Uncategorized

إنذار بالحب بقلم نورهان العشري

حكايات نورهان العشري

إنذار بالحب بقلم نورهان العشري

تحت أمرك، السرد دلوقتي بقى بالعامية المصرية المظبوطة، مع الحفاظ على الحوار زي ما هو بالظبط عشان نفضل محافظين على روح المشهد:
في ركن بعيد ومداري في جنينة قصر “آل علام” الواسعة، كانت رنا قاعدة قدام لوحتها، وحواليها شجر الياسمين العتيق من كل ناحية. شمس الغروب كانت بتصبغ السما بألوان برتقالي حزينة، كأنها بتوصف حال قلبها بالظبط. فرشتها كانت بتتحرك بتوتر وعصبية، وبتحط لمسات قوية من ألوان غامقة على القماش، وكأنها بتحاول تفرغ شحنة الغض,,ب واليأس اللي كاتمة على نفسها من ساعة ما اتجبرت على خطوبتها من “رامي”.
فجأة، صوت غصن ناشف انكسر تحت رجل تقيلة.

مالتفتتش، افتكرت حد من العمال، أو يمكن رامي جه يضايقها بكلم,,اته اللي دمها تقيل. كملت رسم، بس في شعور غريب بالق,,بضة بدأ يتسحب لص,,درها. ريحة مألوفة.. ريحة برفيوم رجالي فخم، مخلوط بريحة خشب الأرز والتبغ الخفيف. ريحة مالمستش مناخيرها من سنين، بس محفورة في ذاكرتها زي وشم قاسي اتنقش بالدم.
إيدها وقفت عن الحركة. ونفسها اتحبس في ص,,درها. رفعت راسها ببطء شديد، وكأنها خايفة تتأكد من اللي جه في بالها.
كان واقف هناك، على بعد كام خطوة. ده منذر!
متغيرش كتير؛ طوله الفارع، ملامحه الحادة اللي محاوطها الغموض، ونفس العيون السودا الغويطة اللي تحسها بتخترق الروح.

كان لابس بدلة كحلي شيك، تليق بلقبه كجراح عالمي، وماسك البالطو بتاعه على ذراعه. وقف يراقبها في صمت، بنظرة فيها ميكس من البرود وحاجة تانية هي مش عارفاها.
منذر بنبرة رخيمة: بقلم نورهان العشري
ـ لسه بتقعدي ترسمي في نفس المكان؟ فعلًّا الحاجات الجميلة مابتتغيرش بسهولة.
وقع صوته على ودانها كان زي الصاعقة. يا ترى ده حلم ولا حقيقة؟ هو رجع بجد؟ ذاكرتها رمتها فوراً لليلة المشؤومة بتاعة زمان، لما راحت له وقلبها مليان حب عشان تقوله على مشاعرها قبل ما يسافر، فصدها بقسوة وهو بيقول:
“أنتي طفلة يا رنا.. حب إيه اللي بتتكلمي عنه؟

عيب الكلام دا في سنك. روحي يالا شوفي مذاكرتك و اشربي اللبن ونامي”
رمى كلم,,اته ومشي، وساب وراه جـ,ـرح ملمش رغم سنين الغياب.
جمعت شتات نفسها بالعافية وحطت الفرشة براحة، وقامت وقفت وهي بتستند على كبريائها المجروح. بصت له وهي بتحاول ترسم قناع من البرود التام على وشها.
رنا بصوت رسمي، جاف، وخالٍ من أي ترحيب: “دكتور منذر.. حمد لله على السلامة. مكنتش أعرف إن حضرتك وصلت مصر.”
رفع منذر حاجب واحد ببطء، وكأنه مستنكر لقب “دكتور” وكلمة “حضرتك” اللي رمتهم في وشه زي السد العالي. خطى خطوة واحدة لقدام، وفضل محافظ على بروده ورزانته.

منذر برزانة: “وصلت من كام ساعة. وجدي كان أول حد سألت عليه.. وواضح إن العيلة كلها كانت مشغولة بحاجات تانية، مكنش فيه حد في استقبالي غير رامي، و ماما”
رنا بابتسامة باهتة متكلفة: “أكيد. الكل مشغول في ظروفه. و رامي دلوقتي بقى مسؤول، وطبيعي يكون هو اللي في استقبال حضرتك، بما إنه بقى بما أته راجل البيت في غياب جدي.”
تجاهل كل الكلام وبص للبريق اللي بيلمع في صوابعها، حس بغصة قوية في قلبه وظهر ده في ملامحه اللي انق,,بضت، وبانت علامة استفهام قاسية في عينيه ونبرة صوته وهو بيقول:
ـ ايه اللي أنتِ لبساه دا؟!

عينيها لمعت وهي بترد عليه ببساطة استغربتها هي شخصياً: بقلم نورهان العشري
ـ دي دبلتي. أه انت متعرفش. أنا اتخطبت لرامي!
قالت الجملة الأخيرة بتحدي واضح، ورفعت إيدها الشمال عشان عينه تيجي مباشرة على دبلة الخطوبة البسيطة اللي خنقة صباعها.
وقف منذر مكانه. متهزش، ومظهرش عليه أي أثر للصدمة، بس عينيه ضاقت شوية وهو بيتأمل الدبلة، وبعدين بص لوشها تاني، كأنه بيقرا كتاب مفتوح.
منذر بهدوء مخيف:
“سمعت الخبر ده من جدي. مبروك يا رنا. بس غريبة. مكنتش أعرف إن ذوقك اتغير لدرجة إنك تختاري تتجوزي رامي.”
رنا بحدة مكتومة:
“الناس بتتغير، يا دكتور.

السنين بتعلمنا نختار اللي يناسبنا، مش اللي إحنا بنتمناه في خيالنا المراهق. ورامي ابن عمي، وبيحبني، وده كفاية بالنسبة ليا.”
ابتسم منذر ابتسامة جانبية ساخرة، ومال براسه شوية: “بيحبك؟ رامي مابيحبش غير نفسه يا رنا، انتي عارفة ده كويس. بس الواضح إنك مابقتيش بتهتمي بالحقيقة، بتهتمي بس بإنك ترضي أطراف تانية.. زي والدتك مثلاً؟”
رنا بغض,,ب حاولت تكتمه:
“حضرتك مسموح لك تتكلم عن أي حاجة، إلا خصوصياتي وقراراتي. أنا مش “الطفلة” اللي كنت بتديها دروس في الحياة زمان.

أنا دلوقتي ست مسؤولة عن قراراتها، وياريت تحترم ده.”
خطى منذر خطوة تانية، وبقى قريب منها جداً، لدرجة إنها شمت ريحة برفيومه بوضوح، وصوته بقى أوطى وأتقل: “أنا بحترم قرارات الست المسؤولة.. بس لما تكون القرارات دي نابعة من إرادتها، مش من غصب وخوف. أنا شايف الخوف في عينيكي يا رنا، حتى لو حاولتي تداريه ورا الرسمية دي. الدبلة اللي في إيدك دي تقيلة عليكي، تقيلة أوي.”
حست رنا إن رجليها مش شايلاها. قربه بيوترها، وكلامه بيلمس الحقيقة العريانة اللي بتهرب منها. بس جـ,ـرح كرامتها كان أقوى من أي حاجة.
رنا بصوت بيرعش شوية، بس حازم:

“الخوف اللي في عيني، دا طبيعي عشان داخلة على مرحلة جديدة في حياتي.. وياريت بلاش نتطرق لأمور شخصية. أنا ورامي حياتنا تخصنا إحنا وبس”
كان منذر باصص لها بعمق، بثقة وهدوء مبيتهزش:
“ما تخصكيش لوحدك يا رنا. تخص “عيلة علام كلهم. وأنا رجعت عشان جدي بعتلي لأن فيه حاجات كتير محتاجة تتصلح.. ومنها الجوازة دي.”

السابقانت في الصفحة 1 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى