Uncategorized

و كان لقاؤنا حياة سهام صادق١

قالتها “ريناد” وهي تشير نحو “خديجة” التي حاولت التلاهي بالنظر لأي شىء أمامها. – أنا قولت هتاخدي أختك وخلاص، الحفله هتخلص متأخر… إزاي هترجعي لوحدك بعد نص الليل. امتعضت ملامح “ريناد” ثم أشاحت عيناها بعيدًا تتأفف بضجر. – خلاص يا ماما مع إنها مش هتتبسط وسط صحابي وممكن يضايقوها بكلامهم. – “ريناد” أنا قولت كلمتي خلاص مش معنى إني بشجعك إنك تخرجي وتسهري وتكوني منفتحه إني اتساهل معاكِ في كل حاجة. إزدادت ملامح “ريناد” تجهمًا، فأسرعت السيدة “ثريا” في احتضان ابنتها المدلله القريبة لقلبها تمسد فوق خصلات شعرها.

– اسمعي كلامي يا حبيبتي، أنتِ عارفه أنا بخاف عليكِ إزاي. ابتسامة واسعة ارتسمت فوق ملامح “ريناد” عندما تلاقت عيناها بعينيّ “خديجة” التي أسرعت في خفض رأسها أرضًا وقد اعتصر الألم قلبها. إنها لم تشعر بحب والدتها لها يومًا رغم إغداقها على شقيقتها بحنان تتمنى لو تحصل منه على جزء حتى لو بسيط، والدها وحده من أحبها. الحسرة اِحتلت قلب “خديجة” حتى عيناها فضحت حسرتها، مما جعل “ريناد” تشعر بغبطة لأنها دائمًا مميزة لدى والدتهم.

ابتعدت السيدة “ثريا” عن “ريناد” بضعة سنتيمترات لتفحص هيئتها بتدقيق ثم أشارت لها بالإلتفاف. – قمر يا حبيبتي وهتخـ,ـطفي كل الأنظار ليكِ النهاردة في الحفلة. – بجد يا مامي. ويا للغبطة التي تحتل قلب السيدة “ثريا” وهي ترى تدلل ابنتها وجمالها، إنها تُذكرها بنفسها في شبابها لكنها لن تجعلها تلقىٰ نفس مصيرها وتتزوج من مجرد موظف شريف لم تحصل من ورائه إلا على الفقر دونًا عن بنات عائلتها. النظرة التي حملت الغبطه تحولت لنظرة حانقة عندما رمقت “خديجة” التي ارتدت بنطال من الجينز وقميص باللون الوردي.

– أنا مش قولتلك متلبسيش حاجة فاتحه عشان متظهرش الكلاكيع اللي في جسمك. وكأن والدتها انتبهت على ما ترتديه. كتمت “ريناد” صوت ضحكاتها عندما استمعت لتوبيخ والدتها لشقيقتها ثم أشاحت عيناها وأخذت تُداعب خصلات شعرها المموجة بيديها. لا ملابس بألوان فاتحه يمكن أن ترتديها؛ عليها أن تختار الملابس الواسعة والغامقة وكأن سمنتها عار عليها. اتجهت “خديجة” لغرفتها لتبدل قميصها وهي تُقاوم ذرف دموعها ، لن تبكي الآن عليها الإنتظار بضعة ساعات حتى تختلي بنفسها. لم تكن “خديجة” تُحِب تلك الحفلات التي تأخذها إليها شقيقتها لكنها كانت عليها مرافقتها.

الموسيقى الصاخبة وتلك القِناعات التنكرية التي يضعونها على وجههم ورقصهم وإلتصاق الأجساد ببعضها كل هذا كان يُثير إشمئزازها. – خدي يا “خديجة” جبتلك طبق فيه كل أنواع الجاتوهات، اقعدي كلي وركزي في الحاجة الوحيدة اللي بتحبيها. قالتها “ريناد” وهي تُعطيها طبق الحلوى ثم أسرعت نحو أصدقائها لتندمج معهم بالرقص. تعلقت عينيّ “خديجة” بشقيقتها وأرادت التحرك خلفها وإلتقاط يدها وإخبارها أن عليهم مغادرة هذا الحفل لكنها تراجعت… ففي النهاية لا تتلقىٰ إلا الكلام اللاذع من شقيقتها و توبيخ والدتها.

بيأس نظرت نحو طبق الحلوى ثم بدأت تتناول منه دون شهية؛ فهي لا تحب الطعام كما تظن والدتها وشقيقتها بل تجد فيه ملاذ لحزنها.
… توقف “خالد” جوار الطبيب المختص بعدما غادر غرفة والدته وقد اتجهت شقيقته “نورسين” نحوه بهلع بعدما علمت من الخادمة عند عودتها للمنزل أنه تم نقل والدتها للمشفى. – ماما حصلها إيه يا “خالد”؟! إندفعت “نورسين” لحـ,ـضن شقيقها تشعر بالندم، ما كان عليها أن تتحدث عن ذلك الطفل -الذي لن تعتبره أخَاهَا يومًا- أمام والدتها.

اِبتعد الطبيب عنه ليمنحهم بعض الخصوصية. – ماما بخير يا “نـور” ، كفايه عياط. أبعدها “خالد” عن حـ,ـضنه ثم احتوى وجهها بين كفيه ومسح دموعها. نظرات شقيقته له ذكرته بنظراتها عندما كانت صغيره. “نورسين” لم تكن إلا فتاة والدها المدلله عندما كان يريد والدهم عقابها كان يعاقبها بالخصام. هو يعلم تمامًا أن فَاجِعة زواج والدهم لن تتجاوزها شقيقته بسهولة حتى والدته المرأة الرقيقة التي لا تستحق من والده أن يطـ,ـعنها بهذا الشكل. “سامحك الله يا أبي”

هذا ما ردده “خالد” داخله، لقد تركه والده في وضع لم يَظُن يومًا أنه سيعيش بِه. غادر “خالد” المشفى بعدما أصرت “نورسين” عليه أن يغادر هو وتبقىٰ هي مع والدتها. ليأخذ قسطًا من الراحه ولكن من أين ستأتي له الراحه هذه الأيام. … صدحت أصوات الموسيقى الصاخبة بشكل مبالغ فيه وقد ارتفعت أصوات التهليل مما أفزع “خديجة” التي ألهت حالها بإطعام القطة الصغيرة التي وجدتها بحديقة المنزل الذي يُقام به حفل العيد ميلاد. نظرت نحوهم “خديجة” بأعين متسعة من الذهول والصدمة وقد انتبهت أخيرًا نحو شىء لم تظن أنهم يفعلوه.

الأكواب البلاستيڪية التي يضعون بها العصائر والمشروبات الغازية وتلك الزجاجات التي ظنت أنها مياة غازية مستوردة ما هي إلاّ خُمور. شهقة حملت صدمة صاحبتها عندما وقعت عيناها على شقيقتها التي كانت تشرب من تلك الزجاجات وأرادت أن تجعلها تشرب منها لكنها رفضت لإعتيادها على تناول مشروب المياة الغازيه “الكوكاكولا”. – بتشربي خمره يا “ريناد” ، طيب والله المرادي ما أنا ساكته وهقول لماما. اِندفعت “خديجة” نحو شقيقتها التي تحركت مع أحد الأشخاص لداخل الڤيلا. أسرعت “خديجة” في خطواتها نحوها وقد بدأت العديد من السيناريوهات تقتحم عقلها عما يحدث بالداخل مع شقيقتها.

••••••••••••••• الفصل الثاني لم تستوعب “خديجة” ما تراه أمامها، شقيقتها تجلس جوار أحدهم ملتصقة به وتلتقط منه لفافة التبغ. شهقة قوية خرجت منها وهي تتجه نحوها وقد انتفض الجالس جوار شقيقتها من مكانه. – هي حصلت يا “ريناد” بتشربي سجاير. صاحت بها “خديجة” ثم التقطت السيجارة من كف “ريناد” التي حدقت بها بوجه مستاء. – إيه رأيك تخدي نفس يا حلوة. قالها الواقف وهو يترنح في وقفته و اقترب من “خديجة” التي حملقت به بفزع وقد أخفت فزعها بصراخها عليه.

– أبعد عني القرف ده… شكلها أصلًا مش سيجارة عادية. ارتفعت قهقهة الواقف كما ارتفعت قهقهة “ريناد” التي لم تَكُن تشعر بشىء حولها إلا أنها تطير فوق السحاب. – هات يا “كامل” السيجارة بتاعتك أصلها عملتلي دماغ حلوه… حاولت “ريناد” النهوض لتتجه نحو “كامل” لكنها تهاوت فوق الأريكة مرة أخرى. – قومي يا “ريناد” خلينا نمشي من هنا… والله لهقول لماما على اللي عملتيه النهارده… هم دول أصحابك ولاد الناس.. دول فاشلين. حاولت “خديجة” سحب شقيقتها من فوق الأريكة لتُخرجها من هذا المكان لكن “ريناد” دفعتها عنها.

– إبعدي عني. – “ريناد” أنتِ تعرفي البنت دي. تساءَل الواقف بملل بعدما بدأ يشعر بالضيق من وجود “خديجة” التي قطعت عليهم لحظة استمتاعهم. أشارت “ريناد” نحو “خديجة” ثم ارتفع صوت ضحكاتها. – لا معرفهاش. حدقت بها “خديجة” بصدمة وقبل أن يخرج صوتها صائحًا بـ “ريناد” المغيبة من أثر ما تجرعته وجدت جسدها يتهاوى فوق المقعد وقد حاصرها “كامل” بذراعيه ثم نفث دخان سيجارته بوجهها. سعلت “خديجة” بشدة وصرخت به. – إبــعــد عــنــي. “ريناد” إبعديه عني وخلينا نمشي من هنا.

… في الولايات المتحدة الأمريكية داخل أحد المشافي الكُبرى كانت “هيلين” تخرج من غرفة أحد المرضى ثم اتجهت إلى غرفة الأطباء. تهاوت فوق مقعدها، فمازال متبقي على إنتهاء مناوبتها خمس ساعات. دلف أحد الأطباء متسائلًا وهو ينظر نحو “هيلين”. – هل ما سمعته صحيح؟ ضاقت عينيّ “هيلين”، فما الذي يقصده” ألبرت” بكلامه. – “خالد” قدم استقالته من المشفى وسيستقر بمصر. طالعته “هيلين” وهي لا تستوعب ما يُخبرها به “ألبرت”. – ما الذي تقوله “ألبرت” ؟

“خالد” من المفترض أن يستلم بعد اسبوعين عمله كأستاذ جامعي بـ ستانفورد…، كيف له أن يترك ما وصل إليه هكذا. هز “ألبرت” رأسه في حيره، فهذا ما سمعه من مدير المشفى. – هذا ما سمعته للتو “هيلين” لكن كيف لم يكن لديكِ عِلم بهذا القرار. تساءَل “ألبرت” بخبث وهو ينظر لملامح “هيلين”، إنه سعيد للغاية اليوم… فهذا العربي الذي لا يطيق وجوده بسبب تفوقه ونبوغته سيرحل تمامًا ويعود لموطنه. التقطت “هيلين” هاتفها بعُجالة ثم غادرت الغرفة تحت نظراته المتخابثة.

زفر “خالد” أنفاسه بقوة بعدما صدح رنين هاتفه والتقطت عيناه اسم “هيلين”. أجاب عليها على الفور لأنه يعلم سبب اتصالها وقد خرج صوته متحشرجًا. – مرحبًا “هيلين”. لم تجيب “هيلين” تحيته، فما يشغل عقلها الآن ما سمعته من “ألبرت”. – هل ما أخبرني به “ألبرت” صحيح “خالد”، أنا كنت أحادثك منذ أيام لما لم تخبرني بقرارك. هذا المسمى بـ “ألبرت” يعلم نواياه تمامًا. – أنا سآتي لأمريكا بعد بضعة أيام لأنهي كل الأمور العالقة وسنتحدث هيلين”.

– سترحل “خالد” ! ، أين هو وعدك لي؟ أليس من المفترض أن نتزوج هذا الصيف؟ صوتها المختنق يُشعره بالإستياء لكن ما عساه أن يفعل… كل شىء سقط فوق رأسه وأصبح الآن هو المسئول عن عائلته وشركة أبيه. لقد ظن أنه سَيُكمل حياته بأمريكا كطبيب لكن وفـ,ـاة والده وكارثة زواجه السري الذي كسر فؤاد والدته وحطم شقيقته وذلك الأخ الصغير الذي أصبح تحت وصايته؛ كل شىء حدث فجأة وحطم أحلام سعى إليها لسنوات. – من فضلك “هيلين” اجعلي حديثنا عندما آتي إليكِ.

… سقطت دموع “خديجة” بعجز بعدما تمكن – ذلك المدعو “كامل” ورفاقه- من محاوطتها. لا تعرف متى وكيف أصبحت محاصرة بهم. أغمضت عيناها عندما شعرت بالرعب من أصوات تهليلهم حولها وكأنهم يقومون بطقوس خاصة. – ابعدوا عني ، ابعديهم عني يا “ريناد”. لكن “ريناد” لم تكن بوعيها بل كانت تفعل مثلما يفعلوا. أغلقت “خديجة” فمها بقوة لتمنع فوهة تلك الزجاجة من لمس شفتيها. حاولوا جعلها ترتشف الخمر لكن عندما شعروا بالضجر من إغلاقها لفمها رفعوا زجاجات الخمر وسكبوها فوق رأسها.

تعالا صياحهم وهم يشعرون بالسعادة لرؤيتهم لها وهي ترتجف بهذا الشكل. استكملوا طقوسهم وصياحهم وقد ارتفعت أصوات الموسيقى وأخذ البعض يندمج في الرقص. توسلت لشقيقتها بنظرات صامته لكن “ريناد” كانت مثلهم تترنح وتُهلل مع صخب الموسيقى. حاولت “خديجة” بإستماته التحرر من تقيدهم لها لكن ثُقل وزنها حال دون ذلك. الذُعر احتل عيناها وهي تراهم يحملون المِقْعَد الذي أجلسوها وقيدوها عليه عُنوة. خرج صوتها بتحشرج تبحث عن شقيقتها بينهم وتناديها. – “ريــنــاد”. عندما اقتربوا بها من المسبح صرخت بكل قوتها.

– لاااا. ارتفع صياحهم مجددًا بحماس بعدما ألقوا بها في المسبح ثم عادوا لرقصهم وكأن شيئًا لم يَكُن. توسعت أعيُن حارس الڤيلا وقد شعر بالصدمة مما يحدث. لم يترك لعقله لحظة للتفكير واندفع بهروله نحو المسبح. توقف الجميع عن الرقص والتهليل ثم سلطوا أنظارهم نحو المشهد. بدأ البعض يفيق من حالة اللاوعي التي جعلتهم يستمتعون برؤية أحدًا يُصارع المـ,ـوت. بدأت “ريناد” تفيق أخيرًا وهي ترى شقيقتها تلتقط أنفاسها بصعوبة ويُساعدها ذلك الحارس بالخروج من المسبح.

– أنتِ كويسة؟! سألها الحارس الشاب، فهزت رأسها بضعف له. الجميع أصبح يسلط عيناه على المشهد، البعض كان متأثرًا والبعض الآخر لا يفرق معه الأمر… فهم هنا ليستمتعون. عادت الموسيقى ترتفع مرة أخرى ليستكملوا سهرتم. – متجيش مكان زي ده تاني، الناس دي مش شبهنا. قالها الحارس وهو يعطيها غطاء إحدى الطاولات لتلفه حول جسدها. ارتجف جسد “خديجة” وسُرعان ما خرجت شهقاتها بصوت مرتفع. طالعها الحارس بشفقة وحزن ثم أخذ يلعن هؤلاء الشباب.
لا يصدق أن استهتارهم وصل بهم لهذا الحد.

– خليكي هنا، هدخل أشوفلك حاجه عندي ينفع تلبسيها عشان تعرفي تروحي. أشار الحارس بيده نحو الغرفة الصغيرة التي يسكن بها لحراسة الڤيلا التي دائمًا يقوم صاحبها بتأجيرها. تحرك الحارس نحو الغرفة ليبحث لها عن شىء ترتديه. تعلقت عينيّ “خديجة” به ومازالت دموعها تنهمر فوق خديها. غادرت “خديجة” الڤيلا وهي تضع يديها فوق أُذنيها لتمنع صوت الموسيقى الصاخب من إختراق روحها المهشمة. بخطوات شاردة سارت “خديجة” في ذلك الطريق الخالي من المارة لا تشعر بشىء حولها حتى برودة الهواء التي اخترقت عظامها.

إنها حتى هذه اللحظة لا تُصدق ما عاشته من رعب على أيديهم، جعلوها كالأضحوكة حتى “ريناد” شقيقتها تعاونت معهم. استمرت دموعها بشق طريقها إلى خديها وارتفعت أنفاسها عاليًا بسبب شعورها بالإختناق الشديد. ….. شعر “خالد” بالإختناق بعدما أنهى مكالمته مع “هيلين”، إنه بالفعل كان على وشك إعلان رغبته -لوالديه- بالزواج منها فهو وجد حياته بأمريكا ولا يرغب بالإستقرار بالوطن لكن مـ,ـوت والده المفاجئ غَيّر جميع خططه. أخذته أفكاره لذلك اليوم الذي علم فيه بزواج والده.

كان في مؤتمر طبي بدولة الإمارات وبعد إنتهاء المؤتمر قرر الذهاب لوالده. « فلاش باك ». منذ ثمانية أشهر. – إلى أين أنتَ ذاهب “خالد”؟ تساءَلت “هيلين” التي كانت من ضمن الفريق الطبي المبعوث إلى الإمارات ثم بعدها نظرت لساعه معصمها وأردفت: – مازال الوقت معنا، ما رأيك أن نتجول بالمدينة إلى أن يأتي موعد طائرتنا. – اعذريني “هيلين”، يجب عليّ رؤية والدي… أنتِ تعلمين أن والدي لديه أعمال هنا وهذه الأيام هو هُنَا في الإمارات.

مطت شفتيها بحنق بعدما علمت أن أمر تجولهم سويًا قد ضاع. – سأذهب لرؤيته ،هو لا يعلم بتواجدي هُنَا. قالها “خالد” ثم نظر إليها آسفًا.

انت في الصفحة 2 من 11 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى