_لم تعد هي! لم تعد تلك الفتاة التي وقعت بعشقها سابقًا تحولت لامرأة أخرى أكره تفاصيلها.
كلماته حوت معاني مستترة فطن إليها زين الذي شعر بالشفقة على تلك الفتاة التي كانت ضحية لتسلط زوجته فقال بنبرة معاتبة:
_كان عليك أن تتحدث معها وتخبرها بأنك غير راضي على علاقتكما وعن تحولها بهذا الشكل.
لونت السخرية معالمه وانبثقت من بين حروفه حين قال:
_اللعنة على الحديث، لقد مللت منه، لقد تحدثت حتى ملت هي الأخرى وباتت تتجنبني مؤخرًا.
زين باستنكار:
_منذ متى ساءت علاقتكم بهذا الشكل؟!
تجاهل ذلك الجرح النازف بصدره وقال ساخرًا:
_منذ
مدة أبعد من أن أتذكرها.
فرك عينيه بكلتا يديه وهو يتربع على المقعد خلفه، ثم أردف بجمود:
_اتركها عند والدها حتى تستطيع التفكير بروية، وأنا على ثقة أن حزنها لن يدوم طويلًا، فزوجتي أخرجتني من حياتها منذ زمن.
المرارة التي تقطر من بين كلماته توحي بعمق ما يشعر به وما يحدث داخله، لذا قال محاولًا التخفيف من وطأة الأمر:
_لا تقل هذا الكلام فهدى تحبك كثيرًا، وأنا أكثر من يعلم.
غصة صدئة تشكلت في حلقة تجاهلها بصعوبة قبل أن يقول بجفاء:
_لم يعد الأمر مهمًا… سأذهب للاستحمام قبل الذهاب إلى المكتب.
فجأة
تذكر زين ما حدث البارحة فصاح بخشونة:
_أما زلت لا تعلم بعد.
قطب جبينه قبل أن يقول باستفهام:
_ما الذي لا أعلمه؟!
ألقى زين قنبلته بروية:
_ لقد عاد فراس أمس.
******
_فراس، هل أنت هنا حقًا، لا أصدق عيني.
هكذا قال شاهين، الذي ما أن سمع من والده بعودة فراس صديق عمره وابن عمه حتى هرول قاطعًا المسافة البسيطة التي تفصل القصرين في لمح البصر؛ ليتوجه رأسًا إلى غرفة المكتب الذي فتحه دون أن يطرق على الباب؛
ليتفاجأ بفراس الذي يجلس على مكتبه يمسك بالهاتف، الذي وضعه ما أن رأى شاهين يقف أمامه بأعين جاحظة غير مصدق.
_يا إلهي إنها معجزة.
فراس بسخرية:
_ إنها حقًا معجزة.
هتف بطريقة مضحكة:
_اللعنة، إنه صوته فعلًا، أنا لا أحلم.
لاح شبــ,,ـــــح ابتسامة على فم فراس حين قال بتخابث:
_اقترب أكثر لترى إن كان حلمًا أو حقيقة.
ابتلعت الفريسة الطعم واقترب شاهين قائلًا بشوق:
_لا أصدق أنك هنا يا صديقي، لقد اشتقت إليك كثيرًا.
ما
أن أوشك على معانقته حتى تفاجئ بلكمة قوية أطاحت بفكه وجعلته يتراجع عدة خطوات للخلف، فصرخ بصدمة ممزوجة بألم:
_آه . ما هذا يا رجل؟ هل هكذا ترحب بي بعد طول غيبتك؟
اكفهرت ملامحه واسودت عينيه، حين زأر بغضب:
_ أي الأصدقاء أنت أيها الوغد؟ أعود بعد كل تلك الغيبة لأجد زوجتي تُزف لآخر؟ أين كنت مما يحدث؟
شاهين باندفاع:
_كنت أتزوج أنا الآخر.
انكمشت ملامحه بامتعاض وصاح مستنكرًا:
_ماذا؟!
أخذ يفرك مكان اللكمة، وهو يقول بحنق:
_مثلما سمعت، تزوجت على هدى.
تجاهل ضجيج قنبلته، وصاح بجفاء:
_هل
أ.ك الآن أم ماذا؟
لون الملل ملامحه حين قال بامتعاض:
_ ولمَ ت.ني؟ هل أنا من أسقطت طائرتك وزوجت زوجتك، إنها زوجة عمك.. تلك الطاغية التي لا يقدر عليها سوى الله.
احتدت ملامحه الخشنة حين أتى شاهين على ذكرها وقست نظراته، فأردف شاهين باستفهام:
_هيا الآن أخبرني أين كنت كل تلك المدة؟ وكيف نجوت من ذلك الدــ,,ـــــادث البشع؟ لقد شاهدت بعيني الجثث المحترقة.
اكتظت عينيه بالخيبة التي تتنافى مع خشونة لهجته حين قال:
_قابلت أكثر من نصف العائلة منذ أن عدت، ولم يتذكر أحدهم بأن يسأل ماذا حدث لي طوال تلك المدة؟
تشدق ساخرًا:
_هذا
يعني أنني صديق جيد أو لنقل صديقك الوحيد.
شيعه بنظرات محتقنه قبل أن يتمتم بخشونة:
_بل أسوأ الأصدقاء على الإطلاق.
شاهين بملل:
_لا تطل الأمر، فلم أكن موافقًا ولم أحضر تلك المهزلة وهذا كل ما استطعت فعله.
دار حول مكتبه ليجلس على المقعد خلفه وهو يقول بوعيد:
_ لا تثرثر كالفتيات بالنسبة إليّ أنت معاقب مثلهم.
صاح بحنق:
_اللعنة على همجيتك، وكيف تنوي عقابنا يا تُرى؟!
قست عيناه وأطلق سهام غضبه الحارقة:
_لن أكتفي بإحراقكم أحياء.
تقدم شاهين يجلس على المقعد أمام المكتب، وهو يقول ساخرًا:
_أمهلني
بعض الوقت كوني لم أشارك مباشرة في هذه الجريمة ودعني أستمتع بزواجي أولًا؛ إكرامًا لصداقتنا.
زفر بملل وهو يتمتم:
_أسوأ ما في الأمر هو أنني سأضطر إلى تحمل سماجتك مرة أخرى.
تجاهل حديثه وقال بهدوء:
_هيا أخبرني ماذا حدث معك؟
ترك ما بيده وتشابهت عينيه مع لهجته حين قال بجمود:
_تلك السفرة كانت محاولة ل.ي.
_ماذا تقول؟!
أراح جسده للخلف وهو يجيبه بجفاء:
_أتذكر حين أخبرتك قبل السفر بثلاثة أيام أنني سأقابل الروس لإتمام صفقة الأسلحة؟!
_أجل، أذكر.
استطرد فراس بجمود:
_لقد
كنت أعلم أنها تراقبنا وتستمع إلى مدــ,,ـــــادثتنا، لهذا أردت تضليلها، من البداية أعلم أنها خائنة، ولكن تركتها لأعرف لحساب من تعمل.
شاهين يترقب:
_وهل علمت؟!
_ نعم.
شاهين بحماس:
_لحساب من تعمل؟ هيا أخبرني يا رجل يكاد الفضول يأكلني.
اختصر غضبه ووحشية ما يشعر به في كلمة واحدة:
_فريال. كواسر اخضعها العشق نورهان العشري
تلك الطــ,,ـــــعنات النافذة بأعماق روحي لم تأتِ من عدوٍ يمقتني، بل جاءت من حبيب أدرت له ظهري، وقد ظننت بأنه خير من يحفظني فكان أسوأ من .ني، فلم يجهز على الروح وحسب! بل أذاقها ويلات الخذلان، فكان الألم مزدوجًا من ناحية هلاكِ ومن ناحية أخرى غدرك بي، وهكذا انقطع بيننا درب الغفران ليصبح هوة عميقة تُقصينا للأبد.
نورهان العشري ![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
انزع
من قلبك كل ما يؤلمه حتى ولو كان عزيزًا، أطلقت من جوفها ثاني أكسيد الوجع الذي فاض به القلب وذرفته مقلتاها على هيئة أنهار من العبرات التي أغرقت صدرها ولم تفلح في إطفاء نيرانه، فقد كُسِر قلبها دون رحمة على يد من توجته على عرشه ملكًا فبغى وأفسد، وكانت هي أول ضحاياه.
لم
يكن قلبها هو الضحية الوحيدة في الأمر، بل كبرياءها أيضًا نال حقه، فقد فضل أنثى أخرى عليها ووشمها باسمه لتصبح زوجته،
حقيقة مرة وواقع مؤلم وأسوأ ما قد يحدث لامرأة أن يتزوج عليها زوجها، ولم يكتفِ بذلك بل دهس بشاحنة اعترافه على جراحها دون أن يهتز له جفنٍ من الرحمة.
أي وحش هذا الذي عشقته واختارته زوجًا لها من دون الرجال؟
أطلقت آهات الألم من بين شفتيها التي تشققت من فرط البكاء وأخذت عيناها تنزف الوجع على هيئة أنهار لا تنضب أبدًا.
_ هل تنوين قضاء الباقي من عمرك في البكاء؟!
هكذا
تحدثت “راوية”، والدتها التي تقطعت نياط قلبها حزنًا على رؤية ابنتها الوحيدة بهذه الحالة، ولكن لسوء الحظ فهي لا تملك أي شيء قد يخفف عنها عذابها.
_ اتركيني وحدي يا أمي.
“راوية” بحزن:
_ لا أستطيع تركك وأنتِ في هذه الحالة.
ارتجفت نبرتها من فرط الألم حين قالت:
_وما الذي سيحدث لي أسوأ مما حدث؟!
احتوت كتفاها بين ذراعيها وأسندت رأسها بجانب رأس ابنتها، قبل أن تقول بخفوت:
_هوني عليكِ يا حبيبتي.. لا شيء في العالم يستحق دموعك أبدًا.
تلوت أضلعها بداخلها من فرط الألم الذي كان يقطر من بين حروفها حين قالت:
_تلك
الدموع ليست بشيء؛ فهناك جرحٍ غائرٍ بمنتصف قلبي ينزف دمًا.
امتزجت عبرات الأم وابنتها التي كانت ترتجف من فرط الألم الذي ينخر عظامها، فأخذت “راوية” تشدد من عناقها وهي تقول بلوعة:
_لا، لا، رجاءً توقفي عن قول هذا، فقلبي لا يحتمل رؤيتك هكذا.
شهقات متتالية، وعبرات غزيرة، وكلمات متقطعة كانت تخرج من بين شفتيها، فقامت “راوية” بالاعتدال وامتدت يديها تحاوط وجه “هدى” وهي تقول:
_اهدأي حبيبتي، كل شيء سيكون على ما يرام، أعدك.
جفت ينابيع الأمل بداخلها فقالت بمرارة:
_بالله عليكِ يا أمي ما الذي سيكون على ما يرام؟
هل ما زلت طفلة قد تضحكين عليها بمثل هذه الكلمات؟!
“راوية” بحنان ممزوج بالوجع:
_أجل، أنتِ بعيني طفلة لا تكبر أبدًا.
STORY CONTINUES BELOW
“هدى” بقهر يلون معالمها:
_كبُرت! تضاعف عمري حتى أصبحت أشعر بأني امرأة مسنة من فرط الوجع.
_يجب أن تتغلبي على هذا الوجع قبل أن ينهيك يا “هدى”، أعلم كم أن قلبك يؤلمك، الخيانة بشعة ووجعها لا يحتمل، ولكن يجب أن تكوني أقوى لأجل نفسك فهي تستحق.
هكذا قالت “راوية”، فأجابتها مغلولة:
_وجع
قلبي ستتكفل به الأيام يا أمي، أما عن وجع كبريائي وكرامتي المهدورة فلن يهدأ ما دمت زوجة ذلك الحقير.
ناظرتها “راوية” بصدمة لم تتخطَ حدود شفتيها، فأردفت “هدى” بحزم بعد أن مسحت أناملها خط العبرات الذي لم ينقطع فوق وجنتيها:
_سأطلب الطلاق، وسأنفصل عن هذا الخائن في أسرع وقت ممكن.
_على جثتي أن يحدث هذا الأمر.
انتفضت المرأتان على ذلك الصوت الغاضب القادم من أمام باب الغرفة، والذي كان ل”رؤوف الوالي” والد “هدى”، التي هبت من مقعدها تناظره بصدمة انبثقت من بين شفتيها على هيئة حروف مبعثرة:
_ ما هذا الذي تقوله يا أبي؟!
تقدم
إلى منتصف الغرفة بملامح متجهمة تشبه نبرته حين قال:
_ما سمعتِ، الطلاق أمر مرفوض بشكل قاطع، وعليكِ أن تُقصيه من عقلك.
اخترقت كلماته القاسية مسامعها مرورًا بقلبها الذي انتفض ذعرًا من تلك القساوة التي تنبعث من نظرات أقرب الناس إليها، فهمست بقهر:
_هل ستجبرني أن أكمل حياتي مع رجل خائن يا أبي؟
لم يتأثر خارجيًا ولم ترتخِ ملامحه قيد أنملة، إنما تابع بجفاء:
_لم
يخنك، لقد تزوج على سنة الله ورسوله، ثم إن هذا الخائن كان من اختيارك وقد حذرتك سابقًا أن له تاريخ غير مشرف مع النساء ولكنكِ لم تهتمي، والآن لن أتحمل نتيجة سوء اختيارك، ولن أقبل أن تحمل ابنتي لقب مطلقة أبدًا، هل فهمتِ؟!
تزاحم الشعور بداخلها بعد أن تزايدت جرعات الخذلان في قلبها الذي لم يحتمل كل هذا القهر فتهدلت أكتافها وشيعت والدها بنظرات قاتلة تحمل الخيبة والألم معًا، فتجاهل ما شعر به من تأنيب ضمير تجاهها وواصل حديثه الجَدي:
_لقد
هاتفني زين منذ قليل يخبرني بأنه سيأتي ليأخذك مساءً ولم أمانع، أما بخصوص زوجك المحترم فباستطاعتك أن تؤدبيه وأنتِ معززة مكرمة بمنزلك، أن تتركِ المنزل وتطلبي الطلاق ليس حلًا.
اختتم كلماته وغادرتها عينيه، حتى لا يرى وقع حديثه عليها، وتوجه بأنظاره إلى “راوية” التي كان العتب ينبعث من نظراتها، فلم يبالِ إنما قال بجفاء:
_أعيدي عقلها إلى مكانه وأخبريها كيف تتعامل مع زوجها، الذي بالمناسبة هو فقط من عليها إرضاءه.
قال كلمته الأخرى بحنق لم يفلح في قمعه، ثم غادر وسط أنظار “هدى” التي برقت عيناها من جملته الأخيرة، فالتفتت إلى والدتها تقول بصدمة:
_هل
ما أسمعه حقيقي؟ هل يريد مني إرضاءه بعد ما فعل بي؟
تشابهت عينيها مع لهجتها حين قالت بحنان:
_لا يا حبيبتي لا يقصد ذلك، إنما والدك منذ فترة وهو غير راضي عن…
توقفت ولم تدرِ كيف تصيغ كلماتها فتضاعف الفضول بداخلها، وقالت تحثها على الحديث قائلة:
_ أكملي يا أمي، ما هو الذي لا يرضى عنه والدي؟!
_مظهرك يا هدى.
انكمشت ملامحها بصدمة:
_مظهري! وما به مظهري؟
“راوية” بسخرية:
_ أتسألين؟
انظري إلى نفسك وإلى تسريحة شعرك التي تشبه امرأة في الستين من عمرها وأيضًا ملابسك التي لا تشبهك أبدًا ولا تلائم عمرك، سأخبرك أمرًا فقد تنبأ والدك بما حدث منذ فترة، وأخبرني نصًا أن شاهين قد يفعلها ويتزوج على ابنتك إن لم تلتفت إلى مظهرها قليلًا.
أفقدتها الصدمة القدرة على الحديث لثوان، ثم انفلتت ضحكة ساخرة من بين شفتيها قبل أن تقول باندهاش:
_هكذا إذن، هل مظهري مريع إلى هذه الدرجة؟ ثم إن مظهري هذا يعجب كثيرًا السيدة زينات والدته، التي لم يقف لمرة واحدة أمامها ليحميني من بطشها وسموم كلماتها.
راوية بحنق:
_لهذه
تحديدًا أخبركِ والدك بأن زوجك هو من عليكِ أن تطيعيه، لا والدته.
هدى بانفعال:
_ آه، هذا ما تقولينه أنتِ؛ لأنك لا تجلسين وجهًا لوجه معها أكثر من اثنا عشر ساعة في اليوم، وإن رأتك بشكل لا يعجبها . نظراتها فقط قادرة على جعلك تتمنين المــ,,ـــــوت محترقة أفضل لكِ.
_وها أنتِ احترقتِ، أين هي الآن؟
استفهمت راوية بغضب، فلم تستطع أن تجيبها هدى، فتابعت قائلة بتقريع:
_اخترت
الاتجاه الخاطئ يا هدى، وقد نبهتك قبلًا ولم أخبرك عن السبب، ولكن شاهين قد تحدث معي وأخبرني بأنه لا يجدك، دائمًا منشغلة إما مع الأولاد أو مع والدته وقد أغضبه هذا كثيرًا.
صاحت بكل ما يعتمل بداخلها من قهر:
_أمي هل تخلقين له الحجج والمبررات لفعلته النكراء معي؟
راوية بلهفة:
_ لا أبدًا، ولكنِ أخبرك بما حدث، نعم هو مخطأ وخطأه لا يغتفر، ولكن واجبي أن أخبرك بخطئك أنتِ أيضًا.
اجتاح قلبها ألم هائل أفقدها القدرة على الحديث، فأردفت راوية بتعقل:
_الزواج
أساسه العفة، أن تعفي زوجك في كل شيء فلا يلجأ لأخرى، رأيت بعيني كم أن زوجك يعاني وأخبرتك سابقًا، وحاولت لفت انتباهك، ولكنك اعتمدتِ علي حبه الكبير لكِ سابقًا ولم تبالي، ولكن الرجال يختلفون عنا؛ تبرد عواطفهم مع البعد وكثرة الإهمال.
لم تحتمل الصمت أكثر فأطلقت العنان لصرخاتها تملأ المكان:
_غير صحيح، لم أهمله بإرادتي؛
لقد كنت أهرول هنا وهناك مع أولاده، حتى أجعلهم شيئًا يفتخر به، إضافة إلى مهامي كزوجة الابن الكبير لزين النعماني والتي لا تنتهي وهو شاهد على طباع والدته الحادة وتسلطها، ولم يتدخل مرة للوقوف بجانبي أو التخفيف عني، الآن أصبحت أنا المذنبة والزوجة المهملة التي هرب منها زوجها وتزوج عليها؟! بالله عليكِ أي تجبر هذا الذي ترتكبونه في حقي؟
قالت جملتها الأخيرة بصراخ نابع من قهر كبير يستوطن خلايا قلبها، فاقتربت منها والدتها تحاول أن تخفف عنها وتهدئ من روعها قليلًا إذ قالت بحنو:
_ اهدأي حبيبتي رجاءً، نحن نقدر ما تشعرين به ولا نقصد التجبر عليكِ أبدًا، ولكن..
قاطعتها
بانفعال:
_ولكن ماذا؟ كل هذا لأجل ألا اطلب الطلاق وتحمل ابنتكم لقب مطلقة، وكأنني ارتكبت ذنب عظيم، حسنًا يا أمي، قبلت، لن أتطلق سأقبل القهر والذل حتى لا تتأثر سمعة عائلتكم النبيلة.
حاولت راوية تهدئتها إذ قالت برفق:
_من فضلك اهدأي، لن يحدث إلا ما تريدينه، أعدك.
لم تسعفها الكلمات للحديث، فتهدلت أكتافها بقهر، وأراحت رأسها على كتف والدتها بتعب تقطر من عينيها على هيئة أنهار من العبرات، التي تروي حكاية وجع امرأة أسلمت روحها ذات يوم لرجل، فرشت له قلبها بالورد ظنًا منها أن الوفاء طبعه، ولكنها نست أن بعض الظن إثم!
وأن للورد أشواك انغرست بقلبها دون رحمة، والذي كان خطأه الوحيد أنه أعطى الأمان لخائن.
**********
هب شاهين من مقعده، وهو يصيح باندهاش:
_ماذا؟!
تجاهل صدمته قائلًا:
_لم تكن تريد الخلاص مني فحسب، بل أرادت الخلاص من “لورا” أيضًا حتى تمحو جميع الدلائل خلفها.
شاهين بعدم فهم:
_على رسلك يا رجل، لقد أرسل مخي إشارات تعجب، لم أستطع استيعاب ما تقوله، كيف تأكدت من ذلك؟
توجه إلى النافذة يراقب الأجواء الشتوية في الخارج، وهو يجيبه بخشونة:
_قبل
السفر بيوم أتتني لورا في الفندق، فقد كانت تعلم باجتماعي مع رؤساء المجموعة، وحاولت إغوائي وحينها وضعت جهاز تتبع بملابسها يمكنني من معرفة جميع تحركاتها و..
صاح شاهين يقاطعه بحماس:
لحظة، لحظة، لحظة.. أنت تفوت عليّ أهم الأحداث. قلت إنها جاءت لإغوائك، ثم قفزت إلى جهاز التتبع اللعين ذلك، أين ما حدث قبل أن تضع هذا الجهاز وكيف وضعته؟ هل ضاجعت تلك الحسناء؟
التفت يناظره بسخط تجلى في نبرته حين قال:
_بالله عليك كف عن التفاهة، فأنا قضيت أكثر من سنة ونصف أصارع المــ,,ـــــوت في تلك الجزيرة القاحلة وأنت هنا تسأل عن مضاجعة تلك اللعينة!
هب
شاهين من مكانه قائلًا بحنق:
_ لا تحاول والله لن أتزحزح، ولا بد أن أعلم هل ضاجعتها أم لا؟
ابتلع غضبه الحارق قبل أن يقول بتوعد:
أعطيتها ما تريد على طريقتي، أنا لا أضاجع العاهـــ,,ـــــرات، وإن سألت عن أي شيء في هذا الأمر أقسم سأبدأ بك الآن.
شاهين بامتعاض:
_اللعنة عليك، هل فوت تلك الفرصة؟ وماذا سأنتظر من رجل بليد مثلك.
اكفهرت معالمه وقست نبرته حين قال متوعدًا:
_هل ستصمت أم أكسر أنفك هذه المرة؟
تجاهل وعيده وقهقه بتخابث، قبل أن يقول مازحًا:
_أعتقد أن تلك المرأة ماتت مشلولة من برودك..
هيا أكمل ماذا حدث بعدما وضعت جهاز التتبع؟
تجاهل مزاحه وتابع بجفاء:
_أخبرت فريال بما حدث وعن أمر تلك السفرية، بعدما أخبرتها أن الجميع يعلم أنني مسافر إلى الهند وبناءً على ذلك اقترحت فريال عليها السفر برفقتي، وإيقاعي في شباكها حتى تستطيع تخليص ابنتها مني.
صاح شاهين بصدمة:
_ هل جنت تلك المرأة أم ماذا؟ كيف تخلصها منك وهي من كادت أن ترقص فرحًا حين طلبت يد نور للزواج.
أكمل بلهجة محتقنه:
_وقد نالت مرادها بالزواج، وإنجاب الوريث، فما حاجتها إليّ بعد الآن؟
شاهين بصدمة:
_لقد
أرادت أخذ كل شيء، اللعنة كم أنها امرأة ساقطة.
فراس بوعيد أطل من عينيه التي كانت مشتعلة بنيران الانتقام:
_نعم ساقطة، تريد أن ترد الصاع وتنتقم لما حدث في الماضي، ولكن أقسم سأجعلها تندم.
شاهين بقسوة:
_هذا هو تحديدًا ما يجب أن يحدث، هيا أخبرني خطتك.
فراس بقسوة:
_سنبدأ بالحرب الباردة، فأنا أهوى تعذيب فريستي أولًا، لا أحب النهايات التي تأتي سريعًا.
شاهين ببسمة مستمتعة:
_لقد اشتقت للعب يا صديقي.
غزت ملامحه ابتسامة مخيفة تشبه نبرته حين قال:
_ستلعب حتى تمل، لا تقلق.
*****
_
استمع إليّ جيدًا يجب أن تغادر البلاد هذه الفترة حتى تهدأ الأجواء وسأطلعك بكل جديد لا تقلق.
هكذا همست فريال وهي تتحدث في هاتفها الخاص، فجاءها صوت أشرف المختنق رعبًا:
_هل أنتِ مجنونة؟ كيف أسافر في هذا التوقيت؟ أنتِ تعلمين وضع الشركة إنها على مشارف الإفلاس.. إن غادرت الآن يعني أنني انتهيت.
حاولت فريال طمأنته قائلة:
_اهدأ عزيزي لن يحدث ذلك، فأنا سأساعدك أقسم، عودة ذلك الوغد أفسدت كل مخططاتنا، ولكني لن أتركك لتسقط، أمهلني بعض الوقت.
صاح منفعلًا:
_كم من الوقت؟ أحتاج إلى المال حتى إن سافرت.
فريال بلهفة:
_سأعطيك،
ولكن أرجوك غادر، فأنا لا أضمن هذا المتوحش، فهو حتمًا لن يتركك بعد ما حدث.
داهمته حوافر الخوف حتى جرحت ثباته، فأذعن لاقتراحها وقال بسخط:
_حسنًا سأغادر مساء اليوم إلى هولندا، ومن هناك إلى إيطاليا حتى لا يستطيع تتبعي.
فريال باندفاع:
_جيد، فقط استخدم الهاتف الآخر حتى أستطيع التواصل معك وأغلق هذا مع جميع حساباتك، فهذا الرجل خطير ولا يستطيع أحد أن يعرف بماذا يفكر.
أشرف بنفاد صبر:
_حسنًا، حسنًا فهمت، سأغلق الآن لقد سئمت من ثرثرتك.
أنهى المكالمة وقامت فريال بغلق الهاتف، ثم ألقته على السرير خلفها وهي تقول بحنق:
_اللعنة
عليك فراس النعماني، اللعنة على كل تلك العائلة.
******
حاوطت صغيرها بذراعيها وكأنها تحتمي به من وحشة ذلك الشعور بداخلها، والذي كان عبارة عن مزيج من الحزن والغضب والخيبة، التي لونت ملامحها الجميلة فبدت واهنة ذابلة تشبه حياتها كثيرًا، فقد أمضت اليوم بأكمله برفقته، تنشد الهدوء والراحة هاربة من هذا الضجيج في الخارج.
_ أمي هل أنتِ بخير؟!
هكذا استفهم إياد فحاولت رسم ابتسامة هادئة على ملامحها، قبل أن تجيبه برقة:
_نعم أنا بخير، لا تقلق.
الطفل ببراءة:
_كنت أظنك ستكونين سعيدة، لقد عاد أبي من الجنة، وأنا سعيد للغاية، ألستِ سعيدة؟