_ يا مُرك يا چليلة، يا ميلة بختك الي أنيل من سواد الحلل في عيالك،ياريتني ما كنت خلفتكم مكنش حرجتم دمي ولا چالي الضغط،هاتموتوني بحسرتي.
صاحت بنواح وتضرب بيدها فوق الأخري أعلي رأسها، أمسك إبنها بيدها بتوسل:
_ أبوس يدك وطي حسك. نفضت يده وزجرته بنظرة جحيمية:
_ خايفة للغازية تسمعني إياك!،للدرچدي خايف علي مشاعرها وفي داهية أمك!. زفر والحيرة تأكل صدره، لقد أصبح في مأزق لا يُحسد عليه،أختار دربه فعليه التحمل والقادم أسوء بكثير!.
رد بإنكار:
_ لاء،أني خايف عليكي أنتي النرفزة الي أنتي فيها غلط علي صحتك،أني رايدك تسمعيني للأخر و….
قاطعته بسخرية وغضب معاً:
_ أسمع أي أكتر من الي سمعته وأنت بتجولي أتچوزت الغازية،رايد مني أرجصلك أني كمان!. وفي الخارج بالردهة تجلس فاطمة في صمت وبجوارها أيضاً قمر كلتيهما تعقد زراعها، وعينيهما لاتحيد عن تلك الجالسة في الكرسي المقابل،تتأفف وتزفر بضيق،فصوت زوجها و والدته يصل إلي ثلاثتهم.
_ ألا جوليلي يا قمر هو ليه الناس مابجاش حداهم دم ولا إحساس؟.
سألتها فاطمة بنبرة هاكمة تقصد بها سمر، فأجابت قمر لتكمل وصلة السخرية وتتحاشي في نفس الوقت النظر للتي ترمقهما بشرٍ للتو:
_ مالناش دعوة بحد يا فاطمة،و علي رأي المثل الي حداه دم أحسن من الي حداه فدان.
أخفضت صوتها بسؤال تهمس به إلي فاطمة:
_ صوح المثل ولا أني بخرف؟.
كادت تجيب الأخري لكن داهمها الفزع عندما نهضت سمر واضعه يديها علي جانبي خصرها، تتشدق بصوت جهوري:
_ إسمعي يا دلعدي منك ليها، أنا ساكته لكم من بدري عشان خاطر سي زكريا، و سامعه كلام الحاجة وهي بتهيني وأنا عاصرة علي نفسي فدان ليمون وقولت يابت أستحملي مهما كانت أم جوزك، لكن بقي شغل التلقيح و الحرابيئ لحد عندي وأستوب أنا لو فرشتلكم الملايه هفرج عليكم النجع كله ولا هايهمني حد، فاهمة ياختي منك ليها.
أومأت كلتاهما،تتشبث فاطمة بقمر وكأنها تحتمي بها، وبالعودة إلي المشادة الكلامية الحادة مابين زكريا و والدته.
_ غازية!،وأني الي كنت بحلم باليوم الي أچوزك فيه زينة الصبايا تجوم رايح تتچوز لي رجاصة!، ليه إكده يا ولدي،أني خابره أنك بتاع بنات وكنت بدعيلك بالهداية ويرزجك بالي تملا عينك وتتوبك عن الي كنت بتسويه، طب ما حطتش في دماغك وجتها سمعتك وسمعت أهلك وناسك!،خابر هيتجال عليك أي لما الكل يعرف!،بلاش دي نسيت أبوك وأخوك يبجو شيوخ وحافظين كتاب الله، جولي هيبجي أي منظرهم قدام أهل النچع!.
كلماتها بمثابة سوط غليظ تنهال به عليه بلا هوادة، فلديها كامل الحق،لكن هناك تضاد في مبادئها و هو كيف لم تتقبل زوجة إبنها لكونها راقصة و لماذا تريد من إبنتها الزواج من إبن شقيقها الذي يتاجر في المخدرات والأسلحة!، يا للعجب من هذا التفكير العقيم!.
_ماخلاص ياماه الي حوصل حوصل، وريحي حالك إكده ولا إكده أني هاخدها وهانعيشو في مصر (القاهرة).
قالها مولياً ظهره إلي والدته التي صاحت بصدمة من اللامبالاه التي يرتديها ولدها وكأن الأمر يخصه هو فقط ولم ينل عائلته:
_ هو ده الي قدرك عليه ربنا!، تصدج بالله أني المفروض ينادوني يا أم بكر، ياريتك كنت في ربع أخوك ماهجولكش تبجي زيه، برغم مكنتش راضية علي زواچه من قمر لكن أختار صح،بت محترمه من بيت محترم،عارفة ربها و متربية زين،ياريتك كنت أتچوزت كيف قمر مكنتش هتجهرني زي ما جهرتني دلوق.
_ ياريتني جابلت جمر من زمان، يمكن كنت هاتوب علي يدها،هي دي الي كنت بحلم بيها،ويوم ما لاجيتها طلعت مارت أخوي.
كلمات جالت في عقله ولم يستطع البوح بها،لذا عليه بالتمني في صمت مطبق للأبد.
رد بصوت مسموع وأشتد به الضيق والحنق:
_ بزياداكي بجي عاد،وأني لما چيت جولت لك علي موضوع چوازنا أني كان جصدي أعرفكم ماباخدش رأيكم.
وجدت من مناقشتها البائسة معه لافائدة،سأمت من أخطائه وفاض بها الكيل،وبدلاً من أن تدعو له قالت:
_اللهي ما يريح جلبك كيف ما أنت تاعب جلبي وياك يا ولدي،و طول ما أنت ماشي في الطريق الشين نهايتك هاتبجي سودة و وجتها تجول ياريتني كنت سمعت حديتك يا أماه. ألتفت إليها و حدجها بنظرة أبلغتها أنه بالفعل قلبه يُعاني و روحه تحترق من كثرة الآثام التي أرتكبها.
_ بالله عليكي ما تدعيش عليا أني ماناجصش،أني فيا الي مكفيني،جلبي واچعني أوي.
و في برهة فرت من عينه دمعة جعلت قلب والدته يتقهقر ويحترق، ما بيدها سوي مدت زراعيها له، فأرتمي علي صدرها كما كان طفل صغير يبكي في حضن والدته، بكاءً مريراً،شعرت بالندم علي ما ألقته علي مسامعه
، أخذت تربت عليه بحنان وبصوت يشوبه الندم قالت له:
_ حجك عليا يا ولدي،ياريت كان أنجطع لساني قبل ما أدعي عليك.
: أزداد بكائه مصحوباً بنشيج يرتفع بالتدريج.
_ بعد الشر عليكي يا أمي، أني أستحق الي جولتيه وأكتر، كل الي طلبه منك تدعي لي ربنا يهدي جلبي.
عانقته بقوة،فشاركته في البكاء:
_ ربنا يريح جلبك يا ولدي ويهديك، ويبعد عنك الشيطان. أمسك بيدها وقام بتقبيل ظهر كفها يطلب منها برجاء:
_سامحيني يا أمي،أرضي عني أحب علي يدك. _ مسمحاك ياولدي، ولو عايزني أرضي عنك صوح طلج البت الرجاصة العفشة دي،وأني هاچيب لك عروسة أچمل وأأدب منها بكتير، فاكر البت چميلة بت عبدالوهاب المزين؟. وقبل أن يجيب ولجت هي علي كلمات والدته وتشدقت:
_ يطلق مين يا حاجة،أتقي الله ده أنتي عندك بنت،ولو مش خايفة للي بتعمليه يترد فيها،خافي علي حفيدك الي في بطني.
أستمعت جليلة لها وكأن دلو ماء أنسكب علي رأسها،كادت عينيها تخرج من محجريهما أثر الصدمة التي تلقتها،بينما زكريا ظل ينظر إلي سمر بتوعد كان سيلقنها إياه لكن صوت طرقات عنيفة علي باب الدار جعل أفئدتهم تنخلع من الفزع لاسيما زكريا. فتحت فاطمة الباب لتجد أمامها قوة من الشرطة يتصدرهم رئيسهم الذي سألها بحدة:
_ ده بيت زكريا واصف؟. أكتفت بإيماءة من رأسها رداً علي سؤاله،و علي التو أمر العساكر:
_ أدخلو هاتوه.
وقفت جانباً بتوجس وصدمة جعلتها غير قادرة علي التفوه ببنت شفه،وقبل أن تقتحم أفراد الشرطة الغرفة خرج إليهم وخلفه سمر و و جليلة التي سألت الضابط والخوف ينهش قلبها:
_ خير يا بيه؟. لم يرد ولكن سأل ولدها:
_ أنت زكريا واصف؟. أزدرد لعابه وشعور النهاية يتدفق في مجري دماءه،أجاب بتوجس:
_ أيوه أني. _ خدوه علي البوكس.
أمرهم بإقتضاب،وبالفعل قاموا بالقبض عليه، فصرخت جليلة وسمر التي صاحت:
_ واخدينو ليه يا حضرة الظابط، جوزي عمل أي؟.
رد بإقتضاب وعلي عجلة من أمره:
_ لما يروح القسم هاتعرفوا. *•*•*•*•*•*•*•* _ أنتهت للتو من غسيل الصحون وأستدارت لتطفأ الموقد قبل أن تفور القهوة،فأمسكت يد الركوة وسكبتها في الفنجان ثم أخذتها و ذهبت إليه لتعطيه إياه في الغرفة التي يخصصها لإنجاز مهمام عمله ومراجعة القضايا التي لديه.
وقفت أمام الباب قبل أن تدير المقبض،تسمعه يتحدث لأحدهم لكن بللغة أجنبية،ولجت علي مهل حتي هو لم ينتبه إلي دخولها،يبدو علي ملامحه علامات الإمتعاض والضجر. _ صوفيا أرجوكِ كُفِ عن مضايقتي كل حين وآخر،ماذا أفعل لكِ لكي تدعيني وشأني؟.
وصلت إجابتها إليه عبر سماعة أذن متصلة بحاسوبه:
_تعلم جيداً ما أريده صلاح،يكفيك بُعاداً حبيبي. تبدلت ملامحه من الضجر إلي الإمتعاض وذلك علي مرأي تلك الجالسة في زواية تمسك بالفنجان وترتشف هي القهوة والفضول يفتك بها،تركت الفنجان جانباً وأخذت تتسحب بدون أن تلفت إنتباهه إليها لتري من المتحدث إليه. وبالعودة إلي المحادثة:
_ كفاكِ أنتِ محاولة،لاجدوي لعودتنا إلي بعض مرة أخري،أنتِ من أخترتِ النهاية وعليكِ التحمل،وكما أخبرتكِ سابقاً، الرجل الذي أحبتيه قد مات منذ زمن والفضل يعود لكِ صوفيا.
لحظات من الصمت المُطبق، قطعته شهقات مُعلنة عن بكائها وتوسلات لانظير لها، محاولات بائسه لإستمالة قلبه إليها مرة أخري.
_ صلاح،أنا ضائعة من دونك. أغمض زرقاويتيه و خلع سماعات الأذن حتي لايتأثر،مسح بكفيه علي وجهه وأطلق زفيراً ينبع من جوفه،عليه أن يضع حداً حازماً لهذا الأمر وألا ستكون العواقب وخيمة فوق رأسه ربما تهدم حياته مع سُمية!.
وضع السماعات مرة أخري في أذنيه وقال:
_ أنتبهِ لي صوفيا، لأنني لم أعيد حديثي مرة أخري،لم ولن أعود إلي مَنْ أختارت بل وفضلت إدمان الخمر والعقاقير عن الإنسان الذي أحبها بصدق وكان علي إستعداد أن يفعل المستحيل من أجلك، لكن أنتِ لاتستحقين منه سوي الشفقة علي حالتك المُزرية والبائسة ل…. قاطعته برجاء وتوسل يُرثي له:
_ من فضلك أسمعن…
_ أستمعِ أنتِ يا إمرأه ولا تقاطعيني،رجل آخر لو كان في مكانتي لكان قام بإستغلال وضعك وحالتك وأخذت منكِ إبنتي عنوة، لكن أنا لستُ متحجر القلب مثلك،وقلت لنفسي أبنتك غداً ستكبر وتعلم من هو والدها و سوف تأتي لك بملئ إرادتها.
وقفت الأخري خلفه تنتظر حينما ينتهي من التحدث لتلك الحرباء الصفراء التي بمجرد رؤيتها تقف خلفه تصنعت عدم رؤيتها،رجعت إلي الخلف ليتثني لها خلع سترتها وأصبحت بكنزة قطنية بدون أكمام، جففت عبراتها وأبدلت نبرتها من الحزن والآسي إلي التغنج والدلال السافر،تظن أنها تفهم اللغة الفرنسية:
_ حسناً حبيبي، لديك حق في كل ما ذكرته للتو، لكن لاتنسي كل ما كان بيننا،هل نسيت ما فعلناه من لحظات جنون، ذكرياتنا في ڤينسيا أم باريس أو الأحري علي اليخت الذي أهداك إياه صديقك سليم؟،ألم تشتاق إلي لمسة واحدة من جسدي!.
أختتمت آخر كلمة بقبلة وحركات تعبيرية بإغواء وإغراء جعل سمية تصرخ بصياح:
_ ما تخرچي له من الشاشة أحسن وأجعدي علي حچره وأهريه بوس. أنتفض فزعاً وينظر وراءه إليها،لم تمهله بأن يفسر لها ما يحدث،أردفت:
_ چري أي يا حرباية يا صفرا يا سخامة البرك يا قعر الحلة المصدية. وبدلاً من أن يوقفها أخذ يقهقه علي كلماتها البلاغية المُضحكة، فهذا كان كافياً بإشعال غضبها أكثر،ضغطت علي شاشة الحاسوب لإغلاقه ودفعت الكرسي الذي يستدير تلقائياً ليصبح في مواجهتها:
_ و كمان ليك نفس تضحك!.
أشار لها بيده لتتريث ريثما يتوقف عن الضحك:
_ أصبري بس هافهمك. عقدت ساعديها وقالت بسخرية:
_ ما أني خلاص فهمت كل حاچة، مش دي الهانم الي خلفت منها في فرنسا؟، رايده منك أي تاني، ليكون ريداك ترچع لها؟. وأخيراً كف عن الضحك ليجيب عليها بجدية:
_ ولو أفترضنا إنها عايزة أرجع لها، تفتكري إن ممكن أعمل كده؟. صمتت لثوان تفكر في إجابة، فجاء صوته لها مُردفاً:
_ لو مش عارفة تجاوبي يبقي أظن أنك ماعندكيش ثقة فيا، و ده بقي موضوع تاني.
نهض من علي كرسيه و غادر الغرفة أمامها، كانت مُتسمرة في مكانها غير قادرة علي التحدث وكأن لسانها قد أُلجم بللجام قوي.
ركضت خلفه لتجده يقف خلف النافذة ويمسك بسيجارة يشعلها بالقداحة، يزفر دخانها إلي الخارج، وقفت بجواره و بندم جلي من نبرة صوتها قالت:
_ أنت فهمتني غلط عاد،و لو حديتي ضايجك كان غصب عني، غيرت عليك لما لاجيتك بترطم معها بالفرنساوي وأني مافهماش حاچة ولما جربت منك لاجيتها تخلع الچاكيت من غير خشا قدامك، رايد مني أسوي أي يعني!.
ألقي السيجارة من النافذة وألتفت إليها يحملق في ملامحها الذي يغزوها الحزن،رفع يده ليلامس وجنتها بأطراف أنامله، رفعت وجهها لتتلاقي عينيها بخاصته و خلال برهة كانت قابعة بين زراعيه،يعانقها بحب لم يشعر به من قبل سوي معها هي فقط،يحس برجفة قلبها النابض علي صدره الملاصق لخاصتها، شعور بسائل دافئ علي بشرته، فأدرك إنها عبراتها، شد من معانقتها وسألها:
_ طيب بتعيطي ليه؟. أجابت ببكاء:
_لأنك مضايج مني وفهمتني غلط. أطلق تنهيدة و ربت علي ظهرها بحنانه الدافئ:
_ أنا فعلاً هتضايق لو مابطلتيش عياط، خلاص بقي.
رفعت وجهها من موضع صدره و رمقته كالجرو الصغير فجعلته يندم علي ردة فعله، مالبث لحظات، فهبط علي شفتيها بقبلة إعتذار دامت لدقيقة بل دقيقتين، لوقت لم يشعر كليهما بحسابه بدقة،كانا محلقين معاً فوق غيمة هائمة بين نسمات العشق، يتذوق كل منهما رشفات من رحيق فم الأخر،فالإعتذار لم يقتصر علي كلمة فقط، الفعل أبلغ من الحديث وأقوي،يترك أثراً عميقاً بداخل النفس قد يدوم للأبد.
أنتهت القبلة بعدما أحتاج كل منهما لإستنشاق الهواء،أمسك بخصلات شعرها التي تعيق رؤيته لوجهها و وضعها خلف أذنيها وزرقاويتيه لاتحيد عن شفتيها شديدة الحُمرة:
_ حقك عليا، أنا الي آسف خليتك تضايقي وتزعلي و خليت دموعك نزلت. إبتسامة سعادة عارمة غزت فمها بل ملامحها بالكامل، أمسكت بيده بين كفيها وقالت بصوت حنون:
_ أني الي خلاني بكيت هو لما حسيت أنك متضايج مني. _ وأنا قولت لك خلاص مش متضايق. رمقته بمكر فسألته بفضول:
_ طب كنت عتتحدت مع الي تنوأد ومايلقوش تربة يتاوها فيها دي في أي؟.