Uncategorized

فارس بلا مأوى ٨

تناولتها منه، فأمسك بأخري و كاد يقضم منها قطعة أوقفته بسؤالها:
-أنا طبعاً بقيت قدامك واحدة معندهاش كرامة و لا إحساس و لو واحدة مكاني كانت ما قبلتش بوضعي و بعدت بعد ما تكون قلبت الدنيا عليك و بهدلتك.

تركت الشطيرة جانباً و اقتربت منه للغاية و اردفت:
– بس أنا قلبي لسه بيحبك و بيعشق التراب اللي رجلك بتخطي عليه، أنا راضية تحبني لو ربع حبك ليها و أنا هابذل كل جهدي عشان يبقي قلبك كله يبقي ملكي، بس أديني فرصة واحدة، فرصة أخليك تفوق و تعرف مين اللي تتمني منك كلمة تحيي بيها قلبها و تداوي جرحه، كلمة لو حسيتها بس منك و من غير ما تقولها هتلاقيني من أيدك دي لأيدك دي.

و أمسكت بيديه ثم تركتهما و عانقته بقوة قائلة:
-أنا بعشقك أوي يا فارس.

وقفت علي أطراف أناملها و قامت بتقبيل شفتيه، كان موقفها مفاجأة بالنسبة إليه رغماً كل ما حدث بينهما من عنفه نحوها كلما تشاجرت معه و جفائه الصريح لها، تخللت أناملها ما بين أزرار قميصه و همت بفتح كل زر و كان علي وشك أن يستسلم للمساتها الجريئة علي صدره لكن هيئة زينب و عيناها الغارقة بالدموع ظهرت له من العدم أمام عينيه، و إذا به يبعد الأخرى بقسوة عنه فـ رمقته بضيق من ردة فعله، تركها بمفردها و ذهب أخذت تلقي كل ما أمامها و تصرخ علي غرار ما تحمله إليه من عشق دفين:

-أنا بكرهك يا فارس، بكرهك.
و أخذت تبكي بصراخ تتمزق له الأفئدة، فلم يتحمل كل ما يحدث غادر المنزل و ذهب إلي عمله حيث متجر حماه!
ـــــــــــــــــــــ
– ريهام كوباية الشاي بسرعة عشان يا دوب ربع ساعة و نازل. كان صوت أحمد زوجها من داخل الغرفة، يرتدي قميصه و يغلق أزراره. و في غضون لحظات دخلت و تمسك بصينية صغيرة فوقها كوب الشاي، أتسعت عينيه بتعجب:
-بالسرعة دي عملتي الشاي!، و لا تكوني بتعمليه من مية السخان؟

ضحكت و قالت:
-لاء يا حبيبي مش أنا اللي تعمل كده، لو مش مصدقني روح المطبخ و بص علي الكاتل. أختطف قبلة علي خدها:
-بنكش فيكي يا رورو. اتجهت نحو المشجب و أخذت سُترة البدلة خاصته و اقتربت منه لتجعله يرتديها:
-أنكش يا روح رورو علي قلبي زي العسل. و فعلت كما فعل معها لكنها اختطفت القبلة من شفتيه، رفع حاجبيه و سألها بمكر:
-تلبسيني البليزر و تقوليلي روح رورو و بوسة من دون سابق إنذار، ما تجيبي من الأخر و قوليلي عايزة أي؟

و ختم كلماته بغمزة من عينه، ابتسمت و عانقته بدلال:
– هو مفيش مرة كده أبداً غير ما تقفشني. حاوط خصرها و أخبرها:
-عشان حافظك أكتر من نفسك. ضغطت علي وجنتيه بأناملها:
-و ده اللي مصبرني عليك. أبتسم من مشاكستها فقال بمزاح:
-اللي يسمعك يقول أنا مطلع عينك و بعذبك، أه منكم يا صنف حواء اللي ينفع معاكم واحد زي سليم العقبي يمشيكم زي الألف و مفيش واحدة تتجرأ تفتح بوقها. شهقت باعتراض و قالت:
-نعم!، و لا ألف من عينة سليم يقدر يهز مني شعرة.

دغدغها في خصرها و يضحك ثم جذبها بين ذراعيه و عانقها بحميمية:
-بموت فيك يا شرس أنت يا خِطر. ابتسمت بدلال و تداعب ذقنه الحليق بأناملها الناعمة:
-طب الشرس عايز ينزل يشتري شوية حاجات، عيد الأم قرب و عايزة أشتري هدية لماما. أمسك بيدها التي تداعب بها ذقنه و قام بتقبيلها و قال:
-الفلوس عندك في الدولاب هاتي اللي نفسك فيه و هاتي هدية عيد الأم، بس أستني لما أرجع أنزل معاكِ بدل ما تنزلي لوحدك.

أصابها القليل من التوتر و أعادت خصلاتها خلف أذنها:
-خليك أنت عشان بترجع متأخر و أنا بحب ألف و أنقي الحاجة علي راحتي. أومأ لها و قال:
-علي راحتك، بس خلي بالك من نفسك و أنا هابقي أتصل أطمن عليكي. و دنا بشفتيه و وضع قُبلة علي جبهتها، اشتدت من عناقها له قائلة:
-بحبك أوي يا أحمد ربنا ما يحرمني منك أبداً. لم يبادل كلماتها بحرف فأختار الفعل ليعبر لها عن جوابه فألتقم شفتيها في قبلة رومانسية دامت لدقائق حتي ابتعدت هي لتلتقط أنفاسها، ربت عليها و قال:
-يلا أسيبك أنا عشان أتأخرت، سلام يا روحي.

أمسكت بكوب الشاي و ذهبت خلفه:
-طب و الشاي؟ فتح باب الشقة و قبل أن يغادر أجاب:
-ما أنا ما ينفعش أشرب الشاي بعد ما دوقت العسل. و غمز بعينه فابتسمت و تابعت النظر إليه حتي ألقي تحية السلام و غادر، تركت الكوب علي المنضدة و تردد بحسم قرارها:
-لازم أروح أقابلها و أعرف كل حاجة!
ـــــــــــــــــــــــــ
يجلس خلف مكتبه و عاد إلي التدخين بشراهة، المنفضة أمامه مليئة، دلف العامل يحمل إليه فنجان القهوة:
-القهوة يا باشا.

أشار له بحدة نحو المنفضة قائلاً بأمر:
-فضي الطفاية و حطها في مكانها. نظر الرجل بتعجب و قال:
-دي تالت مرة يا باشا أفضي لك الطفاية حرام عليك صحتك أنت مكنتش بتدخن كده! نهض و ضرب سطح المكتب بيديه فأهتز كل ما عليه و صاح بغضب جلي:
-و أنت مالك أشرب و لا أتنيل علي عيني. أزدرد الرجل ريقه و رد باعتذار:
-آسف يا باشا و الله من حبي و خوفي عليك، أنا آسف مرة تانية.

أنتبه إلي نفسه و غضبه الذي يحرقه و يحرق كل من يقترب منه، أطلق زفيراً و يسمع صوت اصطكاك أسنانه، أشار إلي العامل:
-معلش يا عم صبحي سبني لوحدي لو سمحت. غادر الرجل في الحال و جلس الأخر يحاول أن يهدأ من روعه، كيف ذلك و هاتفه أمامه عاد يمسكه للمرة المائة ينظر في الشاشة و يقرأ تلك المحادثة من جديد و كانت كالتالي: “ندي:
– سواء معاها أو مع ألف غيرها عمرك ما هاتقدر تنساني يا علي فبلاش تعيش في أوهام.

علي:
-أنتي أي يا شيخة، يخربيتك مش هاتبطلي وساختك دي بقي!، عايزة أي من جوزي! ندي:
-؟؟ علي:
-أيوه أنا مروة مش علي،علي اللي بحبه و بيحبني و عمره ما هيرجع يبص لواحدة زيك أنانية و خاينة و ماتستاهلش لا تكون زوجة و لا أم و لا صديقة ندي:
– بذمتك أنتي مصدقة نفسك، فوقي يا حلوة علي بيحبني أنا، عاش أجمل لحظات حياته معايا بدليل لسه عايش علي ذكرياته معايا لحد دلوقتي، روحي أسأليه و هو هيقولك

علي:
-ده كان زمان يا ست ندي، لما كان مخدوع في واحدة عايزة تاخد كل حاجة ندي:
– خليكي عايشة في وهم كبير بكرة تفوقي منه لما يطلقك و يرميكي في الشارع و يجيلي لحد عندي، علي مفتاح قلبه بإيدي و ممكن بكلمة منه أخليه يرمي عليكي اليمين حالاً تحبي أوريكي؟؟ علي:
– أنتي اللي عايشة في كدبة كبيرة و بكرة هافكرك يا ندي لما تخسري كل حاجة حتي أكرم اللي خسارة فيكي، راجل محترم و فيه أي مواصفات الزوج المثالي اللي تتمناه أي واحدة، لكن أنتي عشان أنانية وطماعة و ما بتحبيش غير نفسك

ندي:
– هههههههه تصدقي صعبتي عليا و عماله تديني مواعظ،طب خدي بقي عندك، أيوه يا مروة أنا بحب علي بس اللي خلاني ما أقدرش أكمل معاه ساعتها لأن حالته المادية مكنتش تسمح نفتح بيت و لا نتجوز أو يقدر يعيشني في المستوي اللي أنا عايزاه، و بالنسبة لأكرم زي ما قولتي بالظبط فيه مواصفات الزوج المثالي، نفس مستوايا الإجتماعي و نقيب و أهم من كل ده بيموت فيا و بيغير عليا من الهوا كفاية ربنا رزقني منه بأجمل بنوته، أنا عمري ما جريت ورا حد و لا هنت كرامتي تحت رحمة واحد بشحت منه كلمة حب و أنا عارفة و

واثقة قلبه مش ملكه، قلبه ملك واحدة مهما عملتي عمرك ما هتوصلي لواحد من عشرة من حبه ليها،يلا مبروك عليكي وجع قلبك يا صاحبتي بالشفا علي:
-أقسم بالله أنتي بني آدمة مش طبيعيه أبداً، أنتي مريضة نفسياً، طب مش خايفة أخد الشات ده أسكرينات و أبعتها لجوزك و لا هاتكدبي كعادتك؟ ندي:
-و لا تقدري تفكري تعملي كده، عارفه ليه، لأنك متأكدة و واثقة أن لو أنا أتطلقت من أكرم علي هايسيبك و هيرجعلي، فبلاش بقي شغل التهديد اللي أنا و أنتي عارفين أخرته أي

علي:
-تصدقي بالله إن أنا غلطانة ضيعت وقتي في الكلام مع واحدة مستفزة و وضيعة زيك، أنا ما بحبش أدعي علي حد و أنتي اضطرتيني لكدة، روحي يا ندي اللهي ربنا يديكي علي قد نيتك و تشوفي أسود أيام حياتك و تخسري كل حاجة و تبقي لوحدك، و مبروك عليكي أحلي بلوك ”

و أن أنتهي من قراءة الشات الذي يحفظه عن ظهر قلب، يا لها من حمقاء لا تعلم إنه يملك الرقم السري للحساب الشخصي الخاص بها علي الموقع التواصل الاجتماعي و كذلك تطبيق الدردشة، لم يحتاج إلي سؤالها ما أن الشك استقر في قلبه نحوها كما الأمر لا يحتاج إلي فطنة فهو بحكم عمله يلجأ إلي أساليب عديدة للتجسس للقبض علي المجرمين، فيجب عليها أن تتوقع كل شيء لكن يبدو هي من تعيش في أوهام من نسيج خيالها المريض و قد وقعت في شباك من صنع يديها.

صعد قليلاً إلي أعلي و أعاد قراءة اعترافها للمرة الألف:
(( أنا بحب علي بس اللي خلاني ما أقدرش أكمل معاه ساعتها لأن حالته المادية مكنتش تسمح نفتح بيت و لا نتجوز أو يقدر يعيشني في المستوي اللي أنا عايزاه، و بالنسبة لأكرم زي ما قولتي بالظبط فيه مواصفات الزوج المثالي، نفس مستوايا الإجتماعي و نقيب و أهم من كل ده بيموت فيا و بيغير عليا من الهوا كفاية ربنا رزقني منه بأجمل بنوته ))

و قد وصلت قوة صبره إلي درجة لا تحتمل، نهض كالوحش الكاسر و أطلق غضبه بأخذ كل شيء من أعلي المكتب و يقذفه أرضاً لاسيما فنجان القهوة السادة الذي يشبه لون و طعم حزنه المرير. 🌷يتبع🌷 #الفصل_الثاني_والأربعون #فارس_بلا_مأوي #بقلمي_ولاء_رفعت بعدما ودع العروسان أهليهما و معارفهما، ركب كليهما السيارة و أنطلق بهما السائق نحو منطقة يبدو من مبانيها إنها حديثة المنشأ. مالت نحوه لتسأله بصوتها الهادئ:
-إحنا رايحين علي فين؟ أمسك بيدها و قام بتقبيل ظهرها و قال:
-رايحين علي دارنا يا قمري.

تلاقي حاجبيها من أسفل غطاء الوجه الأبيض الحريري، فقالت بتعجب:
-أومال الأوضة اللي چهزناها في دار أهلك دي تبجي أي! نظر إليها مُبتسماً و أخبرها بسلاسة:
-ما أني جولت أسويهالك مفاچاءة. و بعدما وصل كليهما أمام الشقة، فتح لها الباب و قال:
-ثواني. و إذا به يحملها فأطلقت ضحكة رغماً عنها:
– واه يا سي بكر هاجع منك. دلف إلي الداخل و أغلق الباب بقدمه قائلاً:
– هاتجعي كيف يعني، متچوزة عيل فرفور إياك!

و ظل يحملها إلي أن وصل إلي داخل غرفة النوم، فأنزلها برفق و كأنها قارورة يخشي أن يحدث لها شيئاً، وقف أمامها مباشرة و قام برفع النقاب الحريري،و ما أن وقعت عيناه علي وجهها ردد بصوت خافت:
-بسم الله تبارك الرحمن، اللهم صل و سلم على سيدنا محمد، اللهم بارك و يبارك لي فيكي.

أسبلت جفونها بخجل شديد و رجفة يديها من فرط التوتر حيث تذكرت الحديث الذي دار بينها و بين فاطمة من قبل عن أن ما قبل الزواج يختلف كثيراً عن ما بعد الزواج و لأنها خجلت أن تخوض في تفاصيل كثيرة لأنها بنت لم يسبق لها الزواج من قبل فأعطتها كتاب بعنوان «جرعات من الحب» للكاتب كريم الشاذلي، و أخبرتها ستجد به كل الإجابات المبهمة لديها و تجعل علاقتهما الزوجية و الحياتية ناجحة دون اللجوء لنصائح الأصدقاء و المعارف الغير موثوق بها، كما أخبرتها بما يحبه شقيقها من المأكل و الملبس و أمور أخري ربما قد انتبهت إليها منذ معرفتها به.

أفاقت علي صوته و يسألها بنبرة زادت من رجفة جسدها ليس خوفاً بل بسبب خفقات قلبها التي تزداد من التوتر و القلق:
– مالك بتترعشي ليه إكده، خايفة إياك؟ أجابت بصوت يكاد يسمعه بصعوبة:
– لاء، جصدي يعني متوترة تجدر تجول مكسوفة. أمسك بطرف ذقنها و رفع وجهها ثم حدق في فيروزتيها بنظرة تبث بداخلها الشعور بالطمأنينة و الراحة كما تزيل القلق الذي يختلج صدرها و يبدله إلي السكينة.

– أنا خابر خوفك و توترك يبجي من أي، و أني بجولك ما تجلجيش أني بحبك و بخاف عليكي أكتر من حالك، رايد منك تطمني و أنتي وياي لأن كيف ما جولتلك و لساتي علي وعدي ليكي  هاتجي الله فيكي و هاشيلك چوة عيني و مقامك فوج راسي، و حابب أجولك علي حاچة أخيرة. رمقها بابتسامة و عيناه لا تحيد عن خاصتها فأردف:
– عمرك ما هاتحسي بالأمان غير في حضني و بس، ها لساتك خايفة؟

هزت رأسها بالنفي فقال لها:
– رايد أسمع صوتك اللي كيف صوت الكروان لما يغرد، فأجابت بصوت يذوب له قلبه من نعومته و دلاله:
– مش خايفة. أبتسم بمكر و أراد أن يبدد توترها:
– طب يلا نغيرو خلچاتنا و نروحو نتوضو الأول لأچل نصلي ركعتين شكر للرحمن أنه رزجنا ببعض و بعدها رايدك تثبتي لي مش خايفة كيف. نظرت إليه بعدم فهم و سألته:
– أثبت لك كيف يعني؟

ازدادت ابتسامته لاسيما بعد ما نوي علي ما سيفعله، نظر إلي السقف و تصنع رؤية شيء ما مما جعلها تفعل المثل فأجفلها علي حين غرة باختطاف قبلة من شفتيها المكتنزة!
ــــــــــــــــــــــــــ
و بعد أن انتهت من التسوق و جلبت كل ما أرادت شرائه ساقتها قدميها إلي متجر الحاج نعمان، لديها مئات من علامات الاستفهام ودت معرفة إجابتها من شهد فـ قررت الذهاب إلي متجر والدها لتأخذ منه رقم هاتف ابنته، لم يكن لديها علم إنه إذا ولجت ستجد من يقتصر عليها درب الأسئلة.

-سلام عليكم الحاج نعمان موجود؟
أنتبه إليها المدعو حمودة و أجاب:
-لاء مش موجود، أتفضلي حضرتك أؤمري. أشارت بيدها و قالت:
-شكراً، أنا خلاص ممكن أجي له في وقت تاني. و في تلك الأثناء خرج من غرفة تخزين البضاعة و تلاقت عينيها بـ عينيه، رمقته بازدراء و همت بالمغادرة فأوقفها مُنادياً بتوسل:
-ريهام ممكن نتحدتو شوية؟ و دون أن تنظر إليه قالت بـ تهكم:
-عايز مني أي يا باشمهندس. ثم جالت ببصرها علي محتوي المتجر و أردفت بتهكم و حديث ذات مغزي:
-باشمهندس برضو و لا حتي دي كمان غيرتها!

أدرك ما ترمي إليه و هو إنه قد نسي حب عمره و تزوج من أخري، و قبل أن يُعلل لها ما فعله ألقي نظرة من حوله وجد حمودة يتظاهر باللعب علي هاتفه لكنه يُراقب كل شيء، يبدو أن شهد تكلفه بتلك المُهمة و هو نقل أخباره إليها، أشار إليه بأمر صارم:
-جوم يا حمودة هات لنا واكل من محل الكشري اللي في الشارع اللي ورانا. نظر إليه الأخر بتردد و تفهم إنه لا يرغب بوجوده، أخذ يُتمتم:
-معايا رقم المحل أتصل يجيب لنا دليفري.

صاح به غاضباً و عينيه ترمقه بتهديد:
– جوم فز بدل ما أخليك ما تعتبهاش تاني. نهض علي مضض و خوفاً من تهديد الأخر إليه فقال بانصياع:
-حاضر يا سطا قاسم هاروح أهو. بينما هي لاحظت نطق الشاب لهذا الاسم الزائف، و بعد مغادرته للمتجر نظرت إلي فارس و سألته:
-واضح إن كل حاجة أتغيرت حتي اسمك! عقد حاجبيه مُشيراً إليها للذهاب إلي المكتب:
-تعالي بس أتفضلي و أني هاحكي لك عن كل حاچة من الأول.

تنهدت ثم ذهبت بعدما رأت إصراره في عينيه، و بعد أن جلست جلس هو علي المقعد الأخر مقابلاً لها أمام المكتب.

-أني هحكي لك كل حاچة و ياريت تفهميني جبل ما تحكمي عليا.
يقع في حيرة من أمره و كأنه من أين سيبدأ لها من رحلة عذابه، فبدأ يسرد لها منذ وصوله إلي مصر و وفاة والده و عند عودته من مراسم الدفن تم القبض عليه ظُلماً و زيارة زينب له و شعوره حينها إنها تمُر بضغط من شقيقها و إجبارها علي الانفصال منه و فسخ الخطبة، و كيف مرت عليه تلك الليالي الحالكة خلف قضبان الزنزانة و محاولة قتله بداخلها.

كما سرد لها محاولة هروبه هو و من معه من شاحنة الترحيلات بعدما تعرضت لهجوم مُسلح من مجموعة رجال يتبعون إلي إحدى المتهمين الخطيرين، لم تكن لديه فرصة حينها سوي الفرار أو تسليم نفسه ليستمر سجنه ظُلماً، ظل يخبرها بما تعرض له من صعاب و انتهت بمجرد مُقابلة الحاج نعمان الذي مد يد العون إليه لكن لكل شيء ضريبة و هي الزواج من شهد حفاظاً لهذا العرفان و ذلك بعدما تبين رابط علاقة الحاج نعمان بوالده، لكن تلك الجزئية لم تقتنع بها كفاية، فقامت بالتعقيب:

-بغض النظر عن كل المعاناة اللي مريت بيها و طبعاً دي مصيبة لوحدها لأنك كده في نظر القانون كدة أنت هربان، بس اللي مش قادرة أقتنع بيه هو جوازك من شهد، كان ممكن ترفض بأي حجة و ما تورطهاش معاك، أنت دلوقت واقع في مصيبة و لازم حل يا إما هاتفضل عايش هربان طول عمرك ضايع و مشتت و بهوية غير هويتك الحقيقية، مش ده فارس اللي كانت بتحكي لي ديماً عنه زينب!

و علي ذكر اسم معشوقة قلبه أنحني إلي الأمام و أخبرها برجاء:
-بالله عليكِ أني خابر اللي هاطلبه ده ما يصحش و ما ينفعش أني رايدك توصليني بيها بأي طريجة، رايد أطمن عليها.

ترددت هي الأخرى في أن تخبره بكل ما مرت به صديقتها من أهوال علي يد الطاغية سليم العقبي، لكن وجدت لا مفر من ذلك، بدأت تسرد إليه منذ لجوء زينب إليها بعدما فرت من ذلك الزواج الإجباري و شقيقها علي وجه الخصوص هو من أرغمها عليه و أخبرته عن وصوله إليهم و برفقته من أصبح زوجها الآن تحت التهديد:
– إياك تفتكر أنك لوحدك اللي عايش في عذاب، زينب يمكن مُصيبتها أكبر. تحفزت كل حواسه و نظرة القلق و الخوف علي صديقتها بداخل رماديتيه أخبرتها بما يدور في دواخله.

-كملي يا ريهام و جفتي ليه!، يبجي مين سليم العقبي ده و سوي فيها أي!
أجابت بحذر:
-أنا هحكي لك بس بالله عليك بلاش تهور، لأن أي حاجه هتحاول مجرد المحاولة تعملها هتأذيها هي قبل ما هتأذي نفسك. بدأت تخبره من هو سليم داغر العقبي و مدي نفوذه و جانبه المظلم و من يقترب منه أو يقف نداً له يحترق أو ينتهي مصيره إلي هلاك محتوم، فما بال من يقترب من ممتلكاته و خاصة زوجته!

أجفلها بضرب قبضته فوق سطح المكتب مما جعلها انتفضت:
-أهدي يا فارس ماتخلنيش أندم حكيت لك حاجة، أنا اللي خلاني أقولك و أحكي لك عشان تعرف و تفهم زينب ضحية زيك بعد ما شوفت نظرة إتهامك ليها و إحنا في النادي. شد علي قبضته و جز علي أسنانه، فما أصعب شعور العجز هذا!، يريد إنقاذ مُهجة فؤاده من براثن هذا الوحش حتي إذا لم تكن له في النهاية. – يا ريهام أنتي ما خابراش أي اللي أني حاسه دلوق،أنا رايد أروح و أخدها منـ….

قاطعته بتحذير شديد:
-أوعي، ده مجرم  مش بعيد يقتلك و يقتلها و إنها ما تفكرش حتي تبعد عنه، سليم شخصية سادية لدرجة عمرك ما تتخيلها، كل اللي أقدر أنصحك بيه بلاش السلبية اللي أنت فيها و أسعي لبرائتك و بالنسبة لزينب ما تقلقش عليها. توقفت عن الحديث لاسيما عندما سألها:
– ما أجلجش ليه عاد؟، أنتِ خابرة حاچة؟ عم الصمت بينهما و إذا به صوت رنين هاتفها يقطعه، أخرجت الهاتف من الحقيبة فرأت المتصل زوجها:
-معلش يا فارس مضطرة أمشي جوزي بيتصل عليا.

نهضت فتبعها بالقيام و قال:
-معلش لو أخرتك بس كل اللي رايده منك تعطيني رقم تليفونها و ما تخافيش… و قبل أن تقاطعه بالرفض التام:
-أنا كل اللي أقدر أعمله أخليك تكلمها من علي موبايلي و بالله عليك ماتضغطش عليا أكتر من كده خوفاً عليها و عليك. تفهم توسلها هذا، فالنظرة التي رمقه بها سليم بالأمس بجانب ما أخبرته به منذ قليل كافياً بمعرفته من هو الوحش التي تقع معشوقته في عرينه و لكي ينقذها منه عليه بالتأني و التفكير الجيد دون تهور أو ارتكاب حماقة.

قامت بإجراء الاتصال و أشارت إليه بالصمت و انتظرت حتي أتاها صوتها الذي يشوبه النعاس:
-ألو يا ريهام. أجابت و عينيها لا تغفل عن نظرة فارس الذي يود اختطاف الهاتف من يدها:
-أزيك يا حبيبتي عاملة أي دلوقتي؟ أخبرتها بنبرة تحمل في طياتها الكثير من الآسي و الحزن:
-أني بموت يا ريهام. نهضت لتبتعد قليلاً عنه و سألتها بصوت خافت بقلق:
-هو المجنون ده عمل فيكي حاجة إمبارح بعد ما روحتو؟ أجابت بنبرة وشيكة علي البكاء:
-لاء،الموضوع أكبر من إكده.

قطبت ما بين حاجبيها بعدما داهم القلق قلبها،أرتفع صوتها دون قصد :
-ما تحكي يا بنتي كده قلقتيني عليكي أكتر، سليم عمل معاكي حاجـ… لم تستطع إكمال سؤالها حيث أختطف الأخر الهاتف من يدها و بلهفة عاشق ثائر تملأ نبرة صوته عدة مشاعر متضاربة من الخوف و القلق يتخللهما الشوق و اللوعة و قلب ينزف حتي الموت يتفوه بحروف اسمها المحفور بين ضلوعه:
-زينب، كيفك يا جلبي؟

لحظات من السكون و الهدوء التام حتي ظن أنها ربما أنهت المكالمة، أبعد الهاتف عن أذنه و نظر إلي الشاشة فوجد ما زالت المكالمة مستمرة، ألتقط أنفاسه و تحدث بشق الأنفس، يذكر حروف اسمها التي تروي حلقه الذي جف عندما وصل إلي مسامعه صوت أنفاسها:
– زينب،رايد تسمعيني زين و تعرفي إن اللي شوفتيه ده كله مش حجيجي.

عقبت بصوت يبدو عليه الضيق أدرك مدي كم الاختناق الذي تشعر به و كأنها تريد الصراخ و البكاء:
-كيف و أني شايفة يدها في يدك!، كيف و أني شايفة الفرحة مالية عينيها و هي بتجول أعرفكم بچوزي!، كيف لما چت لك فرصة تهُرب بدل ما تيچي لي تروح لواحدة غيري و تستخبي في حضنها!

ألجمت كلماتها لسانه و كأنه فقد الحركة للنطق كما أصابته غصة في حلقه جعلته عندما أستطاع الإجابة أخيراً صوته يكاد يخرج بصعوبة بالغة مع تكون عبراته كالضباب علي رماديتيه:
-قسماً بالله بحب و لا هاحب غيرك أنتِ، أني أتچوزتها كرد چميل مش أكتر، أني بحبك جوي يا زينب، أنا ما بشوفهاش غيرك أنتِ، صوتك في وداني و صورتك بشوفها في كل واحدة عيني بتيچي عليها.

صمت و ولي ظهره إلي ريهام حتي لا تري دموعه التي تساقطت للتو، تلك الدموع التي انسدلت من فرط الشوق و اللوعة التي تحرق صدره و قلبه العاشق، حاول كبت نشيج بكائه ليستطرد حديثه:
-أني معاها بچتتي لكن روحي و جلبي وياكي أنتِ، كل نفس بتنفسه أنتِ السبب فيه، عايش علي حبك اللي بيچري في عروقي، زينب أني كل يوم بموت و لما شوفتك وياه جلبي أندبح و عمال ينزف من وجتها، الموت عندي أهون  من إنك تكوني مع غيري.

و ها هي قد خارت قواها و أصبحت علي حافة الانهيار و قد قذفت بها الريح إلي وادي الشجن فأطلقت عبراتها بغزارة كالذي تم نفيه من أحضان الوطن، أخبرته من بين أنينها:
-و أني مُت خلاص يا فارس، من وجت ما أخوي هددني بحياتك يا إما أهملك، من وجت ما چبرني أتچوز واحد الشيطان چاره ملاك، من وجت ما خدني الشيطان ده بالغصب و كل ما يجرب مني و أني جلبي ينادم عليك و بفوج و أني بندبح في كل مرة، خابر اللي كان بيصبرني أنت، عمرك ما فارجتني لحظة، عمري ما نسيت حضنك ليا لما چيت لك القسم.

أعتصر عينيه بألم فها هي لا تقل عنه ألماً بل حياتها أكثر جحيماً، أطلق لسانه بأمر:
-و أيه اللي چابرك عليه لدلوق أتطلجي منه. صدر من شفتيها ضحكة باكية بل و ساخرة من حالها البائس فأخبرته:
-تمن الكلمة دي دفعته غالي جوي، و بجي استحالة بعد…..
صمتت بعدما كانت علي وشك أن تخبره بأمر حملها. -بعد أي؟، كملي وجفتي ليه؟

مسحت بأناملها دموعها المنهمرة و أستعادت رباطة جأشها و قالت:
-فارس أني لازم أشوفك ضروري، أول ما هظبط أموري هابلغك عن طريج ريهام، و لحد ما أشوفك بالله عليك خلي بالك من حالك و إياك تسوي حاچة و لا تتهور حياتي و حياتك و حياة أهلي كلها في خطر لو حوصل حاچة و سليم شم خبر. رد بغيظ و غضب من بين أسنانه:
-واه، رايدني أتفرچ علي اللي بيحوصل وياكي و أسكت إياك!

– لو ليا خاطر عندك بالله عليك أسمع كلامي، أني خابرة بسوي أي زين، و أطمن عن جريب هخلص منه و أخلص الدنيا من شره.
انتفضت عند سماع طرقات علي باب الغرفة فأردفت بصوت خافت:
-سلام دلوق. أنهت المكالمة علي الفور و ألتفتت و نظرت نحو الباب و قالت:
-أتفضل. ولجت الخادمة إليها بصينية فوقها أقراص مكملات غذائية و كوب ماء:
-أتفضلي يا زينب هانم الفيتامينات. أشارت إليها نحو المنضدة و أمرتها:
– همليهم علي التربيزة عندك.

– تحت أمرك.
فعلت كما أمرتها و كادت تذهب فأوقفتها:
-وجفي عندك. ألتفتت إليها الفتاة فسألتها الأخرى:
-سليم رچع؟ – سليم بيه من الصبح في مكتبه، أي أوامر تانية؟
أشارت إليها أن تذهب:
-لاء، روحي أنتِ. تنفست الصعداء و ما لبثت سوي ثوان فصدح رنين هاتفها، انتفضت بفزع عندما رأت ذلك الاسم الذي جعل قلبها يكاد يقفز من بين ضلوعها من الوجل و الرعب، أجابت:
-نعم؟ أتاها صوته الذي يدب الرعب في فؤادها:
-عايزك، أنا في المكتب تحت.

ازدردت غصتها و قالت بطاعة لا تملك سواها الآن:
-حاضر چاية.
ــــــــــــــــــــ
_ السلام عليكم و رحمة الله، السلام عليكم و رحمة الله.
رددها بكر بخشوع في ختام صلاته فأتبعته قمر بترديدها أيضاً، رفع يديه في وضع الدعاء و ظل يدعو ربه و يحمده حمداً كثيراً. و بعدما أنتهي ألتفت إليها فوجدها تجلس علي عقبيها ساكنة، أقترب منها و وضع يده علي رأسها قائلاً بصوت خافت:
اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ خيرَها وخيرَ ما جبلتَها عليهِ وأعوذُ بِكَ من شرِّها ومن شرِّ ما جبلتَها عليهِ.

و بعد ذلك عانقها و ظل يردد أدعية أخري فوجدها تسكن بين ذراعيه بطمأنينة فسألها:
– چعانة يا قمري؟ ردت بصوتها الناعم و الذي يثير مشاعره و يجعلها كالعاصفة:
– بصراحة لاء و لو چعان هاجوم أچيب لك الواكل، فاطمة جالتلي التلاچة مليانة من خيرات ربنا. أبعد رأسها عن كتفه ليتمكن من النظر إليها وجه لوجه و قال :
– أچوع كيف و كل حاچة حلوة بحبها واجفة جدامي. انسحبت بهدوء و خجل ثم نهضت قائلة بتوتر جلي :
– أني هاروح أحضرلك الواكل، خمس دجايج و راچعة لك.

لم تنتظر رده و اطلقت ساقيها نحو المطبخ، وقفت تلتقط أنفاسها و وقفت أمام الطاولة الرخامية وجدت صينية كبيرة مغطاه، أزاحت الغطاء فوجدت كثير من الأطباق و كذلك الأصناف التي تفضلها من الطعام، تناولت قطعة مثلثة محشوة باللحم المفروم و كادت تأكلها، فوجدت من يمسك برسغها و يضعها بفمه لكن يضع نصفها بفمها و النصف الأخر مازال بالخارج، أشار إليها بأن تشاركه أكلها لكنها أكتفت بالنظر إلي أسفل بخجل، أمسك القطعة بيده و أخبرها:

– علي فكرة أني چعان و ما هاحطش حاچة في خشمي غير و هتشاركيني فيها و لو جعدتي تتكسفي إكده ماواكلش حاچة و خليني انام و أني چعان و ذنبي يبجي في رجبتك، و لا أجولك علي حاچة احسن هاتصل بأمي و اجولها مارتي ماعوزاش توكلني و أنتي خابرة حماتك هاتسوي فيكي أي. كتم ضحكاته و لم يستطع أن يكبتها أكثر من ذلك و هذا بعد أن قالت له بتوسل ما بين الجد و المزاح:
– خلاص خلاص هاواكلك بس بالله عليك بلاش خالتي چليلة.

أطلق قهقه جعلتها استشاطت غيظاً، لكزته في كتفه فجذبها بين ذراعيه و توقف عن الضحك قائلاً:
– أني بضحك وياكي، و رايدك تعرفي حاچة زين، طول ما أني عايش و فيا النفس محدش يجدر يجرب منك واصل و لو بنظرة تأذيكي، أني منك و أنتي مني، فاهمة يا قمري؟ أومأت له و أجابت:
– فاهمة يا سي بكر، يا حبيبي يا چوزي. همس أمام شفتيها:
-چوزك چعان هتواكليه كيف! و أمسك القطعة و وضعها بين شفتيها قائلاً:
– ممكن تخليني آكل كيف ما أني رايد و لا حداكِ مانع؟

هزت رأسها بالنفي و القطعة بفمها و ضربت حُمرة الخجل وجنتيها مما جعلته هيئتها المثيرة تلك لمشاركتها في التهام القطعة التي سرعان ما أبتلعها دون أن يقطع قبلته، أُضرمت نيران العشق بينهما من خلال تلك القبلة التي استمرت لدقائق جعلتها بين يديه  كقطعة الثلج وضعت في وهج الشمس، انهارت كل مخاوفها و ها هي تتشبث به لا تريد أن يتركها بعدما أذاقها من العشق طعمه الحلو. أبتعد حينما وجد كلاهما يحتاج إلي التنفس:
– علي فكرة الچو حر جوي.

و مد يده إلي طرف وشاح الإسدال الذي يغطي رأسها و بمجرد خلعه عنها انسدلت خصلاتها ذات اللون الذهبي الاصطناعي و الذي أضاف إلي جمالها الطبيعي جمالاً مُثيراً جعله يشتهي تذوقها بشدة، مد أنامله لمؤخرة رأسها حيث تخلل خصلاتها بأنامله و في لحظة عاد يقبلها بقوة عن ذي قبل و يتقدم بها إلي خارج المطبخ و هي كالتائهة في ربوع مروجه الساحرة، لمساته و همساته تأسر فؤادها و تسلب الوعي من لُبها.

انت في الصفحة 2 من 8 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى