توقف أمام الفراش و مد يديه بجرأة ليخلع عنها هذا الإسدال فاتسعت عيناه عندما رأي ما ترتديه أسفله، ثوب أبيض حريري مندمج مع لون بشرتها الكريمي، يجسد منحنياتها حيث يمكنه رؤية معالم و قسمات جسدها و خصرها المنحوت مثل الساعة الرملية. فهو الآن يقف أمام أيقونة و آية من الجمال، تحركت تفاحة آدم جراء ابتلاعه للعابه، و حين اقترب منها و أدركت وصولهما إلي ساعة الصفر لبدأ ملحمة قوية، تحمحمت و قالت:
– يا خبر أني نسيت أحط لك الواكل ثوانـ…
قاطعها بقبلة أفاض بها كل ما يشعر به للتو من العشق و الهيام، و عندما شعرت بملمس الفراش الناعم أسفل جسدها الممدد عليه همست إليه بدلال:
– الواكل يا سي بكر. أبتسم و مسح بلسانه علي شفته السفلي و يتأمل ملامحها الصارخة بالجمال فألقي عليها ارتجاله :
– دعِني ارتشف من عسل شفتيكِ
و ألقِ بي في عمق بحور عينيكِ
و أغمريني بالدفء بين نهديكِ. صمت و عندما وجدها إنها علي استعداد أردف:
– رددي ورايا يا قمري، اللَّهُمَّ چنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وچنِّبِ الشَّيْطَانَ ما رَزَقْتَنَا.
رددت الدعاء مباشرة و هنا توقف الحديث و بدأ قرع الطبول مُعلنة عن الحرب التي ستبدأ، أسلحتها قُبلات بمثابة رصاص متطاير و لمسات كتأثير قيظ الشمس الحارقة علي المحاربين في الصحراء فتجعلهم كالوحوش الثائرة في أرض المعركة، و آهات تنتهي برفع راية الاستسلام و بذلك أصبحت ملكاً له قلباً و قالباً و أنارت قمره لياليه المظلمة كالسراج المُنير الذي يتوسط سماء الليل الحالكة.
ـــــــــــــــــــــــ
تُقدم قدم و تُأخر الأخرى قبل أن تولج إلي مكتبه لاسيما بعد سماعها صوته الثائر كالعاصفة الهوجاء، يوبخ أحدهم في الهاتف
-أنت هاتستعبط عليا و لا أي، فاكرني هاصدق الهبل ده كله، اسمعني لأن مش هاكرر كلامي تاني إلا و أنت عارف هاعمل فيك أي كويس.
…..
– تروح أنت و الرجالة تجيبوه من قفاه حتي لو لاقتوه نايم في حضن مراته تاخدوه و تجروه من قفاه علي أي مخزن و تخليه يقول مين اللي وراه و لو ما نطقش تليفون صغير و هتلاقيني عندك تسيب لي أنا المهمة دي، و ياريت ما أسمعش حسك غير لما تقولي كله تم يا باشا غير كده هايبقي مصيرك زيه بالظبط و أنت عارف لما سليم العقبي يحط حد في دماغه ممكن يعمل فيه اي.
كانت تقف تستمع و تراقب ملامحه الغاضبة، تراجعت خوفاً من التحدث أو التعامل معه و هو في تلك الحالة المرعبة، ألتفتت و اتجهت نحو الباب لتغادر، أوقفها بأمر و صوت جعل قدميها تسمرت في مكانها:
– أقفي عندك رايحة فين؟ ابتلعت ريقها بخوف و بتوجس اجابت:
– لاجيتك بتتحدت في التليفون جولت أچي لك في وجت تاني أحسن. ألقي الهاتف علي الأريكة الجلدية و سرعان تحولت ملامحه من الغضب الكاسر إلي ابتسامة مُرعبة زادت من خوفها أكثر:
– أقفلي الباب و تعالي.
فعلت ما أمرها بها و عادت إليه بخطي وئيدة و تشعر بالبرودة تضرب أطرافها من الخوف المسيطر عليها الآن.
أشار لها بإصبعه:
– قربي. اقتربت منه و تركت مسافة قليلة بينهما، كان هدوئه يرعبها حتي قطعه بقوله:
– لما اقولك قربي القرب ما يبقاش كده. و قبل أن تسأله كان قد جذبها من يدها فارتطمت بصدره و هنا الوضع كان أقل ما يقال عنه مُخيف، تشعر بحرارة جسده الناتجة عن حالة الغضب المسيطرة عليه و أنفاسه التي من فرط حرارتها كادت تحرق بشرتها الشاحبة، سألها بترقب و كل كلمة تخترق أذنيها:
-مش هتسأليني أي اللي مخليك عامل كده؟
رفعت كتفيها كدلالة علي عدم المعرفة قائلة:
-أني ما بحبش أتدخل في حاچة ما تخصنيش عاد.
لوي شفتيه جانباً بابتسامة غامضة ثم أخبرها و هي ما زالت بين يديه:
– ده واحد كان من رجالتي و كنت مخليه من المسئولين علي حماية عمليات البيع اللي الدبان الأزرق ما يعرفش عنها حاجة، و المغفل كان فاكرني بثق فيه و فيهم كلهم ثقة عمياء ما يعرفش إن النفس اللي بيتنفسه بيكون عندي علم بيه، تخيلي كان بيشتغل لحساب لواحد من ألد أعدائي، علي أي حال هو اللي قرر مصيره ما يزعلش بقي لما أخليه عبرة لكل واحد يفكر بس في يوم من الأيام يقف ند لسليم العقبي.
ضربات قلبها ارتفعت حتي شعرت إنه كاد يتوقف و ستكون نهايتها لا محالة، هيهات و أنتشلها من هذا الشعور حين أمرها:
– نسيني، نسيني اللي حصل يا بيبي.
فهمت ما يقصده فترددت عن فعل ما ينتظره و هذا بسبب رائحة عطره القوية و يشوبها رائحة السجائر مما أدي إلي ارتفاع الدوبامين لديها و شعورها بالرغبة في القيء أصبح في ذروته، لكن تلك النظرة القاتمة التي يحدقها بها الآن جعلتها تفعل ما يريد، بدأت بتقبيله و لم تمر سوي لحظات، ابتعدت فجأة و ركضت إلي أقرب حاوية مهملات و أفرغت ما بجوفها، جلس بجوارها و اخذ يمسد علي رأسها و أمسك بإحدى يديها:
– أتصلك بالدكتور؟
انتهت و اعتدلت ثم أخبرته:
– مفيش داعي، اللي حوصل ده من أعراض الحمل. فسألها مرة اخري باهتمام بالغ:
-يعني مفيش ضرر علي البيبي؟ رأت في عينيه مدي خوفه المبالغ علي ما بأحشائها، ردت و صوتها يبدو عليه الإعياء و الوهن:
– أطمن ولدك بخير، خايف عليه جوي إكده! أخذ يمسح قطرات العرق من علي وجهها و إذا به يفاجئها بالقول الحاد و التهديد المرعب:
– ما أنا قولتلك قبل كده يا بيبي، حياة إبني اللي في بطنك في كفة، و حياتك أنتي و كل اللي تعرفيهم واحد واحد في كفة تانية، Take care يا بيبي Take care.
يكفيها إرهاباً و حرب الأعصاب التي تدمرها ببطيء شديد فسألته:
– أنت بعت لي ليه، فيه حاچة؟ أستند بجبهته علي خاصتها و قال لها:
– كنت هقولك جهزي نفسك عشان مسافرين بكرة. تذكرت أمر ما تخفيه في مكنونها فأخبرته:
– ممكن تأچل السفر لحد ما أبجي زينة، أديك شوفت اللي بيحوصل معاي. فكر بالأمر ملياً و تذكر نصائح الطبيب من اجل سلامتها و سلامة الجنين و هي الراحة ثم الراحة:
– أوك، نأجله بعد ما تعدي التلات شهور و بعد كده نسافر بالطيارة.
تنفست الصعداء بعدما وافق علي طلبها فوجدت أن الفرصة تلك لا تتكرر، فأخبرته بما تريد:
– كنت رايدة منك طلب لو سمحت يعني. أبتسم و قال:
– أطلبي. ازدردت ريقها و تخشي الرفض:
-أني كنت رايدة أتابع ويا دكتور أو دكتورة أطمن علي صحتي و علي ولدك. رفع إحدى حاجبيه و أخبرها:
-أنا هحجزلك عند إستشاري نسا و ولادة بس استني هاظبط أموري عشان هاجي معاكي. ابتسمت لتخفي توترها و قالت:
– خليك أنت، أني هاخد ريهام صاحبتي أحسن، المشاوير دي بتبجي عايزة حريم.
تصنع التفكير ثم تنهد و قال لها:
– أوك موافق، بس علي شرط السكيورتي هيبقو معاكم. نظرت إليه و تومأ له بنعم فبادلها بنظرة لم تستشف منها ما بداخله أو ما يدور برأسه و هذا أكثر ما يربكها و يجعلها تتراجع عن قرارها الذي ستقدم عليه.
ـــــــــــــــــــ – يا الهي.
كان صراخ و ليست كلمة من صوفيا عندما وجدت ثوبها الأسود مليء بالبقع البيضاء الناتجة عن وضعه في ماء مخلوط بالكلور، في هذا التوقيت كان قد دلف من باب المنزل و عندما سمع صوتها خشي أن سمية فعلت بها شيئاً رغم كل توصياته قبل أن يغادر.
أسرع إليها فوجدها تقف و تمسك بالثوب و تبكي:
– ماذا حدث صوفيا؟ رفعت الثوب أمام عينيه لتريه:
-ثوب والدتي الذي أحبه، زوجتك قد أفسدته عن قصد. تذكر بالأمس عندما وجد سمية تقف أمام المغسلة بعدما وضعت صوفيا ثوبها الأسود ذو الحمالات الرفيعة و التي كانت ترتديه و الأخرى تستشيط من الغيظ بسبب محاولاتها البائسة في إغراء زوجها بأي طريقة و لا تكترث إليها.
ترك صوفيا و ذهب إلي الغرفة الأخرى وجدها تخرج من المرحاض يبدو إنها انتهت من الاستحمام للتو، وجدته يقف امامها و الشرر يتطاير من عينيه و بسرعة بديهة أدركت سبب غضبه، جلست أمام طاولة الزينة و أمسكت بعلبة كريم و قامت بفتحها و سألته:
– حمدالله علي السلامة يا صلحوتي، مالك واجف حداك ليه إكده.
شعرت باقترابه منها و أنفاسه المرتفعة، رفعت ساقها و أنحسر عنها مأزر المرحاض القطني فأصبحت إلي أعلي الفخذ عارية، تناولت القليل من الكريم و بدأت بدهن ساقها و كأنها تمسدها بإغواء و من طرف عينيها تراقب ملامحه التي سرعان تبدلت إلي أخري، فابتسمت و سألته مرة أخري:
– ما بنطتجش ليه يا حبيبي؟ أستند بجسده علي حافة الطاولة و أجاب عليها بسؤال:
– اي اللي عملتيه ده في فستان صوفيا.
رفعت وجهها فوجدته يرمقها بغضب، تصنعت البراءة و تناولت القليل من الدهان مرة أخري و أزاحت المأزر عن كتفيها ليظهر إليه الجزء العلوي من مفاتنها، قامت بدهان و تمسيد عنقها و جيدها و كتفيها:
– سويت فيها أي، ما حداك چوه في الأوضة التانية كيف القردة و لا چيت چمبها واصل. رفع إحدى حاجبيه:
– يعني ما بوظتيش فستانها الأسود و دلقتي عليه كلور أبيض في الغسالة إمبارح!
تركت ما بيدها و نهضت بهيئتها المثيرة تلك و اقتربت منه قائلة بنفي:
– أني تعرف عني إكده!، إن شاء الله تعدمها و يدوسها قطر محمل طوب و زلط و يوجعو عليها ما سويت حاچة من اللي جولت عليها. – ياسلام!
أمسكت برباطة عنقه و أجابت:
– و حياة خالي عبد السلام.
صاح بغضب:
– سمية، أنا ما بهزرش. ردت بعدما التصقت به و حاوطت عنقه:
– و أني بهزر.
أطلقت ضحكة مغناج بددت غضبه فأردفت:
-واه بجي يا صلوحتي، أنت خلاص من وجت ما چت الحرباية دي و أنت مش معبرني و لا تسأل فيا كيف الأول، عمتاً علي كيفك بجي الإهتمام ما بيطلبش عاد. و قد نسي ما حدث و أستسلم لها قائلاً:
-الشغل كتير، و القضايا المهمة اللي ماسكها محتاجة تركيز فبضطر أقعد في المكتب أراجعها لأن لو رجعتها هنا مش هاعرف أركز. – هات شغلك و أني هساعدك، چربني بس و مش هاتندم واصل.
أقترب من شفتيها و قال:
-أنا ندمان علي الوقت اللي راح مني و أنتي مش معايا.
و كاد يقبلها، فُتح الباب فجاءة و ظهرت صوفيا و تمسك بمقبض حقيبة السفر خاصتها،رفعت سمية مأزرها علي كتفيها و اعتدلت:
– يبدو إنها كذبت عليك كالعادة، حسناً صلاح سأترك لك هذا المنزل و سأرحل لكن سوف أترك لك أبنتك، تحمل مسئوليتها يكفيني أضعت سنوات عمري علي تربيتها و أنت هنا تعيش حياتك كيفما تشاء، و لن اقول لك وداعاً. غادرت المنزل و لم تنتظره أن يقول لها كلمة،فسألته زوجته:
– جول إنها هتسافر إياك!
ضحك رغماً عنه و قال:
-فعلاً هي مسافرة و سابت البنت. و بمجرد ذكر إبنته أسرع من الذهاب إليها فوجدها تجلس في زواية بالغرفة و تبكي، عانقها و ربت عليها بحنان:
– أهدئي صغيرتي فأنا بجوارك، لا تخافي. نظرت إليه ببكاء و قالت:
– أريد أمي و هي أخبرتني إنها لا تريدني أن أعيش معها و أنت ستفعل بي مثلما فعلت و تلقي بي في دار للأيتام. عانقها بقوة و أجاب:
– لا يا قلب والدك، لن أفعل هذا أبداً، أنتِ ملاكي الصغير و أنا والدك الذي يحبك كثيراً، لا تخافي يا روحي.
عانقته و تشبثت به:
– أحبك كثيراً بابا. عانقها و الحزن داهم قلبه:
– و أنا كثيراً يا حياة أبيكِ.
بينما سمية تقف بالقرب منهما تراقبهما و لم تستطع منع نفسها من البكاء علي حال طفلته المسكينة و التي علمت منذ البداية أن والدتها أتت بها إلي عنها لتتخلي عنها لأبيها و التفرغ إلي حياتها!
ــــــــــــــــــــــ
تجلس بداخل الشرفة لتتمكن من البكاء دون أن يراها أحد، فهو منذ أن أرسلها إلي عائلتها لم يتصل بها و كان يكتفي بالاتصال علي والدها ليطمئن علي صغيرته فقط، مئات الأسئلة تدور في فلك ذهنها و تشعر بالعجز من فرط التفكير بالأمر لما هو قاسياً إلي هذه الدرجة!
نظرت إلي هاتفها لتجري الاتصال رقم الخمسمائة تجد الرقم مشغولاً، يبدو وضع رقمها علي قائمة الحظر حتي لا يضعف فؤاده و يرغمه علي سماع صوتها الذي أشتاق إليه، لكن عقله هو المسيطر الآن في إدارة كل ما يحدث الآن.
ضغطت علي علامة الاتصال و كالعادة أعطاها مشغولاً، ألقت هاتفها بعنف و أطلقت عبراتها، فهي في وضع لا يرثي له تشعر بالضياع و خسارة كل شيء، كل يوم تشاهد صوراً لعلي و مروة تُرسل إليها عبر إحدى زميلاتها التي كانت تعمل معها في الشركة و كلما رأت تلك الصور تشعر بالحسرة و الحقد نحوهما و تتذكر ما وصلت إليه مع أكرم الذي لم تنس نظرته القاسية الخالية من أي مشاعر في آخر لقاء بينهما، نظرة أخبرتها بأنها ستكون وحيدة بعدما خسرت الكثير و الكثير.
ـــــــــــــــــــــــــ
و في مكان آخر يجلس بداخل سيارة عليها شعار لاحدي شركات المكيفات الشهيرة و يرتدي زي عمال التركيبات و الصيانة.
كان حاله لا يقل عنها لكنه هو الجريح و ليس الجارح، تتردد في ذاكرته كلماتها التي كانت في المحادثة و كأنه يسمعها بصوتها في أذنه، قلبه ينزف بغزارة من الجرح العميق التي تركته تلك الكلمات، فما أصعب شعور الخيانة لدي رجل قلبه قد عشق بإخلاص و تفاني و تأتي له الطعنة من التي هواها أحتل قلبه و وجدانه و إذا به في لحظة أضحي هذا الحب مجرد خدعة من ماكرة استطاعت اللعب بقلبين رجلين دون أن تكترث لما تتركه من جراح لم تندمل لكليهما.
-أكرم باشا نتحرك دلوقت و لا نعمل أي؟
كان سؤال مساعده، فكان رده بعدما عاد من حالة الشرود و أنتبه إلي مهمته التي يفعلها دون علم رئيسه بالعمل! أجاب بأمر حاسم:
– أنزل و خلي الرجاله ما ينسوش التكيف و خدو بالكم من العربية السوده اللي واقفه هناك دي، الظاهر العقبي ما بيضيعش وقت خالص. أطلق زفرة و أردف:
– هانت.
هبط و معه رجاله اللذين يرتدون مثله و من يراهم يحسبون أنهم رجال صيانة المكيف و ذلك ما كان يظنه هذا الرجل المنتظر بداخل السيارة السوداء و يتحدث في الهاتف:
– باشا، فيه عربية من شركة التكيفات نزل منها عمال و طالعين العمارة. أتاه صوت الأخر و يقف خلف الحائط الزجاجي بداخل الشركة خاصته:
– تمام، اطلعوا شوفو داخلين أنهي شقة و خليكم مراقبين حركة دخولها و خروجها هي و جوزها و لو حصلت أي حاجة غريبة بلغني فوراً.
– أمرك يا باشا كله تحت السيطرة.
و بالأعلى كانت ترتدي وشاحها بعدما أبدلت ثيابها استعدادا للخروج و تتحدث مع زينب:
– أموت و أعرف عايزة تقابليه ليه و إزاي و إحنا بيبقي معانا في كل حتة حرس جوزك! ردت الأخرى و ترتدي حذائها:
– مش أنتي بتجولي هو بيشتغل في محل حماه، إحنا نروحلو هناك كأننا هانشترو حاچات و لو خايفة و جلجانة خلاص أعطيني العنوان و أني هاروح لحالي.
تنهدت بضجر و قالت:
– بطلي شغل القمص بتاع العيال ده،و أنا بكلمك أصلاً لبست و أحمد دلوقتي نازل بس هو رايح علي الشغل،أنتي أول بس ما توصلي لوسط البلد كلميني و أنا هانزل علي طول،عشر دقايق و هاكون عندك. سألها زوجها بصوت جهوري لكي تسمعه من داخل الغرفة:
– عايزة حاجة يا حبيبتي أنا نازل. – ثواني يا زوزو خليكي معايا، أحمد خد معاك كيس الزبالة و أنت نازل الراجل مجاش النهاردة ياخدها. تمتم الأخر بـ تذمر:
– الراجل مجاش يبقي أحمد يدبس فيها و ينزل يرميها، الله يسامحك بوظتي برستيچي و هيبتي قدام الجيران.
وصل صوته إليها، ضحكت فقالت له:
– و ماتنساش و أنت راجع تجيب معاك توست و لبن. صاح بنفاذ صبر و بمزاح:
– الصبر من عندك يارب. قالت لها زينب بعدما استمعت إليهما:
-لساتكم تتشاكلو كيف ناقر و نقير، مالكمش حل واصل. و ضحكت رغماً، ردت الأخري:
– ده بقي اسلوب حياة، يلا أسيبك بقي تكملي لبسك، خدي بالك من نفسك و من اللي في بطنك.
وضعت يدها علي بطنها و قالت:
– خابرة، أني خايفة أچيبه للدنيا و أظلمه و يلومني إن أبوه راچل مچرم نفسي أتخلص منه النهاردة جبل بكرة، أوجات بتيچي عليا و ببجي رايدة أجهضه و لولا أنه حرام كنت سويت إكده. – حرام عليكي و أستغفري الله ماتعلميش ربنا كتب لك الخير فين، يلا قومي و بطلي الأفكار السودة دي و لما نخلص مشوارنا و لقاء قيس و ليلي اللي ربنا يستر و يعدي علي خير، هاخدك و اعزمك علي كريب شاورما فراخ اللي بتعشقيه.
شبه ابتسامة ارتسمت علي شفتيها:
– ماشي، يلا سلام. – سلام.
أنهت الأخرى المكالمة و انتهت أيضاً من ارتداء الحذاء، وقفت و إذا بدوار يداهمها فأصبحت الرؤية لديها مشوشة، أسرعت للجلوس مرة أخري و تمددت علي ظهرها لعل يتبدد هذا الشعور، نظرت في السقف و تذكرت أمر إنها سوف يمكنها رؤيته و التحدث إليه وجهاً لوجه مما أعطاها حافز و قوة بأن لا تستسلم للأعياء و حالة الدوار التي تصيبها بسبب حملها.
و بالعودة إلي منزل ريهام و أحمد الذي فتح الباب ليغادر لكنه وجد أمامه رجل غريب و خلفه مجموعة رجال يحملون مكيف، أشار له أكرم بأصبعه أمام شفتيها بأن يصمت، أخرج له البطاقة الخاصة بعمله. – معاك يا فندم مندوب و عمال الصيانة من شركة كاريير، حضرتك أتصلت بخدمة العملاء إمبارح و إحنا جينا عشان نركب لحضرتك التكييف.
ــــــــــــــــــــــ
و لدي زينب التي أصرت علي الذهاب رغماً من الوهن الذي تشعر به، نهضت بتثاقل و أخذت حقيبة يدها، تترنح و تقف قليلاً ريثما تشعر بتحسن ثم تكمل خطواتها.
وصلت إلي الدرج و وقفت لدي أول درجة بالأعلى، فأوقفتها الخادمة بعدما رأت حالتها تلك:
– زينب هانم شكلك تعبان جداً ما ينفعش تنزلي و أنتي في الحالة دي. أزاحتها الأخرى من طريقها:
– بعدي عن وشي، فاكرة حالك مين لأچل تؤمريني! ، و لا يكون الباشا بتاعك أمرك تسوي إكده! أومأت لها الخادمة و قالت بنبرة اعتذار:
– أبداً و الله يا هانم، أنا خايفة علي حضرتك. شعرت بالندم من كلماتها القاسية مع الخادمة التي ظهر من صوتها و نظراتها القلق و الخوف عليها:
– حجك علي ما تزعليش مني، أني كنـ….
لم تكمل جملتها و خارت قواها و دون سابق إنذار وقعت علي الدرج و تدحرج جسدها تحت صراخ الخادمة و الذي ركض إليه و تجمع كل العاملين و العاملات ليروا زوجة ربيبهم ممددة علي الأرض دون أي حراك ! 🌷يتبع🌷 #الفصل_الثالث_والأربعون
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي و بالعودة إلي منزل ريهام و أحمد الذي فتح الباب ليغادر لكنه وجد أمامه رجل غريب و خلفه مجموعة رجال يحملون مكيف، أشار له أكرم بأصبعه أمام شفتيه بأن يصمت، أخرج له البطاقة الخاصة بعمله.
– معاك يا فندم مندوب و عمال الصيانة من شركة كاريير، حضرتك أتصلت بخدمة العملاء إمبارح و إحنا جينا عشان نركب التكييف.
و بعدما تمعن الأخر في البيانات المدونة في البطاقة و علم أنهم رجال شرطة فأدرك أن هناك أمر خطير، أشار إليهم بالدخول و بمجرد أن دلفوا أعطاهم أكرم إشارة للتحرك و كل رجل منهم جهاز صغير بحجم كف اليد يشبه الأجهزة اللاسلكية التي يتواصل بها رجال الأمن ببعضهم البعض لكن تلك تختلف قليلاً في الحجم و الوظيفة، حيث تعمل علي كشف أجهزة التتبع و التصنت و جهاز أخر أيضاً صغير يكشف لهم أي كاميرات مراقبة.
أنتشر كل منهم في أرجاء المنزل، خرجت ريهام من الغرفة و تفاجئت بما يحدث فسألت:
– هو بيحصل أي؟ و قبل أن ينطق أكرم تجمع رجاله و أخبروه:
– مفيش أي حاجة يا فندم، أمان. أشار لهم بأمر:
– تمام، أطلعو أستنوني بره. رحلوا كما أمرهم فأخبر ريهام:
– أنا الرائد أكرم عمران من مباحث المخدرات. نظرت إلي زوجها الذي لا يقل عن حالتها فأردف أكرم:
– ما تقلقوش أنا جاي بس في مهمة محددة و محتاج أستاذه ريهام تساعدني.
سألته بعدم فهم:
– أساعد حضرتك في أي بالظبط؟ ، أنا مش فاهمة حاجة. أجاب عليها بهدوء و سلاسة:
– أولاً اللي عملوه الرجالة أول ما دخلو ده بنطمن إن سليم العقبي ما يكونش زرع لكم كاميرات أو أجهزة تصنت في البيت و الحمدلله لاقينا مفيش حاجة، ما تستغربوش اللي بقوله لأنه حقيقة أي حد يقرب ناحية سليم العقبي بيتحط تحت المراقبة، بالنسبة بقي لطلبي ليكي عايزك تكوني مرسال أو همزة وصل ما بيني و بين مدام زينب العقبي.
تذكرت ريهام أمر قرص التخزين لكنها لا تريد الإفصاح عنه أو التصرف به، و هذا الأمر لا يمر علي أكرم بسهولة ففطنته و ذكائه و حسه الأمني كضابط شرطة، شعر أن هناك شيء تخبأه الأخري فقال لها:
– أرجوكِ يا مدام ريهام، لو عارفة أي حاجة ياريت تقولي لي، صاحبتك في خطر و أنا واثق و متأكد إنها أتجوزته غصب عنها، لأن عارفها كويس و عارف فارس القناوي لأنه صاحبي.
أتسعت عيناها فأستطرد:
– أنا عارف إنكم قابلتم فارس و أنتي روحتي له المحل اللي بيشتغل فيه، بس عايزك تطمني هدفي الكبير هو سليم اللي واثق و متأكد إنه سبب دخول فارس السجن و إتهامه في قضية مخدرات مش بعيد يكون إبن عمه رافع متفق مع سليم العقبي و ده لأسباب كتير كنت عارفها قبل كده من فارس، الوقت مش في صالحنا و لازم نكون مسابقين سليم بخطوة أنتم ما تعرفوش بتتعاملو مع مين، ده بإشارة منه و هو علي مكتبه يعمل أي حاجة لا تخطر علي بالكم.
اندفع أحمد قائلاً:
– إحنا عارفين اللي حضرتك بتقوله و متأكدين منه بس مش هانقدر نعمل أي حاجة غير لما زينب تقول لريهام تتصرف في الفلا.. قاطعته زوجته بنظرة تحذيرية ثم وجهت حديثها إلي أكرم :
– ما تقلقش يا سيادة الرائد لو في أي حاجة هابلغ حضرتك. و من حديثها المختصر و نظرات عيناها التي أخبرته إنها لا تريد التعاون معه حتي يصدر لها الأمر من صديقتها، قاطع نظرته الثاقبة لها رنين هاتفه و حين رأي الرقم أجاب علي الفور:
– في حاجة حصلت؟
رد علي الجانب الأخر:
– لسه في عربية إسعاف دخلت و رجالته كانو عاملين رايحين جايين و في دقايق العربية طلعت و راحت علي المستشفي و لما روحت وراهم عرفت إن العربية جت عشان ياخدو مرات سليم. صاح أكرم بأمر حازم:
– طيب خليك عندك و ما تتحركش غير لما تعرف أي اللي حصل و دخلت المستشفي ليه. – تمام يا باشا، بس خد بالك الحراس كلهم مترشقين بره و جوه المستشفي. – أسمع اللي قولت لك عليه و لو في أي جديد بلغني فوراً.
أنهي المكالمة و عاد إلي ريهام الذي يخبرها حدسها أن هناك كارثة وقعت و هذا ما تأكدت منه عندما أخبرهما أكرم:
– شوفتي يا مدام ريهام قولت لك الوقت مش في صالحنا، لسه عارف دلوقت إن فيه عربية إسعاف جت خدت مدام زينب علي المستشفي. صاحت بفزع و خوف:
– زينب!، أكيد حصل حاجة و مش بعيد يكون جوزها هو اللي عمل فيها كده، انا لازم أروح لها.
– أهدي بس عشان نفكر عايزين الأول طبعاً نطمن عليها و ده اللي تابعي زمانهم بيعملوه بس كبعاً ما يقدروش يدخلو لها، بالنسبة بقي كل اللي طلبه منك تتصلي عليها أو تروحي لها علي الفيلا الأول و تتفاجئي هناك من الأمن لما يبلغوكي و تقومي رايحة علي المستشفي اللي هاقولك عنوانها دلوقت و اطمني عليها و بلغيني فوراً، و ياريت ياريت لو عارفه أو مخبيه حاجة تقوليها كله في صالح صحبتك و فارس.
أخرج من جيبه محفظة جلدية و ألتقط منها بطاقة ليعطيها لها:
– ده كارت فيه كل أرقامي و ياريت ما تتأخريش كل دقيقة بتمر يا تبقي لينا أو علينا! ـــــــــــــــــــــــ ينتظر أمام غرفة العمليات و بالقرب منه يقف مجموعة من حراسه و يقف معه صديقه الذي يقول له:
– تعالي أقعد ده لسه قدامهم كتير زي ما سمعت من الممرضة. رمقه الأخر بنظرة جعلته يكف عن التحايل عليه و أثر الصمت، بينما هو كان يقترب علي حافة الجنون يريد أن يعلم أخر التطورات بداخل تلك الغرفة و ماذا حدث لزوجته و ابنه!
و بعد مرور وقت خرج الطبيب إليهم فسأله:
– مراتي و ابني عاملين أي؟ أجاب الطبيب بهدوء:
– مدام زينب للأسف حصلها إصابات زي كدمات و شرخ كبير في رجلها اليمين و رضوض في القفص الصدري محتاجة من شهرين لتلاتة علي الأقل خالص راحة تامة و عشان كمان الجبس. أعاد الأخر سؤاله بقلق و لهفة و كأن حياته تتوقف علي تلك الإجابة:
– و ابني يا دكتور؟ نظر إليه بحزن قائلاً:
– للأسف عقبال ما نقلوها علي المستشفي كان الجنين نزل، ربنا يعوضكم بإذن الله، عن أذنك.
ذهب الطبيب فأقترب صلاح الذي أستمع إلي ذلك، أخذ يربت علي كتف صديقه:
– ما تزعلش إن شاء الله ربنا يرزقكم بالأحسن المهم أطمنا علي مدام زينب و هنا المستشفي علي اعلي مستوي رعايه ما تقلقش هايهتمو بيها كويس لحد ما تقوم بالسلامة و تقف علي رجليها. لم يعقب علي حديثه سوي بإبتسامة لم تصل إلي عينيه.
و بالأسفل في ساحة الإستقبال تصيح في وجوه هؤلاء الحراس الذين يقفون كالسد المنيع:
– أي قلة الزوق دي، بقولكم أنا صاحبتها روحو بلغو البيه بتاعكم و قولو له مدام ريهام عايزة تطلع تشوف صاحبتها.
أخبرها الحارس بهدوء قاتل و إستفزازي:
– و أنا بقول لحضرتك ممنوع أي حد يطلع فوق دي أوامر سليم باشا. فقال لها زوجها:
– تعالي بس اقعدي و انا هاتصل عليه. ردت بنفاذ صبر:
– يا أحمد ده اللي أنا بعمله من الصبح، عماله اتصل عليه ميت مرة و الباشا ما بيردش و ده بيأكد لي أنه مليون في الميه هو اللي عمل فيها كده. أنتبهت إلي إتصال وراد علي هاتفها فوجدته فارس، ضغطت رفض المكالمة، تعلم لما يتصل و إذا اجابت و سألها عن حال صديقتها بماذا ستخبره!
اطلقت زفرة عميقة بعدما شعرت بالإختناق و كأنها مقيدة لا تستطيع التحرك، لم تجد سوي هذا الحل الأمثل لما يحدث لعلها تنقذ صديقتها من براثن و شراك زوجها المجرم.
– أنا لازم أتحرك بسرعة. قالتها و اسرعت خطواتها إلي خارج المشفي، ركض خلفها أحمد الذي يتحمل تصرفاتها المفاجئة و لا يريد توبخيها حتي تهدأ و تنتهي الأمور علي خير:
– تعالي هنا و فهميني ناوية علي أي، أوعي تتهوري مش ناقصين مصايب كفاية اللي حصل لصاحبتك.
– أطمن يا أحمد أنا مش متهورة عشان اعمل حاجة تأذي حد فينا، بس هاعمل اللي المفروض كنت أعمله لما الرائد أكرم سألني، هو الوحيد اللي هايقدر ينقذ زينب و فارس و ينقذنا لو طالنا الخطر! ـــــــــــــــــــــــ
ترتدي حذائها ذو الكعب المرتفع و نهضت لتلقي نظرة علي مظهرها فأتاها صفير كدلالة علي الإعجاب، نظرت خلفها وجدته يقف يحدق بها قائلاً:
– أنا أول مرة أشوف بدر طالع الصبح.