و بعد مرور وقت…
كانت تتمدد علي ظهرها و تدثر كامل جسدها بالغطاء، تنظر إلي السقف في سكون، أقترب منها ليُقبلها علي أنحاء وجهها و كأنه لم يصدق إنها أصبحت زوجته شرعاً و قانوناً.
و من بين القبلات، عبست و رمقته بإمتعاض لكزته بحنق:
– بعد عني أنت خاين.
كاد ينفجر من الضحك علي هيئتها الطفولية، فأخبرها حتي لا يثير غضبها:
– هتصدقيني لو قولت لك دي كانت حالة إنسانية و أنا داخل الفندق لاقيت واحدة بتصرخ و بتستغيث عشان بنتها مُغمي عليها، عرفتها إن أنا دكتور أضطريت أشيل البنت لأوضتها عشان أقدر أفحصها، كانت داخلة في غيبوبة سكر و الحمدلله فاقت و علقت لها محاليل، كتبت لها علي شوية أدوية و بعدها طلعت علي هنا. هزت رأسها كمحاولة بأن تقتنع بحديثه:
– ماشي، ربنا يكتر من خيرك يا دكتور و يخليك للشقره و البيضا و السمرا.
رفع إحدي حاجبيه و كاد يتحدث فقاطعه رنين هاتفها:
– دي مكالمة علي الماسنجر، شكله بكر أخوي و قمر، رايدين يطمنوا علينا.
※ـــــــــــــــــــــ※ تقف داخل المطبخ و تقوم بصب الشاي في الكوب ثم حركت المعلقة لتقليب و ذوبان السكر، تناولت صينية صغيرة وضعت فوقها كوب الشاي و ذهبت إلي غرفة المعيشة، و قبل أن تولج إلي الداخل سمعت صوته علي ما يبدو يرسل رسالة صوتية – أتوحشتك جوي جوي يا حبيبتي، لما تكوني فاضية أبقي أتصلي عليا، رايد أطمن عليكِ.
و ضغط علي علامة إرسال، و إذا به ينتفض عندما صاحت بغضب:
-و دي مين اللي أتوحشتك يا حضرة الشيخ يا محترم يا للي حافظ كتاب الله و خابر الحلال و الحرام! ألتفت إليها قائلاً:
– أباه، عتشكِ فيا يا قمر! تركت الصينية أعلي المنضدة و عقدت ساعديها أمام صدرها:
– ده يقين مش شك يا جلب قمر، و أنا تو سمعاك بتبعت رسالة بصوتك لحبيبة الجلب اللي بتخوني معاها. رفع هاتفه و أشار إليها نحو إسم المرسل إليه:
– أقرأي الإسم زين.
أقتربت لتقرأ فوجدت الإسم (فاطمة)، ضربت حمرة الحرج خديها فنظرت لأسفل و تمتمت بصوت منخفض:
– حقك عليا. ترك الهاتف علي المنضدة و أقترب منها قائلاً:
– عيبك يا قمر متسرعة، و بعدين المفروض تكوني خابراني زين، مش أني اللي يتجاله أنت خاين!
رفعت يديها لتحاوط عنقه و أخبرته بصوتها العذب و بدلال:
– أعذرني يا حبيبي، بحبك جوي و بغير عليك،أصلك أنت ما خابرش الوليه اللي ساكنة في الشقة اللي جدامنا في الطالعة و النازله ليك تسوي حالها بتخرج چردل الزبالة و تفضل تبص عليك، و بيني و بينك أني عمري ما أرتحت لها خصوصاً لما عرفت إنها مطلقة و….
أشار لها بالصمت بوضع سبابته علي شفتيها و أخبرها بعتاب:
– عيب يا قمر، مش من أخلاقنا و لا ديننا نظن السوء و كمان قذف محصنات، و لنفرض ما أنتِ خابرة إن بغُض بصري من أول ما بخرچ من باب الشقة و ربنا شاهد عليا، و لا أنتِ حداكِ شك في إكده! هزت رأسها بالنفي و قالت:
– لاء طبعاً، كل الحكاية إني بغير عليك جوي حتي إسأل ولدك و هو هيجولك. عقد حاجبيه يحاول إدراك ما تفوهت به للتو:
– إنتِ….
وضعت يدها علي بطنها و أخبرته:
– أيوه حبلي. تقفز السعادة من عينيه، جذبها إلي صدره و عانقها ثم أخذ يردد دعاء الحمد و الشكر:
– الحمد و الشكر ليك يارب، الحمدلله حمداً كثيراً. رفعت وجهها و وضعت كفها علي خده:
– بتمني من ربنا لو چه ولد يبجي نسخة منك في كل حاچة الشكل و الطبع و الأخلاق. – ولد، بنت، المهم تجومي بالسلامة و المولود يچي سليم مُعافي يارب، و إن كان علي النوع كل اللي يچيبه ربنا زين، كفاية إنه هيبجي حتة من القمر.
و قام بتقبيل وجنتها، بينما هي فعلت المثل ثم عانقته قائلة:
– أني بحبك جوي يا بكر، ربنا يخليك ليا و ما يحرمني منك أبداً. أمسك هاتفه و أخبرها:
– جومي ألبسي نقابك عقبال ما أتصل بفاطمة و يحيي. نهضت و سارت تتغنج بخصرها، قائلة بدلال:
– أمرك يا سي بكر. أطلق تنهيدة حارة و قال:
– أنتِ قد اللي عتسويه ده؟
و غمز لها بإحدي عينيه، و قبل أن تولج إلي غرفة النوم، جذبت مشبك الشعر فأنسدلت خصلاتها الشقراء ثم ألتفتت إليه لتجيب بصوتها الناعم الذي يخترق القلب قبل الأذن :
– ما أنت خابر أني قدها جوي، جوي يا شيخ بكر. عض بأسنانه علي شفته السفلي و قال بتوعد:
– أنتِ اللي چبتيه لحالك يا روح جلب الشيخ بكر.
و بعد أن لمس علامة الإتصال سرعان ما قام بالضغط علي الرفض و ترك الهاتف علي الأريكة و هم بالذهاب إليها، فسألته:
– جفلت ليه؟
أقترب منها و حاوطها من خصرها ثم دفعها برفق داخل الغرفة قائلاً:
– رايد أطمن علي ولدي، حداكِ مانع إياك! كان جوابها أطلقت ضحكة سلبت لبه و فؤاده
، عقب بنبرة تنبأ علي ما هو مُقبل عليه:
– اللهم چنبنا الشيطان و چنب الشيطان ما رزقتنا.
أغلق الباب بقدمه لينفرد بقمره التي ظفر بها بعدما مرت عليهم العديد من الظروف العصيبة، لكن كليهما تحمل و تحلي بالصبر حتي جمعهما الرحمن معاً لتكون هي مسكنه و هو سكنها.
※ــــــــــــــــــــــــ※
أنتهي الطبيب من فحص زينب التي منذ أن جاءت إلي المشفي و هي في حالة سكون كالجماد، تنظر إلي السقف و عبراتها تنسدل من حين لآخر من ذهبتيها ذات الجفون المنتفخة و شديدة الإحمرار من فرط البكاء و ما تعرضت إليه من عذاب نفسي و جسدي علي يد هذا الطاغية.
تجلس بجوارها سُمية التي بمجرد أن علمت ما حدث من زوجها أرتدت ثيابها دون تردد و ذهبت إلي المشفي، و ها هي تمسك بيدها و تمسح علي جبينها، سألت الطبيب:
– كيفها دلوق يا دكتور؟ كان يدون بعض الكلمات في التقرير مُجيباً عن سؤال سمية:
– ما أكذبش عليكِ، الواضح جداً إنها أتعرضت لصدمة شديدة و ده باين من آثار العنف علي جسمها، و تهتك في أنسجة المهبل نتيجة إعتداء جنسي عنيف.
شهقت الأخري و وضعت كفها علي فمها، فعقبت بصوت خافت:
– يخربيتك يا سليم الكلب، اللهي ما تجوم من رقدتك و يچي اللي يشيل و يحط عليك و يخلصنا منك. أنتهي الطبيب من ما كان يكتبه و قال:
– هي دلوقتي محتاجة لراحة و بعد ساعتين هابعت الممرضة تديها حقنة مسكن، و تقيس الحرارة. فأخبرته الأخري:
– أني هاعطيها لها بنفسي يا دكتور و هاتابع حرارتها، أني كنت بشتغل ممرضة في مستشفي قنا العام. أومأ لها بالموافقة:
– تمام، خلاص خليكِ جمبها و لو فيه أي حاجة أضغطِ علي الزرار اللي وراكي، عن إذنك.
– أتفضل يا دكتور.
أطلقت زفرة ثم ألتفتت إلي صديقتها و قالت:
– كان مستخبي لك كل ده فين يا جلب خايتك، منه لله أخوكي رماكي لواحد ما يعرفش ربنا، اللهي يا سليم يا ولد أم سليم تتحدف في چهنم و تتحط أنت و أبو لهب في سيخ واحد قادر يا كريم. صدح رنين هاتفها من داخل حقيبتها، جذبت السحاب و أمسكت بالهاتف فرأت المتصل زوجها، رمقت إسمه بإمتعاض و لم تجب علي الإتصال بل قامت بتفعيل الوضع الصامت ثم ألقت الهاتف داخل الحقيبة.
أنتبهت إلي زينب التي كانت تحاول أن تنهض و تردد بصوت خافت:
– فارس، يا فارس. أمسكت صديقتها بيدها:
– جايمة رايحة فين! كانت الأخري تنظر بشكل عشوائي كالتي فقدت عقلها:
– أني رايده أشوف فارس، سليم جتله إياك!، سوي فيه حاچة؟ ربتت سمية علي ظهرها و أخبرتها:
– أجعدي بس، و أطمني أني قبل ما أچي لك عديت عليه في الأوضة اللي چارك، هو بخير بس الدكتور قال إنه لازم يرتاح و تحت المتابعة.
و كأنها لم تستمع إلي كلمات صديقتها، أنتابتها حالة هياج هيستري و أخذت تصرخ:
– همليني، رايده أطمن عليه لحالي، سليم سوي فيه إيه. سمية في محاولة منعها من النهوض:
– و الله العظيم فارس زين، أهدي و أرتاحي و لما يصحي هاخدك و نروح له نطمنوا عليه.
– يا فارس، فارس.
رددت النداء بصياح، مما جعل سمية تضغط علي الزر فجاء الطبيب بنفسه و معه الممرضة التي تمسك بحقنة المسكن، فساعدتها الأخري بإمساك ذراع زينب لكي تتمكن الأولي من غرز الإبرة به.
ما زالت تردد إسمه في حالة يرثي لها، لم تبالي إلي حالتها و الوهن المتمكن من جسدها، أهم ما لديها أن تطمئن علي من تعشقه إلي حد الثمالة. – فا ر س، يا فا….
إنسدل جفنيها و دلفت في سُبات حيث سكن جسدها تماماً و ما يتحرك بها سوي تلك العبرات التي تنزلق من جانبي عينيها.
※ــــــــــــــــــــــــــــ※
داخل غرفة يسودها الظلام الدامس، تجلس في زواية علي الأرض تضم ركبتيها إلي صدرها و تتلفت يميناً و يساراً بخوف، يرتجف جسدها و يردد لسانها بنفي و إنكار لما أقترفته قبل مجيئها إلي هنا:
– ما أقتلتهاش، ما أقتلتهاش، أنا معملتش حاجة.
ها هي أصبحت كما قيل لها سابقاً من زوجها و من ما كانت في يوم صديقتها عندما أخبرتها بأن سيأتي الوقت الذي ستصبح فيه خاسرة لكل شئ، و بالفعل هي الآن أصبحت وحيدة بل و أصابها خلل و إضطراب نفسي، و ما زاد الطين بلة الجريمة التي أرتكبتها و هكذا خطت نهايتها بيديها، و كما تقول الحكمة الجزاء من جنس العمل، ربما خُيل إليها أن طليقها لن يتركها في تلك المحنة، حمقاء لا تعلم ما الذي ينتظرها من مصير محتوم!
أنتفضت بذعر عندما سمعت طرق علي باب غرفتها الموصد:
– تعالي يا ندي يلا أنا حطيت الغدا. نظرت نحو الباب بأعين جاحظة و ما زالت تردد تلك الجُمل السابقة، و عندما لم تجد والدتها رداً قامت بإدارة مقبض الباب، وجدته موصد من الداخل:
– هي لحقت تنام، خلاص لما تقوم هابقي أحضر لها الأكل. تركتها و ذهبت إلي مائدة الطعام، تنهدت ثم جلست علي الكرسي،أمسكت بالملعقة:
– بسم الله الرحمن الرحيم. و قبل أن تبتلع الطعام توقفت عندما قال زوجها بحدة:
– مش أنا قولت و نبهت عليكِ إنها ما تخرجش!
أزدردت الأخري لعابها، فكان زوجها نائماً و هي كانت تُعد الطعام و أكتشفت خروج إبنتها خلسه دون علمها و خشيت أن تتحدث إليها في الهاتف حتي لا توقظ إبيها الذي منع إبنته من الخروج. تركت والدتها الملعقة و قالت بتوتر:
– هي كانت محتاجة شوية حاجات كانت قايلة لي عليهم و نسيت، فـ نزلت تجيبهم و طلعت.
ضرب زوجها بقبضته علي المائدة:
– بطلي كذب و تداري عليها، ما حرمتيش من عمايل بنتك، و لا مستنيه لما تجيب لنا مصيبة، أحمدي ربنا إن أكرم إبن ناس و متربي، أقسم بالله لو كان واحد تاني كان زمان بنتك متبهدلة و يا عالم كان عمل فيها إيه، بنتك رفصت النعمة اللي كانت في إيديها و مشيت ورا شيطانها اللي خلاها خسرت راجل بعتبره في مقام إبني اللي ما خلفتهوش، عقلي بنتك أحسن لك. هزت رأسها بطاعة، لم تتجرأ علي المجادلة فلديه كامل الحق لما ذكره للتو.
سألها باحثاً بعينيه عن شىء ما:
– أومال فين لارا؟ – راحت تلعب مع بنت أم رامي في الشقة اللي قدامنا.
كاد زوجها يتفوه لكنه قاطعه رنين جرس الباب و يتبعه طرقات شديدة متتالية، نهضت بفزع:
– ده مين اللي بيرزع علي الباب كده، استر يارب. نهض زوجها و قال لها بأمر:
– خليكِ أنا هافتح و أشوف مين.
ذهب و فتح الباب، فظهر إليه رجل يرتدي ثياب عادية و خلفه تقف قوة من الشرطة، قال الرجل:
– دي شقة ندي محمود العربي؟
أجاب الأخر بصدمة:
– أنا والدها، فيه حاجة؟ أخبره الضابط بصوت أجش:
– معانا أمر من النيابة، مطلوب القبض علي بنتك بتهمة محاولة قتل مروة عبدالكريم حرم رجل الأعمال علي الحسيني صاحت والدتها التي تقف خلف زوجها:
– قتل!، يالهوي. – أدخلوا جيبوها.
كان أمر الضابط للعساكر، و قبل أن يدلفوا إلي الداخل قال والدها بتوسل:
– أنا بستسمحك يا بيه، ممكن أدخل أجيبها لك بنفسي، أصلها شكلها نايمة و حضرتك فاهم البيت ليه حُرمة و….
زفر الضابط بنفاذ صبر و قال بحدة :
– إحنا جايين نقبض عليها، أدخل يا بني أنت و هو خلصوا. سبقتهم والدتها و أخذت تطرق الباب:
– إفتحي يا ندي، عملتي إيه يا بنتي تاني، إفتحي. كانت الأخري بالداخل ترتجف من الخوف:
– معملتش حاجة، ما قتلتهاش، معملتش حاجة. و عندما وجد الضابط عدم إستجابة الأخري في فتح الباب الذي أدرك إنه موصود من الداخل، أعطي الأمر إلي إحدي العساكر:
– أكسر الباب ده.
تقدم الأخر و أخذ يدفع الباب بجسده و والدتها تصرخ بتوسل أن يتوقفوا عما يفعلوه، لكن لا محالة خاصة بعدما أستطاع العسكري أن يفتح الباب فأوقفه رجاء والد ندي إلي الضابط لاسيما عندما رأي حالة إبنته التي تنظر إليهم بخوف و ذعر و ترتجف كالطفلة التي رأت أشباحاً.
– أرجوك لو سمحت ممكن أنا هاجيبها لك، حضرتك شايف حالتها عاملة إزاي. زفر الأخر بغضب فقال مشيراً للداخل:
– أتفضل، خلينا نخلص. ذهبت والدتها تبحث عن هاتفها :
– أنا لازم أبلغ أكرم قبل ما بنتي تضيع، جيب العواقب سليمة يارب.
و في داخل الغرفة، تقدم والدها منها يمد يده إليها:
– قومي يا ندي، قومي يا بنتي، الله يسامحك شوفتي وصلتينا لإيه! رفعت يديها في وضع الحماية و أخذت تصرخ:
– معملتش حاجة، معملتش حاجة، ما أقتلتهاش. حاول والدها أن يجعلها تنهض لكن جسدها كان في حالة تشنج و خشي أن يجذبها عنوة فيقوم بإيذائها، و عندما دلف الضابط و كأنها رأت ملاك الموت، أتسعت عيناها و نهضت تحاول أن تختبىء خلف والدها و تردد ما قالته سابقاً.
أشار الضابط إلي رجاله بنفاذ صبر:
– هاتوها.
أمسكها الرجال و كانت ترتجف و تتلوي بين قبضتهم لذراعيها، و حينما و صلت إلي باب الشقة، كانت جارتهم قد فتحت باب شقتها لتري سبب تلك الضجة و الصراخ، شهقت السيدة عندما رأت منظر ندي بين يدي رجال الشرطة، بينما لارا ألقت الدمية التي بيدها و صرخت:
– مامي.
ركضت إلي والدتها، فأسرع جدها و منعها و عانقها يربت علي ظهرها و يقول:
– لله الأمر من قبل و من بعد، أسترها يارب.
و بالداخل كانت زوجته تلحق ما يمكن إلحاقه، تضع هاتفها علي أذنها تنتظر إجابة طليق إبنتها.
و في مكان آخر داخل المشفي المحتجز به سليم بعد إصابته بالرصاص و جعلته يقع مُغشياً عليه بسبب كثرة الدماء التي نزفها آنذاك.
يقف أكرم في بهو الإستقبال،و بالرغم من هيئته المُزرية بعد نجاحه في القبض علي سليم العقبي أكبر رجال الأعمال و الذي لم يستطع أحد من قبله الإيقاع به أو بوالده داغر العقبي.
يقف كالصقر المتربص لأعداءه،و هذا بناء علي طلبه بأن يكون قائد الحراس بنفسه في المشفي لعلمه بخطورة سليم و ما يمكن أن يفعله رجاله بالخارج من محاولة تهريبه.
كان يقف و يؤكد علي رجاله:
– ممنوع أي حد يدخل و لا يخرج من المستشفي، أنا طالع فوق و لو فيه أي جديد بلغوني. أومأ رجاله و في صوت واحد:
– تمام يا فندم.
و قبل أن يولج إلي المصعد أوقفه رنين هاتفه، فرأي المتصل جدة إبنته، زفر بتأفف و أعاد الهاتف داخل جيبه، ظناً منه إنها ندي التي لم تكف عن محاولاتها البائسة بالإتصال عليه و ترجوه بالعودة.
عاد الإتصال مرة ثانية بل و ثالثة، داهمه شعور بأن هناك خطب ما و ربما أمر يتعلق بإبنته، أجاب علي الفور:
– نعم؟ جاءه صوت والدة ندي تبكي و تخبره:
– ألحقني يا أكرم، البوليس جه خد ندي بيتهموها في محاولة قتل مروة صاحبتها، بالله عليك روح و أقف جمبها إحنا ملناش غير ربنا و أنت يا بني.
تسمر مكانه، فهذا أخر ما كان ينقصه، محاولة قتل صديقتها!، إلي هذه الدرجة ساءت حالتها!، كيف لم يكتشف هذا من قبل!، يبدو غيابه المستمر عنها بسبب عمله قبل و بعد الزواج جعله لم يتعرف علي خصالها جيداً، فما أكثر الأزواج الذين يعيشون تحت سقف واحد و لم يفهم كليهما الأخر و يكتشفون كوارث بعدما يمرون في محن تُعري وجه كل منهما من الأقنعة الزائفة ليري كليهما الحقيقة الصادمة. أنتبه إلي ندائها المتكرر :
– أكرم، يا أكرم.
أجاب عليها بهدوء قاتل:
– نعم مع حضرتك، ما تقلقيش أنا هاتصرف، سلام. أنهي المكالمة و ظل في مكانه يحاول إدراك ما يحدث، مسح علي خصلاته و يزفر بقوة لقد أكتفي من المصائب هذا اليوم، قام بإجراء مكالمة هاتفية مع إحدي معارفه لدي النيابة و علم بأنه بالفعل قد تم صدور أمر بالقبض علي طليقته و قسم الشرطة التي أُخذت إليه للتحقيق معها. أتجه إلي بوابة الخروج للمشفي و قبل أن يغادر قال لمساعده من الحراسة:
– ساعة زمن و راجع عايز كأني أنا موجود فاهم، أنت المسئول قدامي عن أي حاجة لو حصلت.
رد الأخر بحزم:
– أطمن يا فندم كله تحت السيطرة. ذهب أكرم و عبر الرواق فـ أصتدم بإحدهم يرتدي مأزر الطبي الأبيض و قناع الفم يخفي نصف وجهه، و نظارة طبية، حاول هذا الشخص تلاشي النظر إلي أكرم مباشرة و مضي في طريقه إلي المصعد. ※ـــــــــــــــــــــ※
في إحدي بلاد شرق أوروبا يجتمع هؤلاء الرجال ذوي الهيئات المُهيبة و المُخيفة في آن واحد حول الطاولة المستديرة، ينتظرون رئيسهم الذي دلف للتو يرتدي حُلة سوداء خلفه حارسين ضخام الجسد.
وقف كل من يجلسون حول الطاولة ينتظرون تلك الإشارة التي صُدرت من رئيسهم للتو بعدما جلس علي مقعده الوثير.
تنحنح و أخبرهم بصوته الرخيم:
– جميعكم ينتظر أن يعلم سبب هذا الإجتماع الطارئ، علمت الآونة الأخيرة بما يحدث في مصر من وقوع رجالنا هناك، لكن هذا ليس الأمر الذي يعنيني، فاليوم علمت بأن الذي وقع بين يدي الشرطة هو من أهم رجالي. رفع إحدهم يده و قال بتهكم:
– إذا كنت تقصد سليم العقبي سيدي، فهو من فعل ذلك بنفسه، منذ أن تزوج و لم يهتم بتأمين عملنا من عيون رجال الأمن لديه في مصر.
فقال آخر و يبتسم بسخرية دون أن يستأذن رئيسهم :
– و لما لم تقُل بأن زوجته هي من وراء ذلك، رأيتها منذ شهور برفقته في لاس فيجاس، لم أشعر بالإرتياح لها بتاً و أؤكد لكم إنها خلف ما حدث لا سيما بعدما علمت من إحدي مصادري إنها قد هربت منه حينها و سرقت الحاسوب الخاص به، ألم يثير هذا الأمر الشك لديكم! عقبت إحداهن علي حديثه:
– بالطبع لم تشعر بالإرتياح نحوها ديفيد، لأنها عربية مسلمة أليس كذلك!
رمقها الأخر بنظرة نارية، مما جعل رئيسهم يضرب بيده علي الطاولة و هذا الخاتم المصنوع من الذهب الأبيض يصدر بريقاً لامعاً، فذلك الشعار المحفور به أكثر ما يميزه، الفرجار المفتوح و المتقابل مع المسطرة المنفرجة يتوسطهما حرف الـ G. – حديث مرة أخري دون إذن مني سيكون له عقاب رادع، أعلم كل ما لديكم قبل أن يصل إليكم.
عاد بظهره إلي الوراء و أنتصب في جلسته ليردف:
– سليم قد أصبح الحصان الخاسر لدينا، و جاء لي صباح اليوم عدة أوامر صارمة من المحفل، علي رأسها تصفية سليم العقبي.
غرت المرأة فاها و بدي عليها الصدمة، أبتلعت لعابها بتوجس حينما نظر إليها رئيسهم، فسألته بجدية زائفة لتخفي توترها:
– هل تم الأمر؟ ظهرت علي ثغر الأخر إبتسامة مُرعبة قائلاً:
– إنه يُنفذ الآن ريبيكا.
و بالعودة إلي أحضان الوطن، داخل المشفي و صعوداً إلي الطابق التي توجد به غرفة سليم، يسير هذا الغريب و المُريب في الرواق وجد أمام الغرفة رجلين من الحراسة التابعة للشرطة، أخرج بطاقة تعريف زائفة و أرتدي الشريط المتصل بها حول رقبته ثم مضي إلي الغرفة بثقة بالغة، أوقفه الحارس و قبل أن يسأله فرفع له البطاقة:
– أنا الدكتور النبطشي المسئول عن حالة سليم العقبي. أشار إليه الحارس:
– معلش يا دكتور أصلها أوامر شديدة، لأنه اللي جوه مجرم خطير.
أخبره الأخر بإبتسامة ذئب من أسفل القناع:
– ما تقلقش أنا هاخد بالي كويس. فتح الباب و ولج إلي الداخل ليجد سليم تتصل أجهزته الحيوية بأجهزة طبية و يده بها إبرة متصله بمحلول مُعلق علي حامل عمودي.
أخرج من جيبه إبرة و داخل عبوتها سائل مجهول المصدر، أقترب من الكيس المُعلق و كاد يغرز به الإبرة فتوقف فجأة بفزع! يُتبع…. #الفصل_الأخير
#الجزء_الثاني
#فارس_بلا_مأوي
#بقلم_ولاء_رفعت_علي قبل قليل… وصل صلاح بالأسفل فأوقفه رجال الأمن، فأخرج لهم البطاقة الخاصة بهويته، فكان رد الرجل عليه بحدة:
– ما قولت لك ممنوع و دي أوامر أكرم بيه، يلا بقي أتكل علي الله.
رمقه صلاح بإزدراء و أبتعد بعدة خطوات قائلاً بصوت خافت:
– لازم أتصرف. قام بإجراء إتصالاً هاتفياً بإحدي الشخصيات الهامة و الذي أستطاع بنفوذه الوصول لإدارة المشفي و التحدث مع المدير المسئول، فـ خرج بنفسه لإستقباله:
– أهلاً و سهلاً يا صلاح بيه، المستشفي نورت. تزحزح رحل الأمن إلي المدير الذي أمره:
– وسع كده لصلاح بيه منك له. صافحه صلاح بإبتسامة دبلوماسية:
– متشكر لحضرتك، أنا بس عايز أطمن بنفسي علي سليم باشا.
– و الله يا فندم لو كان عليا كنت طلعتك و خليتك تقعد معاه، بس جاي لنا أوامر مشددة إنه ممنوع حد يدخله و لولا تليفون الباشا الكبير مكنش حد من العساكر رضي يدخلك. رمقه الأخر بإمتعاض قائلاً بـ دهاء :
– طيب تمام متشكر، و هابلغ الباشا بتحياتك ليه. توترت ملامح الرجل ثم قال :
– ليه بتقول كده، أنا…. – أنت هاتدخلني أطمن علي سليم باشا، قولت إيه؟
قالها بنبرة أمر و تهديد جلية إذا لم ينفذ الأمر، أومأ له الأخر بالموافقة و علي مضض:
– تحت أمرك.
و بالعودة إلي هذا الغريب، فتح الباب و ولج إلي الداخل ليجد سليم تتصل أجهزته الحيوية بأجهزة طبية و يده بها إبرة متصله بمحلول مُعلق علي حامل عمودي. و بالفعل تحرك و دلف كليهما داخل المصعد، و بعد أن خرج صلاح من المصعد تقدمه مدير المشفي بخطوات ليرشده إلي الغرفة و حين وصل، انهاه إحدي الحارسين عن الولوج إلي الداخل :
– ممنوع يا باشا. رمقه الرجل بإمتعاض و أخبره:
– أنا الدكتور و مدير المستشفي يا غبي، ابعد عن الباب.
فعقب الأخر:
– و لما أنت الدكتور أومال اللي لسه داخل حالاً يبقي مين؟ و حين إستمع صلاح إلي كلمات الحارس التي ضرب الشك في دواخله لا سيما عندما صدح صوت إستلام رسالة ألكترونية عبر البريد الألكتروني الخاص بهاتفه، ألقي نظرة سريعة عليها فوجد فحواها بالإنجليزية و ترجمتها كما يلي:
« تحرك أيها الوزير لقد تم صدور الحُكم بالتخلص من الملك»
و بالداخل أخرج هذا الملثم من جيبه إبرة و داخل عبوتها سائل مجهول المصدر، أقترب من الكيس المُعلق و كاد يغرز به الإبرة فتوقف فجأة بفزع!
حيث دفع صلاح ما بيده بقبضة قوية أطاحت الإبرة ثم أمسك بتلابيبه و أخذ يكيل له لكمات شديدة القوة غرار طبيعته الهادئة، و لما التعجب فهو يعمل داخل عالم لا يحكمه سوي قانون الغابة، البقاء للأقوي و لا مكان للضعفاء.
لم يستسلم الأخر بل أخذ يقاومه و دلف الحارسين و خلفهم مدير المشفي علي إثر تلك المعركة التي صدح صوتها إلي الخارج.
رفع الحارسين أسلحتهم صوب الرجل الغريب، رفع المدير يده و قال:
– أوعي تضرب نار. أستغل الغريب ذلك الموقف فألتفت إلي النافذة لكن لم يمهله صلاح الهرب فأخرج سلاحه الذي يخبئه خلف ظهره و أخذ يضرب بمقبضه علي رأس الرجل حتي وقع فاقداً للوعي. نظر صلاح إلي الحارس:
– خدوه و أحبسوه عقبال القوة ما تيجي تاخده.
عاد بظهره و ألتفت ليطمئن علي سليم الممدد لا حول و لا قوة له، من يراه يغر فاه بتعجب من وضعه الضعيف في تلك الحالة، كم من ظالم عتي نشر في الأرض فساداً و أرتكب أفظع الجرائم، ما كانت نهايته سوي الهلاك و الدمار، يحصد ثمار شره بيده و التي تؤدي به إلي الهاوية، يسقط في قاع الجحيم.
أمسك بيد صديقه و دنا بالقرب من أذنه ليهمس إليه:
– لازم تفوق بسرعة، حياتك في خطر.
※ـــــــــــــــــــــــــــ※
– أنا معملتش حاجة، ما أقتلتهاش، هي اللي خربت لي حياتي.
ظلت تردد تلك الكلمات و تجلس داخل مكتب الضابط الذي زفر بضجر:
– هاتفضلي تكلمي نفسك كده كتير!، ما تخلصي و ردي علي سؤالي، إيه اللي خلاكي تخبطيها بالعربية و إياكِ تنكري لأن الكاميرات جايباكي و أنتِ بتتحركي ناحيتها بالعربية و بعد ما خبطيها دوستي بنزين و هربتي صح!
رفعت رأسها و رمقته بعيون يملأها الإحمرار من فرط البكاء المستمر، يرتجف جسدها كلما تذكرت جريمتها التي باءت بالفشل و ألقت بها بين يدي رجال الشرطة! طرق إحدي رجال الشرطة الباب ثم ولج قائلاً:
– رائد باشا، النقيب أكرم عمران بره و عايز يدخل. أعتدل في جلسته و أخبره:
– أنت جاي تستأذن، دخله فوراً. نهض ليستقبله، دلف أكرم فصاح الأخر بترحيب و سرور:
– أهلاً أهلاً، نورت القسم يا باشا. حينها ألتفتت إليه و تلاقت عيناها بخاصته، خفق قلبها بخوف و فاضت عيناها بنظرة توسل إلي مساعدتها و إنتشالها من ذلك الوحل الذي أسقطت بها نفسها.
جال ببصره إلي الضابط و بادله المصافحة و بشبه إبتسامة قال:
– تسلم يا رائد بيه. صاح الضابط مُنادياً:
– تعالي يا بني خد المتهمة و حطها في الحجـ…. قاطعه أكرم ناهياً إياه:
– سيبها، أنا جاي عشانها. رمقه الأخر بتعجب فأبتلع أكرم لعابه قبل ما يردف:
– مدام ندي تبقي أم بنتي.
