أشرف يحبك منذ زمن، ولكنه مثل الجميع كان يجب عليه احترام القواعد التي تربينا عليها.
تشدقت ساخرة:
اخرجي الحب من حديثنا يا أمي بالله عليكِ، إنها القواعد كما قلت، فبعد مــ,,ـــــوت فراس لا يجب ترك أرملته هكذا، لذا فالزواج هو أنسب الحلول.
فريال بنفاذ صبر:
لا تجعلي الأمر بهذا السوء، لطالما شعرت بمشاعرك نحوه منذ أن كنتِ مراهقة، وأعلم انه كان فارس أحلامك بيوم من الأيام .. فلتتجاوزي عن كل ما حدث في الاربع سنوات الماضية، ولتسعدي معه ما رأيك؟
مزقت ثوب الألم بابتسامة مريرة لم تصل إلي عينيها وقالت ساخرة:
أحقًا
تسأليني عن رأيي؟ أمي هل حددتي معه موعد الزفاف أم لا؟ هيا أخبريني لا تخجلي.
ضاقت ذرعًا من حديثها الذي يحمل من الصواب الكثير، وذلك الإحساس الغبي بالذنب، الذي لا تعلم من أي جهة تسرب إليها فهدرت بنفاذ صبر:
سأتجاوز عن تلك السخافات وسأعتبر أن هذه موافقة مبدئية.
رفعت أحد حاجبيها ساخرة، فتجاهلت فريال حديثها إذ قالت بجفاء:
اقترح أن نعقد القرآن وتتاح لكليكما فرصة للتعرف إلى بعضكما عن قرب، وبعدها سنحدد موعد الزواج.. وهكذا لا يكون الأمر مُجحفًا لأحد، ما رأيك؟
مرت
شاحنة القدر فوق قلبها مرة أخرى، بينما هي تقف كعادتها مكتوفة الأيدي، تنظر إلى ما يحدث حولها وكأنه لا يعنيها، بينما الأحداث تمر من خلالها وتضعها في طرقات مجهولة لا تعلم حتى إن كانت تمتلك القدرة على خوض غمارها.
“لا فرق عندي.. فلتفعلي ما ترينه مناسب.. كما تفعلين دائمًا.”
قالت جملتها الأخيرة بسخرية مريرة لم تخطئها فريال، التي لاحقتها بأعين اختلط بها الشفقة والغضب معًا.
**************
بارك
الله لكما وبارك عليكما”
تمايلت هناء بين يدي شاهين بدلال وهي تتلقي التبريكات والتهاني من الجميع، بينما هو كان صامتًا، فقط ابتسامات خالية من المرح لم تصل إلى عينيه مجاملة للمهنئين، ويديه تحتضن خصر زوجته الجديدة وداخله شعور غريب لا يمت للفرح بصلة ولا يقترب من الحزن، فقط عدة صور تجتاح مخيلته ووجوه يتمنى لو يراها الآن ويعرف وقع فعلته عليها.
“حبيبي.. هيا لنرقص قليلًا.”
هكذا تحدثت هناء بجانب أذنيه، فأجابها بسخريته المعهودة:
تعرفين أنني لن أقف بمنتصف الغرفة وأهز بخصري يمينًا ويسارًا.. لذا انسي الأمر.
اغتاظت من حديثه وقالت بلوم:
هل ستحزنني بيوم زفافنا؟
شاهين
ساخرًا:
لم أخطط لذلك، ولكن الأمر متروك لكِ.
زمت شفتيها وقالت بعدم رضا:
إذن سأرقص أنا.
لم يتأثر قيد أنملة، فقد اكتفى قائلًا بملل:
توقفي عن العبث واستمتعي بالقدر الذي أسمح لكِ به.
أنهى جملته وهو يشدد من احتضانها، ثم أردف بغمزة محذرة:
هذا أفضل للجميع.
فهمت على الفور أن النقاش معه مضيعة للوقت، فهي تعلم كم هو متملك غيور، وقد كانت شخصيته تلك التي جذبت انتباهها إليه، إضافةً إلى الأساسيات كونه محاميًا لامعًا وابن عائلة ثرية مع مزيج مثير من الرجولة الفذة التي تتمثل في طول فارع وملامح خشنة بقدر وسامتها، مع القليل من العبث والكثير من السخرية التي كانت جزءًا لا يتجزأ منه.
كان
رجلاً لا يقاوم يجذب النساء كما تجذب ألسنة اللهب الفراشات علي الرغم من كونه متزوج، ولكن ذلك الأمر لم يشكل لها عقبة في اعتزامها على الفوز به والقبول بأن تكون زوجة ثانية، وهي التي لم يسبق لها الزواج من قبل، ولكنه كان إغراء من المستحيل عليها مقاومته وبعد محاولات وخطط دامت لستة أشهر، ها هي الآن تصل إلى مبتغاها وتصبح زوجته.
“هيا
سنكمل سهرتنا في مكان آخر.”
هكذا تحدث وهو يقودها بين الجموع دون أن يكترث لنظراتهم المستفهمة، فقد تجاهل حتى الأسئلة الصريحة وتحرك بفظاظة وغرور يميزه ليخرج وهي معه إلى سيارته، التي كانت فارهه تشبه كل شيء يمتلكه.
“عزيزي لقد تصرفت بفظاظة مع أصدقائي.. أظنهم غاضبون الآن”
هكذا تحدثت هناء بدلال يشوبه اللوم، فأجابها بفظاظة وعينيه مسلطتان على الطريق أمامه:
عليهم أن يعتادوا، حتى لا يغضبوا كثيرًا في المستقبل.
كلماته أثارت حنقها أكثر، ولكنها حاولت أن تخفي ذلك قائلة برقة مفتعلة:
وماذا لو أخبرتك بأنني أغضب من طريقتك هذه.
أفرجت
شفتيه عن ابتسامة ساخرة تشبه لهجته حين قال:
باستطاعتي امتصاص غضبك حتى آخر قطرة، فقط أخبريني عندما تكوني غاضبة.
ردود ذلك الرجل قد تصيبها بجلطة دماغية ذات يوم، لذا آثرت تغيير دفة الحديث وابتلاع حنقها، إذ قالت بدلال:
إلى أين تأخذني؟
“ستعرفين بعد قليل.”
ابتلعت غصة غاضبة بحلقها ورسمت ابتسامة جميلة فوق ملامحها وهي تنظر أمامها بعد أن آثرت الصمت، حتى تحافظ على الباقي من ثباتها أمام كتلة الوسامة والجليد القابع بجانبها.
ماهي
إلا ثوان حتى توقفت السيارة أمام أحد الفنادق، والذي لم يكن فارهًا ولا من ضمن لائحه الفنادق التي يرتادها أفراد الطبقة المخملية، فانكمشت ملامحها بصدمة، ترجمتها شفاهها على هيئة استفهام مستنكر:
لماذا توقفت هنا؟
أجابها بخفة أفزعتها:
لقد وصلنا.
لم
تستطع إخفاء صدمتها ولا نفورها وهي تترجل من السيارة خلفه، لتقع عينيها على بساطة المكان، التي تتنافى بقوة مع جموح تخيلاتها عن كيفية قضاء ليلة زفافها بأرقى الأماكن في المدينة، والآن تحطم سقف توقعاتها العالية فوق رأسها وهي تخطو بجانبه إلى القاعة، التي كانت دافئة تحمل طابعًا شرقيًا أنيقًا، تزينه شموع تفرقت بصورة مدروسة في جوانب المكان أضفت جوًا حالميًا دافئًا في المكان، الذي كان يتوسطه طاولة صغيرة تحمل مأكولات وحلويات كثيرة معدة لشخصين، وبجانبها طاولة اصغر يوجد بها أنواع عديدة من المشروبات، وقد صمم كل شيء بطريقة جميلة وأنيقة، ولكنها لم تكن كافية لإرضائها، فالتفتت تناظره بغضب انبعث من عينيها،
ولكنها حاولت تفاديه في نبرتها حين قالت:
أهذا هو المكان الذي خططت لأن نحتفل به بزفافنا؟
لون الصفاء معالمه وكذلك نبرته، حين قال وعينيه تبحران حوله بإعجاب مثير لأعصابها:
نعم.. ما رأيك أليس رائعًا؟
أغمضت عينيها لثوان تحاول قمع أعيرة غصبها في العبور من بين شفتيها اللتان زمتهما بقوة، قبل أن تطلق زفرة قوية حارقة من جوفها، ثم قالت بنبرة هادئة مغايرة تمامًا لما تشعر به:
أجل.. رائع.. بل أكثر.
ازدادت ابتسامته وحاوطها بذراعيه فألصق ظهرها بصدره وهو يقول بجانب أذنيها بلهجة خشنة:
كنت أعلم أنه سيعجبك.. هيا لنحتفل.
ابتلعت
حنقها منه ومن هذا المكان اللعين وتوجهت معه إلى الطاولة المعدة خصيصًا لهما، وجلست أمامه تنتظر النادل الذي أتى ووزع المشروبات بناءًا على طلبها، فلم تكن لها شهية للأكل وكذلك هو، وهكذا انتصف الليل وهي جالسة معه تتجاذب أطراف الحديث، بعد أن اقنعت نفسها بأن تغض بصرها عن كل شيء حولها ما عداه، فهو هدفها وزوجها وغايتها الدائمة.
************
يمر قطار العمر حاملًا معه ذكريات وأحلام، وربما أمنيات كانت مدفونة بين طيات قلوبنا، التي أرهقها كثرة ما تحمله من أثقال لا نعلم بأي محطة سنسقطها؟ أو ربما سنسقط نحن ونفارق؟
ويا ليت الحياة تصنع لي معروفًا وتغادرني مثلما غادرتها منذ أمدًا بعيد.. فلا أنا أشعر بأنني على قيدها ولا هي تشعر بوجودي..
نورهان العشري ![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
انقضى
أسبوع لا تعلم كيف مر عليها، ولا كيف استطاعت التماسك وهي ترى حياتها تمر من أمامها، فقد جاء “أشرف” لخطبتها وتم الاتفاق على عقد القرآن بنهاية الأسبوع أي اليوم!
أجل اليوم سيعقد قرانها على ذلك الفارس الذي حلمت به ذات يوم، لتستيقظ على كابــ,,ـــــوس انتمائها لآخر!
رجفة قويه ضــ,,ـــــربت أنحاء جسدها الذي اهتز ما أن مر ببالها عينين متوهجة بنيران لا تعلم منبعها، ولكنها لا تنضب أبدًا كما لم ينضب خوفها منه!
“مات فراس.. اهدئي يا نور.. لم يعد موجودًا..
لا داعي للخوف.”
هكذا رددت شفاهها وهي تحتضن نفسها أمام المرآة لتنعكس صورة لشبــ,,ـــــح امرأة حاصرتها الأشواك بكل مكان، وانتزعت الأيام بهجة شبابها الذي كُتِب عليه المــ,,ـــــوت مدفونًا بين جدران ذلك المنزل وتلك العائلة.
صورتها المزرية في المرآة كانت كالشرارة التي أيقظت كبريائها الأنثوي، الذي أبى عليها الظهور بمظهر العجوز الشمطاء، وأيضًا حفاظًا على ما تبقى من ماء وجهها أمام الجميع والذين حتمًا يعلمون أنها مجبرة على هذه الزيجة،
التقطت يداها أدوات زينتها وأخذت ترسم ملامحها بإتقان وكأنها لوحة وقعت فريسة لأيدي تتوق إلى التمرد وكسر جميع قيودها.
“نور..
هل انتهيت؟”
هكذا تحدثت هدى وهي تدخل إلى الغرفة، لتتصنم بمكانها حين التقمت عينيها تلك التي بدت كحورية هاربة من أحد العصور القديمة بذلك الزي الذي يعانق خصرها بقوة أظهرت مدي رشاقته، يضيق من الأعلى ليبرز جمال منحنياتها ودقتها وينسدل في دوامات بسيطة تصل إلى أعلى كاحلها، يتجانس لونه الزمردي مع شعرها الأشقر الذي رفعته إلى الأعلى في ثنايا متموجة، حدت من طوله ليصل إلى منتصف ظهرها، بينما تركت بعض الخصلات الهاربة من الجانبين لتشعراها بنوع من التحرر الذي تحتاجه.
فيما
كان وجهها كتمثال جميل نُحِت بأيدي فنان مبدع أتقن رسم تفاصيله بحرفية، بدأً من جبهة عريضة بيضاء نضرة وعينين تعانقت بهما أشجار الزيتون، يحاوطهما سياج من الرموش الكثيفة التي ظللتها بطريقة أضفت لها طولًا وكثافة، وأنفها الدقيق الذي يرتفع عند مقدمته يتوسط خديين تناثرت على ضفافهما الورود الحمراء التي شابهت لون ثغرها الممتلئ، الذي يعلو ذقن دقيق، فكان وجهها آية في الجمال، الذي ضاعفه رقبة طويلة تزينت نهايتها بقوس مميز على هيئة عظمتي الترقوة البارزتان بإغراء من مقدمة ثوبها:
أجل، انتهيت
أجابتها نور متجاهلة صدمتها، ولكن هدى لم تستطع إلا أن تقول بانبهار:
أنتِ
آية في الجمال يا نور، فليحفظك الله.
شوهت ملامحها الجميلة إبتسامة ساخرة أضفت مرارة قاسية إلى لهجتها حين قالت:
أحقًا تدعين بأن يحفظني الله؟ وأنا الذي ظننت بانكِ تكنين لي بعض المشاعر يا هدى!
تنافت ملامحها الجميلة مع تلك المرارة التي تقطر من حروفها وتنبعث من عينيها التي لم تفلح في تزيين نظرات الألم بهما، لذا اقتربت منها هدي قائلة بلهجة يشوبها الشفقة:
هوني على نفسك يا نور، وأحسني الظن بالله، فمن يعلم ماذا يخبئه الغد؟
اومأت برأسها في محاولة لتصنع اللامبالاة، وهي تهندم ثوبها من الأمام قبل أن تقول بملل:
صدقيني لم أعد أهتم..
هيا لننزل حتى لا نجعلهم ينتظرون أكثر.
لم تستطع هدى أن تمرر ما حدث، فرغمًا عنها تقدمت واحتوت نور بضمة قوية كانت الأقسى على ثباتها الذي تشحذه بكل الطرق، فتبدلت نظراتها إلى أخرى ليلية ملبدة بسحب كثيفة قد تنفجر في أي لحظة وهي في غنى عن ذلك، لذا اكتفت بأن تربت بلطف فوق كتف هدى وتنتزع نفسها من بين ذراعيها بخفة تزامنًا مع الطرق على باب الغرفة، الذي انفتح وأطل منه عمها زين النعماني، الذي كانت الشفقة تحيط بقلبه لأجل تلك الفتاة لسبب لا يعلمه، ولكنه تجاهل ما يشعر به وهو يقول بوقار:
مُبارك لكِ يا نور.. تبدين رائعة.
تمتمت
بخفوت:
شكرًا لك.
تساءل في حرج:
هل أنتِ جاهزة؟ لقد وصل الشيخ بالأسفل.
ابتلعت غصة صدئة تشكلت في حلقها، وقالت بجمود:
نعم.. هيا لننزل.
تأبطت ذراعه وخطت بأقدام تتوسل لها أن تهرب وتركض بعيدًا عن هذا المكان وهؤلاء الناس ولكنها كانت أجبن من أن تفعل ذلك .. على الرغم من هذا الشعور المقيت الذي يهيج داخلها منذ البارحة، حتى سلب النوم من عينيها بأن هناك كارثة ستحدث!
زفرت
بقوة وكأنها تريد أن تخرج خوفها مع ذرات ثاني أكسيد الكربون، ليتناثر في الهواء بعيدًا عنها، ولكن كلما خطت خطوة تعاظم الخوف بداخلها أكثر حتى أن دقاتها صارت تتخبط بصدرها بطريقة مؤلمة، جعلتها تتوقف عند أسفل الدرج لثوان تحاول تنظيم أنفاسها الهاربة ودقات قلبها الثائرة
“ماذا هناك؟ لم توقفتي؟”
هكذا جاءها استفهام عمها لتبلل حلقها وهي تجاهد حتى تخرج كلماتها، حين قالت بخفوت:
لا شيء، هيا لنكمل.
أطلت
بشمسها على أعين الموجودين التي اتسعت بعضها إعجابًا وبعضها اندهاشًا وآخر استنكارًا، ولكنها لن تكن في وضع يسمح لها بمراقبة ما يحدث، فقد كانت بوادي آخر تجاهد لإخراج أنفاسها التي تثقل أكثر وأكثر، حتى أصبحت على وشك الاختناق، فلم تلحظ أنها جلست على طاولة عقد القرآن بجانب عمها وفي المقابل كان أشرف يناظرها بأعين تلتمع بوهج الحب والإعجاب، الذي كان يقطر من نظراته، ولكنها أيضًا لم تلاحظ!
“هيا لنبدأ.”
هكذا تحدث الشيخ وهو يمد إليها دفتره بيد وبالأخرى يناولها قلمه لتملئ الاوراق فلم تعرف ماذا دهاها؟
شعرت بأن يديها تيبست ولم تستطع التحكم بها، فتوقفت جميع الأعين عليها بترقب جعل دمائها تثور خجلًا ورهبة، ولكن جاء صوت زين لينقذها حين قال بوقار:
هيا يا أشرف وقع أنت أولًا ونور ستوقع بعدك.
اومئ أشرف بصمت وقام بالتوقيع على الأوراق، ثم مد يده الممسكة بالقلم إليها ووقع للحظة فريسة لعينيها الفاتنة، التي بدت ضائعة تتململ كزورق تتقاذفه مياه الحيرة، فلا هو يغادر مكانه ولا يذهب في طريق مرساه.
“هيا يا نور..
وقعي.”
أخرجها من بحر حيرتها صوت عمها الصارم، فابتلعت شهقة ذعر داهمتها وبصعوبة مدت يديها لتمسك بالقلم وبداخلها شعور مريع يراودها بأنها قاب قوسين أو أدنى من المــ,,ـــــوت، الذي جاء على هيئة زئير قوي تزلزلت له الأبدان:
بحق الجحيم ما الذي يحدث هنا؟
كان الأمر أشبه بسفينة عادت إلي شطها مهزومة ، مُثقلة بـ تصدعات وشروخ خلفتها عواصف وأعاصير رحلة مُضنية مع القدر. وحين لاحت بوادر الإتيان إلي ديارها. لم تواتيها الجرأة على معانقة مرساها أو الاستكانة بين أحضان مرفأها فظلت عائمة تتقاذفها رياح الهوى غير عابئة بجراحها. يُذكرها تأرجحها بين جنبات المياه الضحلة بأن ترياق أوجاعها أمرًا بعيد المنال مهما بدا قريبًا ، و أن ما خفى كان أشد وأقسى ..
نورهان العشري ![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
”
ما الذي يحدث هنا بحق الجحيم؟؟”
صعقة قوية أصابت الجميع حين سمعوا ذلك الصوت الجهوري الغاضب، الذي لم تخطئه الآذان أبدًا، فقد كان مميزًا كصاحبه الذي ما أن وقعت عليه أعينهم، حتى تجمد الجميع بمكانه وتشابهت الوجوه جميعًا لتبدو بنفس الهيئة؛ أعين جاحظة، شفاه مُتدلية للأسفل، ملامح مشدوهة، وأنفاس محبوسة في الصدور، فكان المشهد وكأنهم تماثيل نُحِتت من الحجر يحيط بها صمت مطبق لم يطيقه أكثر، فزأر بقوة:
فليجيبني أحد؟ ماذا يحدث هنا؟
”
فراس ولدي”
كان أول من استفاق من حالة الصدمة المخيمة على المكان هي جليلة النعماني والدته، التي هرولت إليه تحتضنه بقوة وهي تبكي وتتمتم بكلمات غير مفهومة عن كونها غير مصدقة أنها تراه، أما عنه فقد كانت جميع حواسه وعلى رأسها عينيه مسلطة على تلك التي لا زالت متيبسة بمكانها تطالعه بنظرات جامدة وبيدها قلم!!
”
اختفي الآن يا أشرف”
هكذا تحدث زين بصوت خفيض نفذ إلى مسامع أشرف، الذي ما أن فطن لما يحدث حتى شعر بالذعر يسري في دمائه، حتى قدماه لم تطاوعه لتنفيذ ما قاله زين، الذي لاحظ جمود أشرف فصاح بقوة وهو يندفع نحو فراس الذي اسودت ملامحه أكثر وبدت عينيه قوس يطلق سهامًا مشتعلة تجاههم
” فراس.. هل أنت هنا حقًا؟ يا إلهي.. إنها معجزة “
لحظة خاطفة مرت على الجميع؛
ليتنبهوا لما يحدث، وفجأة تبدل السكون إلى جلبة كبيرة إذ اندفع الجميع يعانقون ذلك القادم من المــ,,ـــــوت، وسط صيحات دهشة وتهليل لم تنجح في إخراجها من صدمتها، فقد ظلت بمكانها تراقب ما يحدث وكأنها في عالم آخر، وما يحدث لا يعنيها وليس واقعًا ملموسًا تحياه.
”
لقد عدت من المــ,,ـــــوت يا فراس هل هذا حقيقي؟”
هكذا تحدث ساجد شقيقها إلى فراس، الذي تبدلت ملامحه كليًا لتبدو أكثر شراسة من ذي قبل، فمن الواضح أنه خابر أيام عصيبة انطبعت على قسمات وجهه، التي أصبحت خشنة ولونه الذي دكن فأصبح مائل للسمرة، وقد استطال شعره كثيرًا وكذلك لحيته، وتعمق تجويف عينيه التي كانت الشيء الوحيد الذي لم يتغير به، فما زالت شمسها حارة متوهجة بلونها العسلي المدجج بخيوط حمراء توحي بمقدار غضبه، الذي لون ملامحه وهو يراقبها جالسة بمكانها دون حراك، وذلك القلم الذي لا يزال بين إصبعيها.
” نعم لقد عدت من المــ,,ـــــوت..
ولحسن حظي فأنتم تقيمون حفلًا!”
قست عينيه أكثر وهو يبصق الكلمات من فمه تجاههم:
ترى هل شعرتم بعودتي أم ماذا؟
عاد الصمت مرة أخرى، ولكنه كان مشحونًا بأنفاسهم الملتهبة والمترقبة لما سيحدث، ولكن لم يدم الأمر طويلًا، فقد تدخلت فريال قائلة بوقار:
أهلًا بعودتك يا فراس.. تعال لنجلس ونتــ,,ـــــحدث قليلًا.
أجابها بقسوة:
وهل يعقل أن أتحدث قبل أن أسلم على زوجتي؟ التي من الواضح أنها لم تتجاوز صدمتها بعد!
كانت
محاولة واهية منها لصرف نظره عن تلك التي ما زالت قابعة بمكانها، ولكن تبدلت صدمتها إلى ذعر كبير جمدها بأرضها، فبداخلها صوت يتوسل إليها بالهروب وآخر يخبرها بأن ما يحدث حلم، بل كابــ,,ـــــوس وسينتهي سريعًا. فحتمًا لم يعد .. هو ليس موجود، تلك العينين لابد وأنهما قدمتا من الجحيم لإخافتها فحسب.
تشاجرت
أنفاسها وازدحمت بداخل صدرها، وكذلك أخذت دقات قلبها تدق بعنــ,,ـــــف آلمها، حين سمعت كلماته التي تحوي الوعيد بين طياتها وهي تراه يقترب منها، إلى أن وقف أمامها مباشرة، ودون أن تعي وجدت نفسها تقف على ساقٍ هلامية بالكاد تحملها وعينين مرتعبتين وقعت أسيرة لأخرى غاضبة، تشبه يديه الخشنة التي امتدت تحيط بذراعيها محدثة رجفة قوية في سائر جسدها، فظلت أمامه للحظات بدت دهرًا، قطعها صوته القاسي حين قال:
أهلًا يا زوجتي الصغيرة .. ألم تشتاقي لي؟
كان ما يحدث أكبر من قدرتها على الاحتمال، وفوق مستوى تفكيرها فلم تستطع شفاهها سوى أن تهمس بخفوت:
ف.. فراس ..
دارت
الأرض من حولها وأشفق عليها جسدها واستجاب لهوة سوداء أغرته بالهرب من بين براثن الأسد، الذي قست عينيه أكثر حين شاهدها تهوي مُغشيًا عليها، فقامت يديه بإمساكها وحملها بسهولة، فيما أحدث فستانها صوت خشخشة بفعل بطانته السميكة وتموجات القماش وكأن ما يحدث لم يكن يكفي ليجن جنون غضبه، حين لاحظ فستانها الجريء والمبهر! والذي ارتدته لأجل …
شهقات خرجت من أفواه الجميع خلفه حين لاحظوا سقوطها، ولكنه تجاهل كل شيء وتوجه بها إلى الدرج، فهرولت فريال خلفه تقول بجزع:
سأحضر الطبيب ليفحصها.
كل
شيء يحدث منذ أن وطئت أقدامه باب القصر يقوده إلى الجنون، ولكنه يتمسك بآخر ذرة صبر لديه، حتى لا يحــ,,ـــــرق الجميع في الجحيم الخاص به، لذا صاح بقسوة وهو يتابع صعوده بها:
استدعي الطبيب لأجلكِ، فأنت من ستحتاجينه قريبًا وليس هي.
شهقات مرتعبة خرجت من أفواه الجميع رعبًا مما يحدث، فقد عاد فراس بعد سنة ونصف من تلك الدــ,,ـــــادثة التي أعلن فيها مــ,,ـــــوته! فقد احترقت طائرته بكل من فيها وقد أخرجت الجثث منها متفحمة فكيف حدث ذلك؟
” هل يعقل هذا؟ هل عاد بالفعل؟
إنها معجزة”
هكذا تحدثت نــ,,ـــــاريمان وهي تنظر إلى والدها زين، والذي لا يزال تحت تأثير الصدمة التي جعلته يقول دون احتراز:
بل المعجزة في التوقيت الذي عاد فيه.. لقد عاد في أكثر توقيت خاطئ.
قاطعته جليلة بقسوة:
تقصد أصح توقيت يا زين.. لقد عاد قبل أن تحدث الكارثة.. تلك الجريمة التي كنتم سترتكبونها بحق ولدي وطفله.
اندفعت فريال بقسوة أطلت من عينيها أولًا:
أي جريمة تقصدين يا جليلة؟ هل زواج أرملة مضى على مــ,,ـــــوت زوجها سنة ونصف يُعد جريمة؟ هل تعتنقين دينًا آخر لا نعرفه؟
توجهت
جليلة بخطٍ شامته وعينين أطلت منهم السخرية التي كانت تقطر من حروفها حين قالت:
لا يا عزيزتي لا اعتنق دينًا آخر، ولكنِ أؤمن بأن الوفاء هو سمة النبلاء.. اعذريني أن ظننت بأن كل النساء مثلي.
خربشت كلماتها ركنًا خاصًا بقلب فريال، التي امتقع وجهها لثوان قبل أن تسيطر على نفسها وتقسو ملامحها ونبرتها حين قالت:
لا ليست كل النساء مثلك، وهذا من رحمة الله.. وإن أردتِ الحديث عن الوفاء فيجب عليكِ أن تعرفي بأنه خيار وليس فرضًا.
جليلة بحدة:
ماذا تقصدين؟
ارتسم الاستمتاع على ملامح فريال، التي قالت بتهكم:
يعني
الوفاء هو أن تختار المرأة البقاء على ذكرى زوجها الراحل بكامل إرادتها، لا أن تجبر على ذلك نظرًا لأنه لم ينظر إليها أحدهم من الأساس.
جليلة بإنفعال:
كيف تجرؤين؟؟
” توقفا عن العبث أنتما الاثنتين “
هكذا تحدث زين بصراخ ليوقف معركة دامية على وشك أن تنشب بين المرأتين، ثم تقدم يناظرهم بحنق تجلى في نبرته حين قال:
نحن بصدد حدوث مجزرة إن فطن فراس لما كان يحدث منذ قليل وأنتما تتشاجران كالأطفال هنا.
تدخل ساجد بلهفة:
اعتقد أنه لم يلاحظ، فقد اختفى أشرف ومعه الشيخ قبل أن يعلم ماذا يحدث.
تدخلت
زينات في الحديث ساخرة:
أحمق يا ساجد.. لقد فطن فراس لما يحدث منذ أن وطئت أقدامه باب القصر .. يا بني هذا فراس.. فراس النعماني. ولن أكون زينات النعماني إن لم يهدم القصر فوق رؤوسنا، وذلك بعد أن يقطع عنق أشرف الرشيد وينهي نسله من الوجود.
اغتاظت فريال من حديث زينات الذي يحمل الكثير من الصواب، ولكنها حاولت التماسك حين قالت بتقريع:
أخبريني يا زينات أين هو ابنك المبجل؟ ألم يكن يعلم بعودة صديقه حتى يأتي وينبهنا؟
امتقع
وجه هدى حين ذكرت فريال أمر زوجها، الذي لا تعلم أين هو ولا متى سيأتي، فقد أوضح رأيه القاطع في تلك الزيجة، وأنه لن يحضر زفاف زوجة أخاه وابن عمه وصديقه الراحل .. لن يحتمل حدوث ذلك أمام عينه، وبالتأكيد إن كان يعلم لكان أوقف كل ذلك، ولكنها كعادتها اختارت الصمت، ولكن زينات لم تفعل مثلها أبدًا، فقد ردت على هجوم فريال بآخر مضاد حين قالت بجفاء:
ابني لم يكن موافقًا على ما يحدث، لذا لم يحضر والحمد لله أنه فعل.
تدخلت جليلة تثني على حديث زينات قائلة بتشفي:
والله إنه رجل بحق..
لم يستطع أن يشارك في تلك الخيانة بحق صديقه الوحيد.
تعاظم حنقها من أولئك الأفاعي اللائي لن يتركن ما حدث يمر دون أن يبثوا سمومهم للنيل منها، ولكنها لن تسمح بذلك لذا قالت بسخرية:
والله لقد أفرحني اتحادكن بتلك الطريقة وأتمنى أن يدوم ذلك للأبد.
لم يجيبها أحد وغرق كل واحد منهم بأفكاره، والتي كانت جميعها تصب في الأعلى تحديدًا عند تلك الغرفة المغلقة، التي من وجهة نظر الجميع ستشهد معركة دامية غير متكافئة بين ذلك الأسد الغاضب وبين تلك العصفورة الصغيرة، التي بدأت تستعيد وعيها شيئًا فشيئًا بعد أن ظلت قرابة الساعة فاقدة للوعي؛
لتبدأ بالعودة إلى الواقع المرير الذي تمثل في رجل لا يعرف الرحمة ولا تعرف أي السبل قد تسلك معه حتى تنجو من بين براثنه؟
تململت في نومتها وهي ترفرف برموشها، حتى استطاعت فتح عينيها، لتجد الغرفة من حولها غارقة في الظلام الذي يخترقه شعاع خافت لضوء القمر المنعكس على جسد ضخم يقف أمام النافذة مُعطيًا إياها ظهره، فشعرت بقلبها يهوي بين قدميها وتزاحمت الأنفاس بصدرها فلم تعرف كيف تخرجها، وتجاوز الألم حدود احتمالها فحاولت الاعتدال لتصبح نصف جالسة، وقد علا صوت تنفسها ليصل إلى مسامعه فعرف أنها استفاقت.
سمعت
نفسه القوي الذي خرج من جوفه، قبل أن يخترق مسامعها صوته القاسي وهو يقول:
كيف أصبحتِ الآن؟
لم يكن حلمًا ولا كابــ,,ـــــوسًا، بل إنه واقع مرير، وضعتها الأيام تحت رحمته وتركتها فريسة له، ولذلك الضخم الذي تعلم أنه سينتهي بها الحال هالكة بين يديه.
” بخـ . بخير”
هذا كل ما استطاعت قوله؛ لتضــ,,ـــــرب جسدها رجفة قوية حين وجدته يستدير بسائر جسده لينظر إليها نظرة شملتها كليًا بل أحــ,,ـــــرقتها.. فقد شعرت بلهيب نظراته على الرغم من أن هناك عدة خطوات تفصله عنها، ولكن كان هناك تيار كهربائي يغزو الهواء حولهما.