Uncategorized

فارس بلا مأوى ٨

ظل ينتقل من غرفة إلي أخري حتي وصل أمام أخر غرفة و كان الباب مُغلق، حاول فتح الباب و دفعه بجسده، فكان كالجدار الحديدي، تراجع و أخرج من محفظة أسلحته قنبلة يدوية، خلع منها المكبس و ألقاها علي الباب و ركض بعيداً فأنفجرت و نجحت في فتح الباب، لم يري سوي الدخان لكن صوت اقدام سليم و هو يهرب وصل إلي مسامعه، ركض خلف يصيح به:
– وقف عندك يا سليم.

و في طريقه للهروب قابل عدد من قوات الأمن  و تبادل معهم إطلاق النار بإحترافية حتي تمكن من الصعود إلي أعلي، و كان يعقبه أكرم و أخبره رجاله:
– هرب علي فوق يا فندم. ألتقط أنفاسه قبل أن يصعد و قال:
– سبيوه ليا يا أنا يا هو النهاردة. و صعد إلي أعلي، بينما سليم لم تنفذ حيله للهروب، يريد الوصول إلي طائرته الخاصة، ذهب إلي أقفاص كلابه الشرسة و قام بفتح كل قفص و أطلق سراحهم و ذلك لتشتيت قوات الشرطة، يلهيهم عن مطاردته حتي يصل إلي الطائرة خلف الهنجر.

و بالفعل كان رجال الشرطة في معركة ضارية، يطلقون رصاص أسلحتهم عليهم بدلاً من أن يصبحوا وليمة دسمة لتلك الكلاب المفترسة. أكرم كان أكثر ذكاء فالمعلومات التي وصلت إليه عن المكان و المرافق قبل أن يأتي هنا، يعلم أن هناك خلف البناء طائرة مروحية تكاد تكفي لأربع أفراد، أسرع راكضاً حتي وصل فوجد سليم يصعد إلي الطائرة، أطلق رصاصة في الهواء:
– مش هاتقدر تهرب مني المرة دي، و إن كان أبوك قدر يعملها زمان و بعدها قتل أبويا، فأنا هنا هاخد حقه و حق كل واحد ظلمته و جنيت عليه أنت و أبوك.

ألتفت سليم إليه و يمسك سلاحه إستعداداً لإطلاق الرصاص:
– عشان أنت و أبوك شوية أغبية مفكرين نفسهم حراس المجرة و الوطن، و أفترضنا و قبضت عليا، أنا ورايا جيش لو أتجمعتوا أنت و كل قوات الشرطة و الأمن اللي في مصر كلهم مش هاتقدروا عليهم. – دول أخرهم يخلو اللي زيك خدام لمصالحهم حتي لو بتضر ولاد بلدك، و متأكد إنهم زمانهم بعتوا اللي يخلص عليك قبل ما توصل لباب النيابة و يتحقق معاك، عارف لولا إن واجبي أسلمك حي كان زماني مخلص عليك و أريح الكل منك.

ضحك سليم بسخرية و قال:
– لا أنت و لا أكبر راس فيكم يقدر يسجن سليم العقبي.
و أطلق رصاصة أجفل بها الأخر لكنها خدشت ذراعه و استقرت في الجدار الذي خلفه، وجد أكرم يكفي حديثاً و عليه بالفعل ركض في وضع الهجوم علي سليم و تشابكا معاً بالأيدي، لكمات و ركلات لم يسلم كليهما منها.
أطرحه سليم علي الأرض الرملية و بكل قوة سدد له لكمة في وجهه جعلت الرؤية تكاد منعدمة لدي أكرم، فأستغل هذا و ركض إلي الطائرة، و بمجرد أن ولج إليها في غضون دقيقة قام بتشغيل المروحية.

نهض أكرم بصعوبة و حاول بكل عزيمة الصعود إلي داخل المروحية قبل أن يرتفع لها الأخر الذي أخذ يطلق عليه الرصاص و يتفاداه الأول، نهض سليم من فوق كرسي القيادة يوجه سلاحه صوب رأس أكرم، بينما الأخير وثب و ركل السلاح من يده و عاد الإشتباك مرة أخري، مد الأول يده إلي بنطاله و قام برفعه فتناول خنجر و رفعه لأعلي حتي يغرزه في قلب أكرم الذي كان أسرع منه و أطلق رصاصة أصابت كتفه و أردته إلي الخلف، برغم ذلك كافح و جلس علي مقعد القيادة و قام بتشغيل المحرك المسئول عن إقلاع الطائرة.

حاول أكرم جذبه حتي يخرجه من المروحية، لكن الأخر أخذ يقاوم بل و ركله بقوة جعلت الأول يسقط من الباب، فتشبث بحافة الباب المعدنية و هذا و المروحية تعلو و ترتفع.

لم يستطع سليم ترك القيادة و ضرب أكرم في آن واحد، مما جعل الأخر أستطاع الإفلات من السقوط و عندما ولج إلي الداخل مرة أخري هبط بسلاحه فوق رأس سليم الصلبة، تأثر رأسه قليلاً و بدأ يشعر بالدوار، ما زال في محاولته لصد هجوم أكرم الذي لم يجد حل سوي أن يطلق رصاصة أخري علي ساقه و أجفله بإستيعاب الألم ثم جذبه إلي خارج المروحية و قفز به من علي إرتفاع خمس أمتار فوق الرمال.
❀ــــــــــــــــــــــــ❀
في المخفر تنتظر أمام باب المكتب تنظر إلي ساعة هاتفها، جاء إليها أمين الشرطة و أخبرها برجاء:

– يا مدام حضرتك واقفة بقي لك أكتر من ساعة و زي ما حضرتك شايفة أكرم باشا مش موجود في مكتبه، ما ينفعش توقفي كده. زفرت بتأفف و قالت:
– و أنت مالك!، هو أنا يعني كنت واقفة علي دماغك أنا هستناه لحد ما يجي. كاد الأمين يجيب بنفاذ صبر لكن قاطعه المقدم طارق زميل أكرم عندما رأي طليقة صاحبه:
– في إيه يا أمين حمدي؟، خير يا مدام ندي؟ رد الأخر:
– المدام جـ…

قاطعته الأخري بضيق و حنق:
– أنا جاية عشان أشوف أبو بنتي و واقفة مستنياه لحد ما يجي، كل شوية يجي لي الأفندي ده و يقولي ما ينفعش توقفي، أروح يعني أستناه في الحجز جوه! رمق طارق الأمين بنظرة ما تفهمها الأخر ثم أخبر الأخري:
– تعالي أتفضلي معايا علي مكتبي و أنا تحت أمرك. و بعدما ولجت إلي داخل المكتب و جلست ثم أخبرها بإنه لم يأت إلي المخفر منذ أكثر من يومين.

– يعني إيه ما بيجيش!، و واخد أجازة، و قبل ما أجي علي هنا روحت له شقتنا مالقتهوش و لا لاقيت البواب عشان أسأله هيرجع أمتي.
كانت تتفوه بتلك الكلمات بتوتر و هي علي وشك أن تصاب بالجنون، تريد رؤيته و تجعله يعود إليها بأي ثمن، حتي ألقي عليها صديقه مفاجئة لم تتوقعها، يظن لديها العلم:
– ما هو حضرتك باع الشقة من حوالي أسبوع و حط فلوسها في البنك بإسم لارا بنتكم، و والدك كان معاه.

نهضت و الصدمة تعتلي ملامحها من ما سمعته للتو، سألته بكل هدوء:
– ممكن تقولي علي أكرم فين دلوقت؟ أطلق تنهيدة ثم أخبرها:
– هو في مهمة أدعي له. تركته دون أن تستأذن بالرحيل و غادرت المكان، أستقلت سيارة والدها التي أخذتها دون علمه، فكم من مرة منعها أن تذهب إلي طليقها فيكفي ما أقترفته في حق أكرم و حق نفسها.

ظلت تقود السيارة و في رأسها آلاف الأفكار، يوسوس إليها الشيطان أهمها يجب عليها أن لا تترك من حولها يعيشون في سعادة و هناء لاسيما مروة و هذا بسبب ظنها الكاذب حيث تظن بأنها هي من أرسلت إلي أكرم صور من المحادثة التي دارت بينهما و بها إعتراف جلي لندي و هي تُقر بحبها لـ علي، و كذلك عندما جاءت إلي منزل عائلتها و قامت بفضحها أمام والدتها، كل تلك الأمور زادت من كرهها و مقتها نحو مروة التي تبدلت في يوم و ليلة من صديقتها إلي عدوتها، في تلك اللحظة أقسمت أن تنتقم منها و تخرب عليها حياتها كما حدث

معها حتي إذا وصل بها الأمر أختطاف زوجها منها! توقفت أمام الشركة التي كانت تعمل بها من قبل، ترجلت و ولجت إلي الداخل بعدما أستقبلها حارس الأمن:
– حمدالله علي السلامة يا أستاذة ندي. أكتفت بإبتسامة متصنعة و ذهبت إلي موظفة الإستقبال فسألتها عن مدير الشركة، فقالت لها الأخري:
– مستر علي في مكتبه فوق و…

لم تنتظر لسماع باقي الإجابة و سرعان صعدت إليه و في طريقها كانت تسير في الرواق خلف إحدي الموظفين، و لمحت مروة آتية في الرواق المقابل، أختبأت علي الفور في زواية حتي لا تراها الأخري و تقوم بفضحها أمام كل من في الشركة و تصبح (الترند) في المجموعة الخاصة بالشركة علي موقع التواصل الإجتماعي الشهير. خرجت السكرتيرة من مكتب علي و قابلت مروة:
– الشركة نورت يا مدام مروة. إبتسمت لها الأخري و قالت:
– ميرسي يا حبيبتي.

ولجت إلي داخل الغرفة، رأت زوجها يقف خلف الحائط الزجاجي يرتشف قهوته و يراقب المنظر بالخارج في حالة شرود.
وضعت يديها علي عينيه، فقال مُبتسماً:
– يعني هيكون مين غير اللي مزهقني بالحركة دي علي طول! وقفت أمامه بوجه عابس و تضم شفتيها بحزن مصتنع:
– أخص عليك، بقي أنا بزهقك بحركاتي!

ترك القدح علي المنضدة و أقترب منها ثم أختطف قبلة من شفتيها و كأنه يلتقم ثمرة توت أحمر يتذوقها بمتعة حالمة و قال:
– عمري ما أزهق منك أبداً، ده أنتِ النور اللي جه ملي عليا حياتي بعد ما كانت مضلمة بالوهم و الخداع، أنتِ بقيتِ كل حاجة ليا يا مروة. ارتمت علي صدره و عانقته بقوة:
– أنت لو قولت لي إيه أكتر حاجة تتمنيها في حياتك هقولك إن مفارقش حضنك و لا لحظة.

رفع وجهها عن صدره ليتمكن من التحديق في عينيها بهيام قائلاً:
– أنا اللي بقولك أوعي أنتِ اللي تبعدي عني مهما حصل. إبتسمت إليه و أجابت بنبرة فكاهية:
– أطمن أنا كده كده قاعدة علي قلبك مش لوحدي، أنا و…. أمسكت بيده و وضعتها فوق بطنها و أردفت:
– و اللول الصغير. تجلت الدهشة علي ملامح وجهه فسألها بتردد و قلب يخفق بقوة:
– هو أنتِ… أومأت له بسعادة تغمر قلبها:
– ايوه أنا حامل.

غمرها بحضن دافئ ليعبر لها عن مدي ما يشعر به الآن:
– ألف مبروك علينا يا روح قلبي، عرفتي أمتي؟ – لسه عارفة قبل ما أجي علي هنا، عملت إختبار في معمل التحاليل و طلعت النتيجة
Positive
الحمد و الشكر لله. عانقها مرة أخري و أخبرها:
– بمناسبة الخبر الجامد ده، تعالي هانتغدي علي زوقك و أطلبِ كل اللي نفسك فيه،  بس أديني عشر دقايق هابعت ملفات لفرع الشركة ضروري و هانمشي. همت بالذهاب و قالت:
– بص أنا هانزل أستناك في العربية تحت و هاعمل تليفون لماما أفرحها، أصل لسه ما قولتلهاش، أنت أول واحد يعرف بالخبر.

لا تعلم أن هناك طرف ثالث إستمع و رأي كل ما قيل و حدث من فتحة الباب الشبه مُغلق، و قبل أن تغادر مروة الغرفة أسرعت الأخري و رحلت لتذهب إلي السيارة و داخلها يشتعل من الغيرة و الحقد، مراجل تتأجج في قلبها.
و إذا بها تراها تخرج من الباب متجهة إلي الجهة الأخري، أستسلمت إلي شيطان أفكارها الذي سيقذف بها إلي اليم، و دون أن تسيطر أو تكبح قوي الشر بداخلها، أنطلقت بالسيارة و أطاحت بمن كانت تدعوها صديقتها يوماً ما!

يتبع #الفصل_الخامس_والأربعون
#الجزء_الأول
#فارس_بلا_مأوي
#بقلم_ولاء_رفعت_علي يتجول في  الرواق ذهاباً و إياباً و قلبه يحترق من الخوف عليها، فهي الآن بين إيدي الأطباء.
لم ينس ذلك المشهد عندما هاتفه إحدي موظفين الإستقبال و أبلغه بما حدث أمام الشركة، غادر مكتبه علي الفور و ذهب ليري ما حدث إلي من أستطاعت إختراق قلبه و تحويل مسار حياته من اليأس إلي الأمل، من القنوط إلي الصبر، من الأسود إلي الأبيض، و علي يدها عادت إليه إبتسامته النابعة عن سعادة لم يشعر بها قط من قبل سوي معها فقط.

حين خرج من بوابة الشركة اصتدم بذاك المشهد المروع، وجد زوجته مسجاه علي الأسفلت في سكون و عدم حركة و دماء تنسدل من جانب شفاها، حملها علي الفور و أدخلها إلي سيارته و رغم محاولته للتظاهرة بالثبات و القوة، فكان داخله غرار ذلك. و ها هو الآن ينتظرها أمام غرفة العمليات، و عندما إستمع إلي صرير فتح الباب المعدني توقف عن السير و ألتفت إلي الطبيب الذي خرج للتو، ركض إليه و سأله بتوجس:
– هي عامله إيه؟

خلع الطبيب القناع الطبي عن فمه و أنفه ثم أجاب:
– أطمن حضرتك، مدام مروة بخير الحمدلله، شوية رضوض و كدمات و شرخ في في الساعد الأيمن و رجلها اليمين برضو، بس للأسف مقدرناش ننقذ الجنين. جحظت عيناه من الصدمة، لم تكمل سعادته بخبر حمل زوجته و الآن يستمع إلي خبر وفاة إبنه قبل أن ينبض قلبه.
شعر الطبيب بحالته فأردف:
– ربنا يعوضك، و الحمدلله أهم حاجة إن المدام بخير و ربنا يرزقكم بالأحسن.

أومأ له الأخر في صمت، تابع الطبيب حديثه:
– حضرتك لازم تعمل محضر ضد صاحب العربية و أنا هاكتب لك التقرير الطبي دلوقت. كان كالمُغيب و شارد في ملكوت آخر، يردد كما يلي:
– قدر الله ماشاء فعل. و في تلك اللحظة تدخل موظف الأمن الشاهد علي ما حدث قائلاً:
– علي بيه، أنا عايز أقول لحضرتك علي حاجة.

نظر إليه الأخر بعدم فه،  فأردف الرجل:
– اللي حصل لمدام مروة كان مقصود و أنا شوفت اللي عمل فيها كده!
※ـــــــــــــــــــــــــ※
يقف هؤلاء الرجال في صفوف، يمسك كل منهم صينية معدنية مقسمة لأربع أطباق، يرتدون جميعهم الزي الأزرق الخاص بالسجن، و كان زكريا يقف في إنتظار دوره فـ جاء إحدهم و دفعه و وقف أمامه بل و رمقه بشرٍ و سأله بتهكم:
– عندك مانع؟ نظر إليه الأخر بإمتعاض:
– أظن فيه حاچة إسمها طابور و ليك دور تجف فيه بدل قلة الذوق اللي سوتها دلوق.

قهقه الرجل الذي يبدو علي ملامحه الشر و يقصد ما يفعله من أجل إستفزاز الأخر و الدخول في معركة معه.
لكزه في كتفه و سأله بتهكم:
– و لا ما وقفتش في دوري هاتعملي إيه يعني، مش ناقصنا غير جوز العالمة هو اللي يتكلم، السجن ده للجدعان الرجالة مش للرافعين إريل.

ألقي زكريا الصينية علي الأرض و كاد يرفع يده ليضرب الأخر لكن تدخل هذا الذي صاح بصوته الغليظ:
– الإريل ده يبجي أبوك يا ولد الغازية.
و قام بتوجيه لكمة قوية إلي هذا الرجل و وقع علي بعد مسافة من قوة اللكمة، فألتفت الأخر إلي زكريا الذي تفاجئ بوجوده:
– رافع! ، إيه اللي چابك أهنه. إبتسم الأخر و أجاب بسخرية:
– مهنش عليا أهملك في السچن لوحدك، جولت لما أچي أونسك.

كاد زكريا يتفوه، فباغت الرجل بعدما نهض رافع بدفعه و الهجوم عليه، نهض رافع و الشر يتطاير من سوداويتيه، رمقه زكريا بإيماءه ثم قال:
– چيت في الوجت المناسب يا ولد خالي. و بدأ العراك الذي تدخل فيه أصحاب الرجل الذي بدأ في الهجوم و بين زكريا و رافع.
تدخل عساكر الأمن لفض هذا الشجار و الذي أنتهي بعقاب جميعهم الحرمان من وجبة الغداء و سجن كلا من رافع و زكريا داخل زنزانة منفردة و كذلك الرجل الأخر سُجن بمفرده.

بعدما ولج كلا من رافع و زكريا الذي دفعه العسكري قائلاً:
– أدخل يا حيلتها منك ليه، فاكرينها سايبة و بتتخانقوا ده سيادة المأمور هينفخكم. أغلق الباب الحديدي ثم أوصده بالأقفال من الخارج، جلس رافع علي الأرض و يستند علي الحائط بظهره قائلاً:
– مهما سوي فينا مش هيچي ربع اللي حصلي. هبط زكريا علي عقبيه، جالساً أمامه و سأله:
– مالك يا ولد خالي، و إيه اللي چابك أهنه؟

لاح شبح إبتسامة بائسة علي شفتيه التي يعلوها شارب كث:
– اللي چابني أهنه شيطاني، اللي خلاني أسوي أي حاچة مهما كانت حرام، عماني عن الحق و دلني علي سكة الباطل، سرجت و نهبت، جتلت و زنيت و چيت علي ناس كتير و ظلمتهم جوي. غر زكريا فاه، فالأول مرة يري صديق دربه و إبن خاله في تلك الحالة:
– واه، ليكونوا عرفوا بحكاية فارس و اللي سويته أنت فيه إياك! إبتسم الأخر بتهكم و أخبره بكل أريحية:
– أنا اللي بلغت عن حالي.

عقد زكريا حاجبيه بدهشة و تعجب:
– كيف يعني؟ بدأ رافع بسرد كل ما حدث معه و في الأيام الأخيرة من وفاة زوجته التي كانت تجهض و أنتهت المحاولة بموتها، أخبره بعقاب ربه بالحكم عليه بقطع نسله مما جعل زكريا يدرك أن حمل نوارة ليس من نجل خاله.
و سرد إليه أيضاً عندم أنتهي المطاف به إلي خسارة أكثر إنسانة أحبها كثيراً و تزوجت من آخر، فكل هذا جعله يكره ذاته بل و يعاقب نفسه بالعقاب الذي يستحقه منذ زمن، فـ ربما هذا يزيح عن قلبه لو القليل من الهم و الحزن أو ربما بداية توبة عاصي.

و بعدما أستمع الأخر أطلق تنهيدة و يليها يعقب علي ما أنصت إليه:
– دين تدان يا صاحبي، و الدنيا دوارة يوم تبجي في يدك و يوم تاني تشيل و تحط عليك. – و ساعات الدنيا بتحكم عليك و تفرض عليك سكة وعرة جوي.

تقدم زكريا جوار رافع و جلس بجانبه:
– ده وهم الشيطان بيضحك عليك بيه، إحنا اللي بنختار بيدنا السكة اللي عنمشوا فيها، و إحنا چرينا ورا الحرام و كنا فاكرينه فيه المتعة كلها، أتاري كان كيف الحفرة اللي مليانة دهب و كنوز رميت حالك چواها لأچل تكبش و تاخد لكن أكتشفت إنها مچرد لامعة كذابة و إنه فخ كبير لازم تتحمل و تضحي لأچل تطلع منه.

أعتدل في جلسته و ألتفت إلي جواره، نظر إلي رافع بسخرية من حاله قائلاً:
– خابر أنت، البت سمر بعد ما تابت و ربنا هداها صاحب الكباريه علم إنها أتچوزت و لأچل يرچعها خلي رچالة تبعه أهنه يضايجوني و يرازوا فيا، إنهم يعايروني بزوچ الغازية، كل ده لأچل أطلجها فتجوم راچعة تاني للرجص. ربت الاخر علي كتفه و أخبره:
– سمارة بتحبك جوي إياك تهملها في يوم من الأيام، يمكن توبتها علي يدك فرصة ليك تبدأ حياة چديدة و نضيفة.

أطلق الأخر زفرة من أعماقه لعله تخفف عما يحمله داخله من سر لا يريد البوح به لإبن خاله:
– عمر ما كانت جلوبنا طوع يدنا، و يا سلام لما جلبك يوم ما يدق، يدق لحد إستحالة يكون ليك و ما ينفعش تفكر فيه كمان، و يوم ما فكرت خسرت أعز الناس ليا و بجي ما بيني و بينه شرخ عمره ما يداوي. قطب رافع ما بين حاجبيه و سأله:
– قصدك علي مين؟

إنتبه الأخر لما هو أوشك علي الإفصاح به، ضحك و أبدل مسار الحديث إلي جهة أخري قائلاً:
– إلا جولي، اللي خلي فاطمة تتچوز الدكتور، دي كان حداها إنها تجعد چار أمي علي أمل أنك أنت تتغير و تتجوزوا.

تجهم وجهه لاسيما عندما تذكر المواجهة الأخيرة التي دارت بينه و بين فاطمة، و سرعان تحول ذلك التجهم إلي إبتسامة هادئة تحمل في طياتها حزن دفين:
– أني جطعت لها الأمل اللي كانت عايشة عشانه.
※ــــــــــــــــــــــــــ※
في مدينة روسكوف الفرنسية و داخل فندق ريچينا، تجلس خلف النافذة و تحتسي القهوة، تراقب قطرات الندي الكثيفة علي لوح الزجاج، تستنشق عبق رائحة الأشجار و النباتات المنتشرة في الشارع، تذكرها برائحة النجع صباحاً، عندما كان تفتح نافذة غرفتها المُطلة علي الزرع، و إذا بصورته تداهم ذاكرتها مجدداً و هو يقف في وسط فروع ثمار الذرة يُناديها:
«تعالي يا بطتي،أتوحشتك جوي جوي»

أغمضت عينيها و هزت رأسها بنفي، تريد أن تبدد تلك الذكريات بشتي الطرق، فهي الآن قد بدأت حياة جديدة و لا تريد أن تظلم الإنسان الذي أحبها بصدق و جعلها شريكة حياته و دربه.
خاصة بعد ما حدث بينهما بالأمس…. «حدث بالأمس»
أستيقظت عندما شعرت بقربه منها، يدنو نحو خدها و يقبله:
– صباح الجمال. إبتسامة طفيفة تجلت علي شفتيها:
– صباح النور. كان قد خرج من المرحاض للتو، يلقي المنشفة حول عنقه، يرتدي قميص و بنطال قطني، نهضت فوقفت أمامه كعادتها بتوتر:
– أني هملتك نايم، مارضتش أصحيك لأنك كنت راچع متأخر و فضلت مستنياك لحد ما نعست.

كان يمشط شعره إلي الوراء، نظر إليها عبر المرآة و قال:
– معلش يا حبيبتي، بعد ما المؤتمر ما خلص قابلت جماعة أصحابي من مصر لما عرفوا إن أتجوزت قرروا يعملوا لي حفلة بسيطة عشان عريس جديد و كده يعني. كانت كلماته الأخيرة يصاحبها نظرة تحمل اللوم و العتاب، تهربت من النظر إليه و قالت:
– هاروح أچهز حالي. – فاطمة.
توقفت و ألتفت إليه، تقدم نحوها حتي وقف أمامها مباشرة و باغتها بسؤال تراه في عينيه منذ أن أصبحت زوجته قانوناً!

– أنتِ لسه بتحبي رافع؟
ما كان لديها شىء تقوله سوي إنها أثرت الصمت، تبع الآخر سؤاله لها بسؤال آخر:
– ياريت عايز إجابة واضحة عشان أفعالك بتثبت لي فكرة واحدة. يا لك من أحمق، كيف تسأل و أنت قد قرأت كل ما قومت بتدوينه في مذكراتي و تعلم جيداً ماذا كان هو يعني لي!
تلك الكلمات التي دارت في خلدها للتو، بينما يحيي كأنه يسمع أفكارها، هز رأسه بسأم:
– خلاص وصلت الإجابة، عموماً أنا زي ما وعدتك عمري ما هاضغط عليكِ في حاجة و لو عايزنا ننفصل أنـ…

بترت حديثه و أمسكت يده:
– و أني مش رايده إننا ننفصل، أني أختارتك بإرادتي و بعدت عنه هو كمان برغبتي، و لو مكنتش رايداك من الأول مكنتش هابقي واجفة جدامك دلوق. أطلق زفرة علها تخفف ما بداخله من غضب و ضيق و صراع، رمقها بنظرة مليئة بالشوق و الغرام فأخبرها عما يحمله قلبه لها:
– و أنا يا فاطمة بحبك و عندي إستعداد أعمل أي حاجة عشانك و أشوفك فرحانة، لكن نظرة الحزن اللي ما بتفارقش عينيكِ بتقطع قلبي و ببقي عامل زي اللي و لا طايل سما و لا أرض.

حاوط خديها بين راحتي كفيه و أردف:
– أنا من أول لحظة شوفتك فيها، حسيت بشعور عمري ما جربته و لا حسيته قبل كدة، و لما قريت دفتر مذكراتك لو أي واحد مكاني كان تراجع و يبعد عن مجرد التفكير فيكِ، بس اللي حصلي عكس كده، لاقيت كل حاجة فيا بتتشد لك، أنا بحبك، و متأكد إنك في يوم من الأيام هاتحبيني زي ما بحبك.

ظل يحدقها بتحدي عاشق، رأي في عينيها نظرة غريق يطلب النجاة، لم يدري بنفسه حينما أقترب بشفتيه نحو خاصتها لكي يثبت لها مشاعره لكن أنهار كل شىء عندما أنتفضت و أبتعدت فجأة و ركضت إلي داخل المرحاض، أغلقت الباب و استندت بظهرها عليه، تضع يدها علي فمها و أخذت تبكي.
و بعد دقائق سمعت صوت صفق الباب بقوة، خرجت و علمت إنه قد غادر الغرفة و يحمل بين طيات فؤاده حزن عميق. «عودة إلي الزمن الحالي»

أنتبهت إلي صوت فتح الباب، تركت القدح علي المنضدة و نهضت فرأته يدلف دون أن ينظر إليها مُتجهاً إلي الخزانة، فتح الضلفة بحدة ثم اخرج الحقيبة، أمسكت يده و سألته:
– بتسوي إيه؟ رمقها بنظرة ساخرة قائلاً:
– بلم هدومي و ياريت تحضري شنطتك أنتِ كمان عشان راجعين علي مصر، و هناك هريحك مني و أهي فرصة عشان ترجعي لحبك القديم. تفاجئت بقراره الصادم و آخر ما كانت تتوقعه منه،أمسكت بيده و أوقفته عما يفعله :
– أني رايده أفضل وياك.

رفع جانب فمه بإبتسامة و بتهكم قال لها:
– شكراً علي جبر الخاطر. – ده مش چبر خاطر، أني بجول الحقيقة، يمكن ما أملكش جلبي لكن عقلي هو اللي أختارك، ليه مستعچل علي حبي ليك، أعطِ لجلبي فرصة إنه يبجي ملكك. صمت لثوان و هو يراقب ملامحها و يشعر بصدق كلماتها، و سرعان تحولت نظرة التوسل داخل عيناها إلي الغضب و هي تنظر إلي صدره، جال ببصره نحو ما تنظر إليه، فـ رأي شعرة شقراء عالقة بقميصه الرمادي و أثر حُمرة شفاه، أبتلع لعابه بتوتر.

أشارت نحو صدره بسبابتها و سألته:
– إيه اللي علي جميصك ده يا حضرة الدكتور المحترم؟ لم يصدق ما يسمعه فهل هي تغار حقاً، خبأ إبتسامته خلف قناع الجمود و أخبرها ببرود:
– زي ما أنتِ شايفة، شعرة صفره و أحمر شفايف. صاحت بحدة مبالغة:
– لاء و الله!، ما أني خابرة إنه زفت و جطران أني بسألك إيه اللي چابهم علي صدرك، عتخوني يا يحيي! ضحك بتهكم و أجاب بأريحية و كأنه يخبرها بأمر عادي:
– و فيها إيه لما أعرف واحدة تانية، أنا إسمي متجوز بس مجرد كلمة مش فعل.

شهقت من تصريحه و إثباته لخيانته:
– يا بچاحتك يا أخي،  و بتعترف عيني عينك. دفعته من أمامها مُردفة:
– أني بقي اللي هلم خلچاتي و…. جذبها من يدها و دفعها إلي الخزانة، أقترب منها و كاد يلتصق بها:
– مالك أتضايقتي ليه أوي كده!، بتغيري عليا؟ أبتلعت لعابها بتوتر من قربه الشديد و تضارب المشاعر الضاري داخلها:
– أني، أني… – أنتِ إيه، هقولك أنا.
أزاح خصلاتها جانباً ليتمكن من تقبيل عنقها ثم قال:
– أنتِ حبيبتي.

و قام بتقبيل خدها:
– و روحي. – و إستحالة أبعد عنك بعد ما بقيتِ ليا.
و ألتقم شفتيها في قبلة جعلت ساقيها كالهُلام، فأحاطت عنقه بذراعيها، و عندما فعلت ذلك حاوطها أيضاً من خصرها و حملها إلي الفراش، ينحني بها رويداً دون أن يقطع قُبلته. جعلها تتمدد علي ظهرها ثم أبتعد بشفتيه لكي يعطيها المجال للتنفس.
– عايزة تسبيني؟ هزت رأسها بالنفي و همست:
– لاء، و أنت؟ أجاب بنبرة عاشق مُتيم غارقاً في بحر لؤلؤتيها السوداء :
– أنا أسيب الدنيا بحالها عشانك أنتِ.

تنحنح ثم أردف بصوت عذب و كأنه طير يغرد علي غصن الآيكة:
أحبيني بلا عقد و ضيعي في خطوط يدي
أحبيني بلا عقد و ضيعي في خطوط يدي
أحبيني لأسبوع لأيام لساعات
فلستُ أنا الذي يهتم بالأبدِ
تعالي، تعالي
تعالي واسقطِ مطراً على عطشي و صحرائي
و ذوبي في فمي كالشمع و انعجنِ بأجزائي
أحبيني بلا عقد و ضيعي في خطوط يدي
أحبيني بطهري أو بأخطائي
و غطيني أيا سقفاً من الأزهار يا غابات حنائي
أنا رجل بلا قدراً فكوني أنتِ لي قدري
آه أحبيني
أحبيني بلا عقد و ضيعي في خطوط يدي
أحبيني، أحبيني
أحبيني و لا تتساءلي

كيف و لا تتلعثمي خجلاً
و لا تتساقطي خوفاً
أحبيني، أحبيني
كوني البحر و الميناء كوني الأرض و المنفى
كوني الصحوة و الإعصار كوني اللين و العنف
أحبيني معذبتي و ذوبي في الهواء مثلي كما شئتي
أحبيني بعيداً عن بلاد القهر و الكبت
بعيداً عن مدينتنا التي شبعت من الموت
أحبيني معذبتي و ذوبي في الهواء مثلي كما شئتي
أحبيني بلا عقد وضيعي في خطوط يدي
آه آه أحبيني. كانت تستمع إلي غنائه لها بتعجب و دهشة، و عندما أنتهي صاحت و دفعته و جلست بركبتيها فوق الفراش:
– واه، كيف عرفت أني بحب كاظم و الأغنية دي كمان جوي.

غمره الشعور بالسعادة عندما رأي لمعة الفرح تنير عينيها فأخبرها :
– البركة في دفتر مذكراتك، تاني أحلي حاجة حصلت لي في حياتي، و أنتِ الحاجة الأولي. ضربت حُمرة الخجل وجنتيها من كلماته و غزله لها، أقتربت منه و سألته:
– ممكن تغنيها لي تاني؟ جذبها من يدها لتسقط علي صدره و قال:
– من عيوني، هغني لك زي ما أنتِ عايزة بس بعد ما هغني لك أغنية تانية هاتعجبك أوي. رمقته بعدم فهم:
– أغنية إيه دي؟

– دي ما بتتغناش، دي بتتحس.
عانقها و بشفتيه يعزف لها علي خاصتها أجمل ألحان الحب في سيمفونية من القبلات الحميمية، و أنامله تتجول علي منحنياتها كإصابع عازف بيانو ماهر.
أنغمر كليهما علي أجمل ألحان العشق لتبدأ معزوفة جديدة، فكان هو الموسيقار و العازف.

انت في الصفحة 6 من 8 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى