كان سؤالًا لا تملك إجابته، فهي لا تعلم هل هي فرحة بأنه ما زال على قيد الحياة أم حزينة؟
شعور غريب داخلها استنكر الاحتمال الأخير، فحتمًا هي لا تتمنى له المــ,,ـــــوت بالرغم من معرفتها بأمر خيانته الذي كان قاس للغاية ومرير، حتى ولو لم تكن تعشقه، ولكن الخيانة أمر مريع لا تتحمله أو تقبله أي أنثى، وقد انتوت أن تستمع إلى كلمات والدتها وأن تأخذ ثأرها على طريقتها.
_هل سؤال إياد يحتاج إلى كل هذا التفكير؟!
شهقت
متفاجئة حين وجدته يقف خلفها بطلته المخيفة وهيبته الطاغية ويداه تتشابك خلف ظهره، بينما كانت ملامحه كما عهدتها قاسية بل أقسى من ذي قبل وعينيه متوهجة مشتعلة وكأن الشمس اختارتها مسكنًا لها.
_منذ متى وأنت هنا؟!
كان استفهامًا خافتًا مرتجفًا من قبلها، مما جعله يتقدم خطوتين تجاهها وهو يعيد سؤاله بطريقة أخرى:
_منذ أن طرح إياد سؤاله عليكِ، ألستِ سعيدة بعودتي؟
التقت الأعين بنظرة طويلة بعثت الرهبة في أوصالها، فحاولت الهرب بعينيها منه حين قالت ويديها تلهو بخصل شعر إياد:
_وهل يمكن ألا أفعل؟
لم
تهتز نظراته أو تفارقها، إنما قال بخشونة موجهًا حديثه إلى الصغير:
_إياد هيا لتناول عشاءك فالأنسة “ملك” تنتظرك بالأسفل.
تحرك الطفل وهو يقول بامتثال:
_حسنًا يا أبي.
كانت فرصتها الوحيدة للإفلات من بين براثن الأسد، فهبت خلف إياد قائلة:
_ انتظر سآتي معك.
ما كادت أن تمر به حتى اجتذبت قبــ,,ـــــضته الغير رحيمة خصرها، وبيده الأخرى أغلق الباب خلف الصغير، لتجد أنها وقعت في الفخ المنصوب تمامًا
_ إلى أين؟!
رجفة قوية ضــ,,ـــــربت سائر جسدها الذي كان ينتفض بين يديه، بطريقة جعلت الدهشة تخيم عليه للحظات قطعها صوتها المرتجف حين قالت:
_سأذهب
مع إياد لأساعده في تناول طعامه.
فراس بفظاظة:
_وما دور المربية إذن؟
عاندته بخفوت:
_أنا والدته ويجب عليّ الاطمئنان على كل شيء يخصه.
اختصر حديثه في كلمات بثت الرعب في قلبها خاصةً حين أصبحت لهجته خافته مخيفة:
_في وقتٍ لاحق، والآن ألن تبرهني على سعادتك بعودتي؟
خفقة قوية ضــ,,ـــــربت قلبها الذي كان يدق بعنــ,,ـــــف دوى طنينه بأذنيها، ولكنها تذكرت كلمات والدتها حين أخبرتها بأنه لن يؤذيها، فقط أن تعرف كيف تتعامل معه؛ لذا حاولت أن تجعل نظراتها صافية براقة وهي تناظره، ورققت لهجتها حين قالت:
_وكيف تريد مني أن أبرهن على ذلك؟
غزت
نظراتها تلك شيء ما داخله، فشعر بنبضة قوية تتعثر داخل قلبه، فاشتدت يديه حول خصرها لا إراديًا وتفرقت نظراته بين شفاهها المغوية وعيناها اللتان لا تقل إغواء عنها، وقال بخشونة:
_ استفهامك يتنافى مع تلك النظرة التي تطل من عينيك، ولكن باستطاعتي تجاهل ذلك التناقض وإخبارك.
أنهى جملته واقترب منها ينوي اقتناص شفاهها، ولكنه فوجئ بكفها الذي لا تعلم كيف وضعته على فمه تحول بينه وبين نيل مراده، فارتسم استفهام غاضب في عينيه، جعل الخوف يجتاحها ولكنها حاولت الثبات قدر الإمكان إذ قالت بخفوت:
_لا أستطيع.
اكفهرت
ملامحه وزوى ما بين حاجبيه قبل أن يخرج استفهامه حادًا كنصل السكــ,,ـــــين:
_لم أفهم، كيف لا تستطيعين؟!
ابتلعت أكبر قدر ممكن من الأكسجين داخلها حتى تهدئ قليلًا، ورطبت شفتيها الجافة في حركة كانت في توقيت أكثر من خاطئ، فقد أشعلت نيرانًا هوجاء بداخله حاول التحكم بها قدر الإمكان، وقد لاحظت تبدل نظراته وذلك العرق النابض في عنقه، ولكنها لم تفهم السبب بل أجابته بنبرة خافتة:
_لم أستطع التأقلم على عودتك بعد، كما أنني أشعر بأنني متعبة ومشوشة كثيرًا لذا أرجوك لا تضغط عليّ.
أقبح
عذر كان يمكن أن تقدمه له، خاصةً بتلك الطريقة التي كانت تغزو ثباته بوحشية إن انصاع لها سينال من كبريائه اللعين الذي يحول بينه وبين التهامها في تلك اللحظة، وبشق الأنفس استطاع أن يجعل عقله يستجيب له، وأومأ ببساطة قبل أن يقول بجمود كان جزءًا لا يتجزأ منه:
_كما تريدين.. فقط أخبريني عندما تكونين مستعدة.
برقت
عيناها من تلك البساطة التي يتحدث بها، فقد ظنت أنه سيهدم الغرفة فوق رأسها حين يسمع كلماتها التي اختارتها بعناية كي ترسله إلى الجحيم جراء خيانته لها، و.ه لأبيها ولكن انقلب السحر على الساحر، وها هي من تحترق في جحيم الغضب حين تركها بتلك السهولة، وكأن قربها من عدمه واحد ولا يشكل فارقًا بالنسبة له ، و هذا يتنافى مع حديث والدتها ولكنها تجاهلت ما يدور بداخلها وتحدثت بهدوء
_حسنًا، سأذهب لرؤية إياد.
خرجت
من الغرفة بهدوء يتنافى مع ضجيج أفكارها، وأغلقت الباب تاركة خلفها أسدًا غاضبًا للحد الذي جعله ينفث النيران من فمه وهو يخاطب أحدهم في الهاتف قائلّا بوحشية:
_موعدنا الليلة أريد ارتشاف الدماء بدلًا عن النبيذ.
***********
_حبيبي ماذا حدث لوجهك؟!
هكذا تحدثت هناء بذعر وهي تناظر وجه شاهين الذي كان يزينه كدمة كبيرة باللون الأزرق فوق شفتيه التي نالت نصيبها من آثار الضــ,,ـــــربة القوية التي وجهها فراس إليه فقد تورمت كثيرًا مما جعله لا يكُف عن لعنه طيلة الوقت.
_تذكرين ذلك الصديق الذي أخبرتك أنه مات وأني احزن كثيرًا على فراقه وأفتقده؟!
هكذا
استفهم بلهجة ممتعضة فأجابته هناء على الفور:
_نعم أذكره، ما به؟!
لونت السخرية معالمه قبل أن بجيبها بجفاء:
_إن أخبرتك بأنني افتقده مرة ثانية فاصفعيني.
هناء بصدمة:
_ ماذا؟!
أجابها مغلولًا:
_ ذلك الضخم قد عاد من المــ,,ـــــوت وأول ما فعله هو لكمي حتى كُسِر أنفى وتورمت شفتاي كما ترين.
شهقة قوية خرجت من جوفها إثر سماعها كلماته اتبعتها قائلة باهتمام بالغ:
_آه يا حبيبي، سلامتك، إن هذا الرجل وحش بمعني الكلمة، كيف يتجرأ ويؤذي صديق رائع مثلك؟!
شاهين بسخرية:
_وغد ذو فم كبير، لا يقدر قيمة الأصدقاء الرائعين أمثالي.
طافت
عيناها على ملامحه التي ولدت رغبة عارمة بالشغف داخلها فاقتربت منه تحاوط عنقه بأنامل رقيقة تعرف جيدًا أين تدق وأجابته بلهجة تقطر دلالًا:
_أنا وحدي من يعرف قيمتك يا حبيبي، فمن يملك شخصًا مثلك بحياته يجب أن يقضي الباقي من عمره يحمد الله.
أصابت كلماتها وترًا حساسًا بداخله وروت تربته القاحلة التي لا تحتاج سوى الاهتمام والدلال لذا لمعت عيناه بنظرات توحي بمدى تأثره حين التفت إليها قائلًا بلهجة خشنة:
_لي موعد اليوم مع تلك الشفاه الرائعة سأخبرها عن مدي امتناني لهذا الشهد الذي يقطر منها.
تشابهت عينيها مع نبرتها التي تتضور رغبة حين قالت:
_
أتحــ,,ـــــرق شوقًا لذلك الموعد.
لم يكد يجيبها حتى اخترق صوت الهاتف خلوتهما فأطلق سبة نابية من فمه وهو يلتقط الهاتف ليجيب على والده الذي ما أن فتح الخط حتى صاح بغلظة:
_ أريد رؤيتك والآن ولا أريد أي أعذار يا شاهين، الأمر لا يحتمل التأجيل.
تجهمت ملامحه وكذلك نبرته حين قال:
_لدي عمل سيستغرق ساعتين ثم سأعود إلى البيت.
زين بصراخ اخترق آذانهم جميعًا:
_لن أنتظرك لأكثر من نصف ساعة، لقد تحدثت مع والد هدى وهو ينتظرنا لنذهب ونراضيها وستأتي معي وإلا سأتبرأ منك ليوم الدين.
لم
يهتز لتهديد والده وقد كانت هناء بجانبه تحترق غيظًا، نجحت ببراعة في تجاوزه وهي تشير إليه بالموافقة فانكمشت ملامحه بحيرة قبل أن يقول بإذعان كان نادرًا بالنسبة إليه:
_حسنًا أنا قادم.
أنهى المكالمة ونظر إليها بحنق تجلى في نبرته حين قال:
_لمَ كنتِ تشيرين برأسك كعروس الخيوط؟!
فرصة ذهبية لإبراز محاسنها وجعل صورتها لامعة بعينيه:
_لم أرد أن تحزن والدك، فهم من المؤكد يفتقدون الأطفال وأنتَ أيضًا لهذا كنت أشير إليكَ بقبول ما يطلبه منك.
كل
ما بها يشير إلى صدق حديثها ولكن اهتزاز حدقتاها عند الحديث كان يشير إلى العكس ولكنه تجاهل كل شيء قائلًا بجفاء:
_ نعم أفتقدهم ولكن هذا أفضل بكثير للجميع
لم تفلح في إخفاء الحماس في صوتها حين هبت مندفعة:
_هل نويت أن تطلقها؟!
غافلته الكلمات وخرجت مندفعة من قلبه:
_بالطبع لا، ولكن كنت أريدها أن تهدأ قليلًا عند والدها فأنا أعلم أنها كلما تراني ستسوء حالتها أكثر.
كلماته كانت الشرارة التي أشعلت فتيل غضبها وخرجت عن ثوب المثالية الذي لا يليق بها وصاحت مغلولة:
_هل أنتَ خائف على شعورها لهذه الدرجة؟!
لم
يعجبه حديثها ولم تعجبه الإجابة التي أعلنها قلبه فقال بفظاظة وهو يدير محرك السيارة:
_ ليس من شأنك، هيا لأوصلك إلى المنزل.
********
أن تنثر بذور الأمل في طريق أحدهم ثم تجنيها صبارًا قاسيًا تنغرز أشواكه في قلبك دون رحمة فـتنزف العين ألمًا ويحترق الخَلَد قهرًا وأنت مُكبلًا بأصفاد الكبرياء الموقدة التي تسلب روحك المذبوحة حقها أن ترفرف وهي تنازع أنفاسها الأخيرة… فتبدو من الخارج صلبًا… شامخًا لا تتأثر بينما داخليًا تحتضر بصمت، فقارب نجاتك اتضح بأنه مثقوب وبيرق العشق انكسرت رايته من موضع ثقة اندثرت أمام خذلان عظيم لم تتوقعه يومًا.
تستمر
القصة أدناه
نورهان العشري ![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
أتاها الخذلان من أكثر مواطنها أمنًا فلم يؤذيها إلا أولئك الذين وضعتهم بالقرب من قلبها وعلى قدر قربهم جاءت طــ,,ـــــعناتهم إلى قلبها نافذة فتألم كل ما بها وأعلنت روحها الحداد على أجمل أيام عمرها التي قضتها زوجة لهذا الرجل الذي كان بيوم من الأيام سبب سعادتها في هذه الحياة واليوم هو السبب الوحيد لبؤسها.
_هل انتهيتِ حبيبتي؟!
هكذا تحدثت “راوية” وهي تطل برأسها من باب غرفة “هدى” التي كانت تلملم أشياءها قبل أن تغادر مع زين.
_نعم.
اقتربت
“راوية” تعانق “هدى” بقوة وكأنها تعتذر لها بشدة عن كل ما طالها من أذى وألم كان يلون ملامحها بوضوح ويتساقط من عينيها على هيئة أنهار من الدمع الذي سئمته كما سئمت من كل شيء.
_هيا لا نجعله ينتظر أكثر.
هكذا تحدثت بجفاء وهي تتوجه إلى الخارج تحاول قمع ألمها وذلك الوجع الهائل الذي يجعل خطواتها ثقيلة وأنفاسها حارقة ولكنها خبئت كل ما تشعر به في ركنًا ما بداخل قلبها وخطت إلى داخل غرفة الصالون قائلة بجفاء:
_لقد استعديت والأولاد للمغادرة.
التفت
إليها كلًا من زين ورؤوف الذي كان الذنب يقرضه من الداخل حزنًا وقد لام نفسه لمرات ومرات على قسوته معها ولكن بالنهاية نجح في إقناع نفسه بأن هذا هو الصواب للجميع.
_وأنا أنهيت قهوتي للتو، هيا إذن.
أنهى
جملته تزامنًا مع دخول الأولاد الثلاثة إلى الغرفة ليث وباسل والصغيرة لين صاحبة الثلاثة أعوام والتي ما إن رأت زين حتى هرولت إليه تحتضنه بشوق كبير وكذلك فعل باسل البالغ من العمر خمسة أعوام فعانقهما زين بشوق كبير ثم نظر إلي ليث صاحب السبع سنوات الذي يقف بجمود يتنافى مع صغر عمره ولكنه كان النسخة المصغرة من عمه فراس لا يظهر مشاعره قليل الكلام بدرجة تستفز زين كثيرًا.
“من الواضح أن أحدهم لم يشتاق إلي.
هكذا تحدث زين بحزن مفتعل فتأثر الصغير ولون الحزن معالمه، فأجبر نفسه على التقدم من جده وقال بتحفظ:
‘مخطئ
فأنا اشتقت إليك كثيرًا ولكني غاضب وبشدة.
فوجئ زين فقال مستفهمًا:
_لماذا أنتَ غاضب يا ليث؟؟
ليث بجفاء:
_لأن أمي حزينة وأبي من أحزنها؛ لهذا أنا غاضب، فأمي لا تستحق أن تحزن أبدًا، إنها أجمل أم في الوجود.
خربشت كلماته جراحها ولامس دفاعه عنها أوتار قلبها الذي ارتج حتى تناثرت عبراته من مقلتاها فقد كبر طفلها وأصبح رجلًا يدافع عنها.
_تأدب يا ليث، لا تدــ,,ـــــادث جدك هكذا.
كان هذا صوت رؤوف الغاضب فالتفت ليث قائلًا بلهجة أهدأ قليلًا:
_لم
اخطئ في حديثي ولم أخاطب جدي بقلة احترام ولكني أدافع عن والدتي وبالمناسبة أنتَ أيضًا أحزنتها وقضت الليل بأكمله باكية بسبب صراخك عليها.
كلماته كانت طلقات نــ,,ـــــارية في صدر رؤوف الذي لم يجد ما يقوله فلجأ للغضب فصاح معنــ,,ـــــفًا:
_اخرس يا ولد.
هرولت هدى تحتضن طفلها لتحميه من بطش والدها في الوقت الذي تدخل فيه زين قائلًا بحزم:
_توقف يا رؤوف، ليث لم يخطئ ولم يقلل احترام أحد، إنه يدافع عن والدته وهذا حقه.
شددت
هدى من عناقها لطفلها وتبلور التحدي في نظراتها الموجهة إلى والدها لأول مرة بحياتها… فأردف زين يهدئ من حدة الموقف:
_لقد قامت هدى بتربيته جيدًا حتى أصبح رجلًا يقف ويدافع عنها، يجب عليك أن تفخر به.
التفت زين إلى ليث الذي كان يحتضن والدته بحماية وقال بفخر:
_أنتَ رجل جيد يا ليث وأنا فخور بك، ووالدتك ابنتي وأنا من سيأخذ حقها ممن أحزنها، لا تقلق، فقط ثق بي.
قال
جملته الأخيرة وهو ينظر إلى “هدى” التي تبلور الألم بعينيها ولكنها كانت تثق في هذا الرجل أكثر مما تفعل مع أي شخص فلطالما كان الوحيد الذي يدافع عنها من بطش زوجته ويطيب خاطرها إذا ما رآها حزينة.
_هيا بنا إلى السيارة.
توجهت “هدى” مع أطفالها ثم أجبرت نفسها على الالتفات إلى والدها قائلة بجمود:
_عن إذنك يا أبي.
حوت نظراتها عتابًا قاسيًا عرف طريقه إلى صدر رؤوف الذي اهتزت ملامحه قليلًا فتوجه يعانق الأطفال ثم اقترب من ليث قائلًا بجانب أذنه:
_أنتَ الأقرب إلى قلبي، لا تغضب مني، وكن جوار والدتك دائمًا أنا أؤمنك عليها.
رقت
نظرات ليث قليلًا وهو يومئ برأسه موافقًا على حديث رؤوف الذي التفت إلى ابنته فوجدها تودع والدتها ثم خرجت دون أن تلقي نظرة واحده عليه، كان يعلم بحزنها منه الذي انفطر له قلبه ولكنه كان يظن بأن هذا أفضل للجميع وأولهم هي.
توجه الجميع إلى السيارة التي قادها زين صامتًا إلى أن توقفوا أمام إحدى الحدائق الخاصة بالأطفال وقام بالالتفات إلى المقعد الخلفي موجهًا حديثه إلى الثلاثي القابع في الخلف:
_ما رأيكم بقضاء وقت ممتع أيها الأولاد الرائعين؟!
ابتهج الأطفال كثيرًا وهرولوا إلى الحديقة تحت أنظار كلاً من زين وهدى التي قالت بجمود:
_ لمَ فعلت هذا؟!
زين
بهدوء:
_ أردت الحديث معك ولم أرد أن يسمعنا الأطفال وخاصةً ليث.
اختصرت حديثها قائلة:
_ أسمعك.
يعلم مقدار الألم الذي يتبلور في عينيها وينطبع على ملامحها الشاحبة وذلك التجويف الذي يحيط عينيها فيجعلها كبلورة رائعة وسط بحيرة من السواد الذي يحكي مرارة ما خابرته في اليومين الماضيين.
_أعلم جيدًا مرارة ما تشعرين به الآن، ولكن كم تحتاجين من الوقت لتجاوزه والمضي قدمًا بحياتك؟
انكمشت ملامحها بسخرية مريرة تجلت في كلماتها حين قالت:
_ حياتي! وهل تبقى لي حياة لأعيشها، لقد حُكِم علي بالإعدام ما دمت حية.
رق قلبه لحالها فهتف بتأثر:
_
لا تقولي هذا رجاءً.
_ولمَ؟! أعلم أنك تتألم لأجلي ولكن الحقيقة دائمًا تؤلم، وهذه الحقيقة المؤلمة أنا أحياها بكامل تفاصيلها.
كانت عيناها تغلي من الحزن حتى فاضت العبرات تحــ,,ـــــرق بسخونتها وجنتيها وخرجت الحروف من فمها جريحة كحال قلبها المُشجب:
_أنا شخص حُكِم عليه بالإعدام طوال حياته، فها هو ذلك الرجل الذي اخترته من بين جميع الرجال خذلني وطــ,,ـــــعنني في قلبي والرجل الآخر الذي هو من المفترض أن ألجأ له ليحميني تبرأ مني وأرسلني لقاتلي كبضاعة فاسدة لا نفع منها.
كتمت شهقاتها بداخل قلبها وفاضت مياه عينيها بغزارة بينما همسات بقهر:
_أتعلم
شيئًا، لقد تذوقت أقسى شعورين في هذا الحياة بيوم واحد، الخذلان والقهر، والأقسى منهما أن من فعل هذا بي أقرب الناس إليّ.
اخترقت سهام كلماتها قلبه الذي كان يئن ألمًا وحزنًا على حال تلك الفتاة التي يعتبرها مثل ابنته والآن يراها تمــ,,ـــــوت من فرط الوجع وهو عاجز عن فعل شيء، هنا تنبه عقله وقال بلهجة قوية:
_وهل ستقضين الباقي من عمرك تعانين بسبب ما فعلوه؟!
انكمشت ملامحها بحيرة من حديثه وقالت بيأس:
_ وهل أملك خيارًا آخر؟!
هتف بقوة:
_نعم تملكين، ذلك الوغد الذي هو زوجك يجب أن يندم ويعرف قيمتك ويأتي راكعًا يطلب السماح.
سخرت
بمرارة:
_شاهين النعماني يركع لأحد طالبًا السماح! هل تسخر مني؟!
زين بحدة:
_هل تريني عجوز أخرق لأسخر منكِ في أمرًا كهذا؟!
شعرت بالحرج من كلماتها وحزنت أنها أغضبته فقالت بندم:
_أعتذر يا عمي.
قاطعها بقوة:
_لا أطلب اعتذارًا ولكن أريد أن أرى امرأة قوية تأخذ ثأرها وتجعل من أحزنها يعض أصابعه ندمًا.
أحيانًا يكُن الألم عظيمًا للحد الذي لا تستطيع الأحرف وصفه فنلجأ للصمت الذي يؤلم أكثر مما يفعل البوح، ولكنه في النهاية يبقى السبيل الوحيد لحفظ ماء وجه القلوب التي أضناها الأنين.
لم
تستطع الحديث ولم تملك ما تقوله فما بداخلها أقوى من قدرتها على الاحتمال؛ لذا لجأت للصمت، فأردف زين بنصح:
_حين أخبرتني بألا أجلب شاهين معي لأخذك شعرت بمدى ألمك وكرهك لرؤيته ولكن الهرب ليس حلًا.
ارتسمت ابتسامة مريرة على شفتيها من كلماته وتشكلت غصة صدئة بحلقها فخرجت حروفها محملة بالأنين:
_لم أهرب من رؤيته، إنما شعرت بالخزي حين يعلم بموقف والدي مما حدث، شعرت بالذل أن يراني عائدة إليه كلقيطة ليس لها من تلجأ له من بطشه.
في تلك اللحظة شعر بأنه يكره ولده الغبي ويكره والدها المتجبر ولكنه تجاهل شعوره وقال بحدة:
_لا
تقولي مثل هذا الكلام مرة أخرى، أنتِ منذ اللحظة مسؤولة مني وستستمعين لما أقوله أفهمتِ؟!
ناظرته بعدم فهم تبعه سؤالها الواهن:
_ماذا تريد مني أن أفعل؟!
زين بهدوء:
_تلك الفتاة التي أوقعت ذلك الوغد منذ أكثر من ثماني سنوات أريد رؤيتها مرة أخرى.
أوشكت على الحديث فقال بحدة:
_لا أريد سماع أي جدال، فما أقوله ستقومين بتنفيذه.
أومأت بإذعان فتابع بحنق:
_تلك الفتاة التي تزوجها هذا الغبي لن تسعده أنا أعلم ولن يجد عندها ما كان يفتقده بحياته؛ لذا اتوقع بأنه قريبًا سيمل منها ويطلقها.
تحولت
كرات دمها إلى جمرات محترقة بفعل الغضب الذي تجلي في نبرتها حين قالت:
_ماذا تقول يا عمي؟! ليس أنتَ أيضًا، هل تبرر له فعلته؟! بماذا قصرت معه أخبرني؟!
زين بهدوء:
_لا أبرر له فعلته، ولا لن أخبرك أيضًا، هو من سيخبرك هذا، ولكن أقترح عليكِ أن تبحثي بداخلك لتعرفي ووقتها أتمنى أن تأتي إلي وتخبريني بأنكِ جاهزة لتلقينه درسًا قاسيًا.
طمس الغضب جميع الحقائق بعينيها فالتفتت تنظر أمامها متجاهلة منحنى الرد ليردف زين بلهجة معاتبة:
_أعلم
أنكِ ذكية ولكن الغضب يعميكِ الآن لهذا خذي وقتك في التفكير بروية، واعلمي أمرًا أنني ما أعدتك إلى المنزل لأجل الأطفال بل لأجلك أنتِ أولًا فأنتِ ابنتي، واعلمي أيضًا أن حمايتي لكِ تشمل الجميع، والقادم سيكون مختلفًا كثيرًا عما مضى.
تعلم ما يرمي إليه جيدًا ولكن ألمها كان يطغي على كل شيء؛ لذا اكتفت بإيماءة صغيرة من رأسها وابتسامة خافتة تعبر عن امتنانها، ثم التفتت تنظر أمامها وقلبها يناجي خالقه بأن يترأف بحالها.
***********
مر
يومين لم يحدث بهم جديد ولم يقترب منها للحد الذي أدهشها فقد كانت ترتعب من حلول الليل حتى لا يأتي ويطالبها بما لا تستطيع منحه إياه ولكنه لم يأتِ وما زاد من دهشتها أن هناك شعور بالغضب بدأ يتسلل إلى قلبها مع كل يوم يمر وهو لا يأتي إليها،
الأسئلة تطن برأسها كالذباب، ترى هل بحياته أخرى تشبع متطلباته كرجل؟ وكل تلك المدة كيف قضاها وهل قضاها وحيدًا؟ رجل مثله لا يمكنه البقاء طوال تلك المدة من دون امرأة فهي أكثر من يعرفه لقد كانت زوجته لسنتين وتعلم مدى قوته وعنــ,,ـــــفوانه.
سرت
قشعريرة بجسدها وهي تتذكر أوقات خاصة جمعتهما، لا تنكر أنه كان يشعرها بسعادة لا مثيل لها، ولكن سعادة مؤقته سعادة خالية من المشاعر لا تمس القلب فقد سعادة جسدية تنتهي بانتهاء لقائهما وقد تأقلمت على ذلك؛ حتى أنها نحت قلبها جانبًا من حياتها التي كانت جامدة تشبه جموده الذي كان جزءًا لا يتجزأ من شخصيته.
زفرت بقوة وهي تحيط وجهها بيدها قبل أن تلتفت وتحتوي بكفوفها كوب القهوة الخاص بها لترتشف منه بتلذذ تحاول أن تصفي ذهنها قليلًا وتخرجه من تفكيرها، الذي أصبح ينصب عليه بطريقة باتت تضايقها؛
لهذا وضعت الفنجان على الطاولة ومدت يدها تلتقط الجريدة لتلهي نفسها قليلًا عن التفكير به، أخذت أناملها تلهو بين صفحاتها إلى أن توقفت عند كلمات جعلت نبضها يصل للمليون بلحظة وهبت من مقعدها وهي تصيح:
_ يا إلهي، هل هذا معقول؟!
_ماذا حدث يا نور؟!
التفتت علي سؤال والدتها التي دخلت لتوها إلى الغرفة لتتفاجئ بصياح نور فهوي قلبها رعبًا و وواجهتها نور بصدمه لا تعلم بماذا تجيبها فمدت إليها الجريدة لتقع عيناها على تلك الحروف المدونة المتبوعة بتلك الصورة التي مزقت قلبها تمزيقًا فصرخت دون وعي:
_لا.
اقتربت نور منها تحاول تهدئتها قائلة:
_اهدأي
يا أمي، لم يمت يقولون إنه مصاب.
تلمست يديها الجريدة بقلب ممزق وعينان تقطران ألمًا على أشرف الذي كانت صورته مشوهه إثر تعرضه لاعتــ,,ـــــدا قاسي على يد مجهولين بهولندا مما أدى إلى دخوله إلى غيبوبة وحالته سيئة للغاية.
_ يا إلهي، لا أستطيع أن أصدق.
هكذا همست فريال التي كان وقع الأمر عليها محيرًا من جانب نور التي قالت باستفهام:
_أمي اهدأي لمَ أنتَ متأثرة بتلك الطريقة المبالغ بها؟!
جاءها سؤال نور كجرس إنذار دوى طنينه في عقلها مما جعلها تحاول لملمة جأشها وحاولت أن تشحذ ثباتها حين قالت:
_لقد
صُدِمت وتأثرت كثيرًا إنه بريعان شبابه وقد كان قاب قوسين أو أدنى.
هنا ضــ,,ـــــربت عقلها حقيقة مرة بأن من فعل به هذا هو ذلك الوغد لذا خيم الغضب على ملامحها وتابعت مغلولة:
_لقد كان قاب قوسين أو أدنى من الزواج بك، وطبعًا لم ينجُ من عقاب زوجك المحترم.
انكمشت ملامحها بصدمة تجلت في كلماتها حين قالت:
_ما هذا الذي تقولينه؟! ما دخل فراس؟!
هنا تذكرت كلماته حين أخبرها بأنه ينوي إعطائهم ما يستحقونه وهنا تشعب الغضب إلى أوردتها وقد ضاقت ذرعًا بما يحدث وجاءت كلمات فريال لتصب الوقود على نيران غضبها المستعر.
_أرأيت ما أقصد؟!
يذهب هو هنا وهناك و يعرف امرأة تلو الأخرى ثم يأتي ويحاول . الرجل الوحيد الذي كان يعشقك، مع أنه لم يفعل شيئًا خاطئًا، فقد أراد حمايتك بالزواج منك، الآن علمتِ أي الرجال هو زوجك؟!
انخفضت نبرتها قليلًا و لكنها تضمنت قدرًا كافيًا من البغض حين قالت
” هل صدقتني الآن حين أخبرتك بأنه قاتل ؟”
نجحت كلماتها في التعزيز من غضبها والمُطعم بالألم خاصةً عِندما ذكرتها بأمر م. والدها فنزعت الجريدة من يدها وخرجت تتشاجر مع خطواتها إلى أن اقتحمت مكتبه بأقدام غاضبة وخطٍ تتخبط بين دروب الوجع الذي تبلور في عينيها ونبرتها حين صاحت بانفعال:
_أنتَ
من فعلت به ذلك، أليس صحيحًا؟!
قالت كلماتها وهي تضع الجريدة أمامه فجرت عينيه على ما هو مدون عليها بجانب تلك الصورة ثم رفع رأسه قائلًا بفظاظة:
_ما دخلي؟! اقرأي باقي العنوان، يقولون الاعتــ,,ـــــدا بهدف السرقة.
_كلانا يعلم أن الأمر غير صحيح، أنتَ من فعلت به ذلك؟!
هكذا صرحت بغضب تجاهله بشق الأنفس ثم قال بقسوة:
_ ما دمتِ تعلمين لمَ السؤال إذن؟!
احتارت بأي الصفات البشعة تصفه ولكن لم تسعفها الكلمات جل ما استطاعت قوله:
_لماذا؟! ما هي جريمته؟!
كان صوته بارد النبرة على عكس عينيه المشتعلة بنظرات تشملها كليًا حين قال:
“هذا
عقابه لتجرأه علي ما يخصني.
تلوت أضلعها بداخلها من فرط الألم والذنب فقالت مغلولة:
_إذن لماذا لم تعاقبني أنا أيضًا؟!
احتدت نظراته أكثر وهو يجيب بجفاء:
_أعلم أن الأمر لم يكن برضاكِ.