأيد و ربنا ما هعديهالك و ليا كبير يتصرف معاك. قبل أن يرد لاحظ أثر كفه ما زال علي خدها و أثر لخط دماء رفيع بجوار شفتيها، يا لك من أحمق ما الذي فعلته! أقترب منها و أمسك بيدها قام تقبيل ظهر كفها قائلاً: -آسف. رمقته بنظرة حزن دفين و سألته سؤال متعدد الإجابات: -آسف علي أي بالظبط؟ أمسك بيديها و أجاب: -علي أي حاچة زعلتك مني و علي اللي سويته فيكي من شوية، بس أنتِ اللي خرچتني عن حالي و أستفزتيني.

-عشان أنت اللي وصلتني أقولك كده،و لا أقولك أنا فعلاً أستاهل ما أنا واحدة داست علي كرامتها بالبشبشب كنت هاستني تعمل فيا أي أكتر من كدة! زفر بقوة و جعلها تجلس علي طرف الفراش و جلس بجوارها: -طب لو جولت لك سبيني أخد فرصة وياكي من غير ماتضغطي عليا و آچي عليكِ. ابتسمت إليه كالبلهاء و ألف رحمة و نور علي كرامتها التي وأُدت! – بتتكلم بجد و لا بتضحك عليا و لا خايف من بابا.

أومأ لها بامتعاض و قال: -عتحدت چد،و بعدين أني ما بخافش من حد إسمها إحترام و تقدير، ياريت تعقلي حديتك جبل ما تنطجيه. هزت رأسها بالإيجاب: -حاضر. نظر في ساعة الهاتف ثم أخبرها: -حضري حالك، هاخدك و نروحو نتغدو برة، هستناكي برة عجبال ما تچهزي. -فارس. نادته بصوتها الحسن، ألتفت إليها قبل أن يغادر الغرفة، وجدها ترتمي علي صدره و تعانقه بقوة و تخبره: -ربنا يخليك ليا و تحبني زي ما بحبك. ربت علي رأسها قائلاً:

-إن شاء الله. ـــــــــــــــــــــ -أخيراً أخدتي إفراج من جوزك، أنا كنت قربت أفقد الأمل إن أشوفك تاني. تفوهت بها ريهام إلي زينب حيث كلتيهما تجلس في المطعم الخاص بالنادي الذي يعمل به زوجها. أجابت الأخرى بضيق بعدما رفعت زاوية شفتيها جانباً بتهكم : -خليني ساكتة أحسن، المفروض بعد ساعة چاي علي أهنه، لاء و كمان مهمل معاي چوز الغربان اللي واجفين أهناك و كأنهم عيحرسو حرم الوزير. أطلقت صديقتها ضحكة و من بينها قالت: -يخربيت تشبيهاتك لسه زي ما أنتِ في عز ما بتكوني متضايقة بتقولي كلام يموت من الضحك.

– ما هو من جهرتي و غُلبي، يلا حسبي الله ونعم الوكيل في اللي كان السبب. انتبهت الأخرى إلي ما وراء كلماتها فسألتها: -زينب ممكن أعرف الحقيقة عشان كل اللي قولتيه في المطعم و تهربك مني في كل مكالمة لما بسألك عن حالك و جوزك، كل ده ملهوش غير تفسير واحد، فيه مصايب أنتي مخبياها و خصوصاً موضوع الفلاشة، مارضتش أشوف اللي عليها غير لما أستأذنك. ألتفتت زينب لتتأكد من بُعد هذان الحارسان بمسافة لا تسمح لهما بسماع ما ستخبر به صديقتها، اقتربت إلي الأمام قليلاً و قالت:

-الفلاشة دي عليها اللي يودي سليم و كل اللي وراه في داهية أولهم أخوي و فارس ياخد براءة بدل ما هو هربان، أنا بعتهالك لما نزلت ترانزيت شحنتها من أهناك علي بيت والدتك، خابرة لو كنت نزلت بيها مصر كان زمانك عتجري الفاتحة عليا دلوق. غرت صديقتها فاها من ما تسمعه فسألتها: -ترانزيت هو أنتِ كنتِ فين؟ كان السؤال كافياً ليذكرها بأحداث لن تريد تذكرها مرة أخري، يكفيها ما تعرضت إليه من تعذيب نفسي ترك فيه نفسها ندوب لم تندمل بعد، تأتي إليها خلال كوابيس مُرعبة.

-سافرنا أمريكا بعد ما أتچوزنا و هناك عرفت أهرب منيه و معاي اللاب توب بتاعه اللي عليه بلاوي تخلصني و تخلص الناس من شره لما توصل للشرطة، و كيف ما جولت لك لما وجفت الطيارة ترانزيت هناك أشتريت فلاشة من مكان جريب من المطار و نجلت عليها كل حاچة و بعتهالك من هناك، لأن كنت متوقعه إن سليم هلاجيه مستنيني في مطار القاهرة و فعلاً اللي حسبته لاجيته. شهقت الأخرى و سألتها: -يا خبر!، و عمل معاكي أي؟

-جولي ماسواش فيكي أي، ده واحد مريض و مچنون، خابرة من چبروته بيسوي أي في أعدائه. صمتت و تتذكر ما فعله في ضحيته في لاس فيجاس، لاحظت ريهام رجفة يدها و هي تتناول كوب الماء و ترتشف منه القليل لتردف: -الظالم بيسلخ الراچل و هو حي كيف الدبيحة. وضعت الأخرى يدها علي فمها غير مصدقة ما تسمعه من أهوال: -أنتِ بتتكلمي بجد يا زينب، أنا حاسه إنك بتتكلمي عن المهوسين بتعذيب الناس لحد الموت و السادية الدموية و اللي موجودين في الـ Dark Web (الأنترنت المُظلم).

هزت رأسها بالإيجاب و أجابت: -هو فعلاً سادي في كل حاچة، أنا دوجت الذل و المرار علي يده و لأچل أتجي شره فضلت أمثل عليه دور الخضوع و الچارية المُطيعة. رغماً عنها انهمرت دموعها، فالذي مرت به ليس بهين علي الإطلاق، أعطتها الأخرى محرمة ورقية و ربتت علي يدها: -أهدي يا حبيبتي و بلاش عياط عشان محدش ياخد باله و لا جوز الغربان يفتنو لجوزك. ابتسمت و بسخرية عقبت: -هو أتعود علي دموعي عاد. نهضت الأخرى و مدت لها يدها و قالت:

-قومي تعالي أغسلي وشك و نروح نشوف أحمد غطسان فين من وقت ما جينا و هو مختفي. ـــــــــــــــــــــــ علي طاولة مُطلة علي ضفاف النيل منذ أن جاء كليهما و هي لا تري سوي هو، تراقبه و هو يأكل بالشوكة و السكين فسألته: -اللي يشوفك و أنت بتاكل بالشوكة و السكين يقول عليك باشا. هز رأسه بسأم: -مفيش فايدة لساتك عترمي حديت كيف الدبش، عموماً العادة دي اتعلمتها من أيام ما كنت في أمريكا، كملت دراستي هناك و أشتغلت في فرع من فروع شركات ميكروسوفت و الحمدلله كنت هاترقي و أبجي مدير الفرع لكن كان لازم أنزل أچازة.

لاحظت إنه قد بدأ يحدثها عن نفسه مما جعل قلبها يتراقص من السعادة، سألته باهتمام: -و ليه ما أستنتش الترقية و نزلت، ده كان زمانك عديت هناك. أبتلع ما بفمه و أجاب علي سؤالها: -لسببين أولاً أتوحشت أبوي جوي و الحمدلله لحجت أشوفه جبل ما يتوفي الله يرحمه. -الله يرحمه، طب و أي السبب التاني؟ نظر إليها و صمت قليلاً، فهمت سبب صمته فقالت: -عشان تتجوز بنت عمك زينب؟ ترك ما بيده و أرتشف الماء دون إجابة علي سؤالها ثم قال:

-الحمدلله. نهض و أردف: – هاروح أغسل يدي و راچع، كملي واكلك. أدركت إنه لا يريد أن يخبرها هذا الجانب و عليها أن لا تذكره به، فهي تريد أن تجعله يمحو هذه الزينب من ذاكرته و تخرج من قلبه و تمكث و تتربع بدلاً منها. انتبهت إلي اقتراب امرأتان منها إحداهما تألف ملامحها جيداً. – أنتِ شهد بنت الحاج نعمان؟ صاحت شهد بسعادة: -ريهام، عاملة أي؟ تبادل كلتيهما الأحضان و القبلات علي الوجنتين، قالت ريهام:

-أنا الحمدلله بخير أتخرجت و أتجوزنا أنا و أحمد و أنتِ أخبارك أي جه اللي قدر يخطف قلبك و لا لسه. ضحكت و قالت بفخر و سعادة، و كعادة النساء في الإجابة عن تلك الأسئلة إما بالمكر و عدم الإفصاح أم بالتفاخر و المبالغة، بينما شهد استخدمت الاختيار الثاني: -الحمدلله ربنا رزقني بالراجل اللي خطف قلبي من أول نظرة و فاكرة لما قولتلكم نفسي أتجوز صعيدي و مُز في نفس الوقت؟ -أنتِ هاتقولي لي عليكِ، ده أنتِ كنتِ مصدعانا، يوه نسيت أعرفك بصديقتي زينب.

مدت شهد إليها يدها للمصافحة و قلبها يخفق بتوجس لا تعلم ما سببه: -أهلاً يا زينب. ابتسمت إليها الأخرى و شعرت بما حدث لشهد في آن واحد، فقالت ريهام: -أعرفك يا زوزو دي شهد نعمان تبقي صديقة و جارة بنت خالتي و متربين مع بعض، كنت بروح أقعد معاهم بالساعات و كنا نخرج. ابتسمت شهد و علقت: -كانت أحلي أيام. قالت ريهام: -علي فكرة يا شوشو زوزو من الصعيد الجواني من قنا.

كاد لسانها ينفلت و تخبرها أن زوجها أيضاً من قنا، لكن تلك الصدف الغريبة والمُريبة الجمت لسانها حتي وقع الحدث العظيم،  كان المشهد كالتالي تقف شهد أمامها و خلفهما يسير نحوهما هذا القادم يُنادي: – شهد. أشارت إليه و قالت: -تعالي يا فارس أعرفك بريهام صاحبتي. ألتفت كلا من ريهام و زينب علي ذكر الاسم و الصوت، فهي لا تحتاج إلي رؤيته لتتأكد، يكفيها سماع صوته و رائحة عطره المفضلة لديه، و هنا كان اللقاء الذي بكت إليه القلوب و دمعت له العيون.

عيون تلاقت بعد شوق جارف و شجن يملأ قلوب نزفت علي جانبي دروب الحب، نظرات كفيلة بالتحدث دون اللجوء لتفوه الألسن. -أحب أعرفكم علي فارس جوزي و حبيبي. أمسكت يده بتملك أمامهما، و أمام عينيها التي امتلأت بالدموع رغماً عنها. يسمع حديث عينيها في أذنه بصوتها رغم صمتها و شفتيها المُطبقة حتي لا تبوح بصرخات مذبحة قلبها:

” معجول يا فارس،بعد كل اللي أتحملته عشانك و شوفت الموت و چيت علي نفسي كتير جوي في الآخر أتچوزت، خنت العهد اللي بينتنا!، هان عليك كسرة جلبي اللي عايش علي أمل رچوعنا!،طب أنا أتچوزت غصب عني أنت أي اللي غصبك! إلا لو خلاص نسيتني ” تندلع رماديتيه بالحنين و العشق و الدفاع عن نفسه من إتهام عينيها الجلي، يسمع صوت عقلها بقلبه و ليست بأذنيه:

انت في الصفحة 12 من 13 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى