*******
مر شهراً كان كعقاب بالنسبة إليه فمنذ أن غادرته وهو كالتائه الذي لا يعلم أين وجهته ولا يستطيع الاقتراب منها فأخذ يدور حول نفسه كالأسد الغاضب على الرغم من أنه والغضب لم يكونا أصدقاء أبداً ولكن غيابها كان قاتلاً .. فحتى لو لم يكن بينهما أي حديث ولكنه كان يعلم بأنها بجواره يكفيه ذلك حتى يشعر بالراحة التي لا تتحقق سوى معها .
أصوات جلبة في الخارج جعلته يخرج من مكتبه ليندهش وهو يشاهد والدته الباكية ووالده الذي كان يصيح بانفعال:
” لستِ أفضل من فريال فأنتِ امرأة قاسية وأم متجبرة بل أنتِ لا تصلحي لتكوني أم بالأساس. وأنا لم أعد أحتمل وجودكِ بحياتي و ما يجعلني أتحمل هو أولادي و اسم عائلتي لذا لا تقتربي مني أكثر..”
رغماً عنه شعر بالألم لأجلها فأجبر نفسه علي التدخل قائلاً بجفاء
” ما الذي يحدث يا أبي ؟ لما تصرخ هكذا ؟”
التفت إليه كلاهما زينات بنظرات مفعمة بالألم والحسرة وزين بنظرات غاضبة و نبرة تشبهها حين قال :
” انظري أنه أحد ضحاياكِ هو و زوجته المسكــ,,ـــــينة التي جعلتيها تشبهكِ بكل شيء حتى يكرهها مثلما يكرهكِ ..
تحدثت من بين نهنهات متقطعة
” لم أقصد . أقسم لك .. ”
قاطعها زين بانفعال
” لا تقسمي. أعلم كل شيء كما أعلم كم أنتِ نادمة الآن ولكن لم يعد هناك مجال للسماح فقد تجاوزت أخطاءكِ حدود المسموح به .”
تدخل شاهين بجفاء يتنافى مع ألمه مما يحدث
“يكفي يا أبي . ”
تفاجأ من زين الذي التفت إليه صارخاً بغضب مستعر :
” و أنت يا غبي لمَ لم تطلق تلك المرأة التي كل همها في هذا العالم النقود و السهر بالملاهي الليلية ؟
تجلس و تنوح كل ليلة كالنساء و لا تبدأ بفعل خطوة صحيحة علي الاقل !
زمجر شاهين بغضب :
“أبي لا طاقة لي بالحديث .”
قاطعه زين بتهكم :
“إذن فلتبقى كما أنت فغداً ستبكي بدل الدماء دماً حين تراها تتزوج بغيرك بعد أن تنتهي عدتها .”
أطلقت شياطين الجحيم من عروشها فاسودت نظراته و احتقنت ملامحه وهو يصرخ بزئير:
“ما هذا الهراء الذي تتفوه به ؟ ”
زين بعفوية مصطنعة:
“ليس هراء بل حقيقة. من المجنون الذي يترك إمرأة مثل هدى ؟ أتعلم لو أنني أحد أصدقائها في العمل ؟ أو أحد أقاربها من بعيد ؟ أو حتى أحد أصدقائها القدامى لم أكن لأتركها تفلت من بين يدي..”
قال تشبيهه الأخير قاصداً وليد ليثير غيرة شاهين الذي كان ينقصه أن ينبت له قرنان ليصبح شيطاناً بالمعنى الحقيقي للكلمة فهذا الظلام و تلك العروق النافرة و هذه الهالة المخيفة التي تحيط به جعلت منه شيطاناً أطلق سراحه لتوه من الجحيم . لذا لم يتفوه بحرف بل توجه إلي الخارج ينوي ارتكاب جريمة .
فأوقفته يد زين التي هوت على كتفه يديره إليه وهو يقول بصرامة:
“اصلح أخطائك أولاً حتى تستطيع استعادتها..” *************
استمعي إلي يا هناء .. لن تفلتي هذا الرجل من يدكِ أبداً هل تفهمين ؟”
هكذا تحدثت صابرين والدة هناء بغضب فهبت الأخيرة غاضبة :
ماذا على أن أفعل هل أتوسل له كي يأتي ؟
” إن لزم الأمر ستفعلين .. فكري جيداً من أين ستحصلين على رجلٍ مثله مرة أخرى ؟ أنه غني و محامي لامع و عائلته من أغنى أغنياء البلاد .. كما أنه شاب وسيم جميع الفتيات تتمنى ولو نظرة واحدة منه ..”
صاحت مغلولة:
“لا أحتاج منكِ أن تذكريني بمميزاته فأنا أكثر من يعلمها ولهذا أنا أحترق أمامكِ الآن ..”
صابرين بحنق:
“ستحترقين أكثر لو أطلقتي العنان لغبائكِ ليقودك هكذا. ”
” ماذا فعلت أنا؟”
صابرين بتقريع :
“فعلتِ المستحيل لتحصلي عليه حتى أنكِ لازمتي المنزل لأكثر من ثلاثة أشهر حتى تظهرين أمامه بمظهر الفتاة الهادئة المحترمة و الآن بكل غباء تظهرين وجهكِ الحقيقي و تتشاجرين معه لأجل السهر و التسكع مع أولئك الحثالة ؟ أوا تسألين حقًا ماذا فعلتِ؟”
هدرت بانفعال:
“لقد مللت يا أمي لا أجيد الجلوس في المنزل هكذا و أيضاً أنا غاضبة منه كثيراً فمنذ أن عدنا من ذلك المسمى بشهر العسل لم نخرج ولم يأتيني سوي مره واحدة فقط و تشاجرنا بسبب تلك اللعينة وقام بصفعي .. إضافة إلى أنه يريد مني الإلتزام في البيت كإمرأة عانس.. لا خروج ولا سهر ولا أي متعة .. هذه ليست الحياة التي كنت أظن أنني سأحياها برفقته . ”
” منذ أن كان عمركِ ثمانية عشر عام و أنتِ تخرجين و تسهرين كل يوم ألم تملي من فعل تلك الأشياء اللعينة لمدة عشر سنوات ؟؟ ”
هناء بانفعال :
“هذه هي حياتي و لأجل ذلك تزوجته.. لكي يوفر لي الإمكانيات لعيشها بطريقة أفضل ..”
زفرت صابرين بتعب قبل أن تصيح:
“إذن سيضيع شاهين من يدكِ وحينها ستخسرين .. ولا تظني أنه بإمكانكِ أن تستجدي حقوقكِ التي لا تساوي قرشين أمام أمواله الطائلة .. ”
داهمتها حوافر القلق فأخذت تشرد أمامها وهي تفكر في حديث والدتها التي قالت جفاء:
“فكري ملياً واعلمي أن هذا الرجل ذكيٌ جداً فهو يمهلك الفرصة كي تكوني مثلما يريد و أن تماديتي أو فكرتي بخداعه سيلقي بكِ عند أول مفترق طرق و لن يتلفت إلى الوراء أبداً..”
” غريب من أين عرفتي أني أنوي فعل هذا؟”
هبت المرأتان من جلستهن حين جاءهن صوت شاهين الذي استمع إلى كل حرف تفوهت به و علم حقيقة رغبتها في الزواج منه فشعر بالنفور من تلك المرأة الحقيرة التي لا يعلم أي بلاء جلبها على رأسه
” شاهين دعني أشرح لك ..”
هكذا تحدثت هناء بتوسل يشوبه عبرات غزيرة لم تحرك به ساكناً فقد شملها
بنظرة طويلة محتقرة توحى بأي طريقة أصبح يراها :
” لا داعي للشرح يا هناء فقد أرحتني وأنا الذي أتيت الطريق بأكمله أفكر في طريقة أخبركِ بها بأنكِ أسوأ شيء فعلته بحياتي ولكنكِ قطعتي علي طريق طويل من الحديث الذي لاتستحقينه لذا أنتِ طالق ..”
شهقت بصدمة و تدخلت والدتها في محاولة لتهدئة الأمور :
“شاهين يا بني. لا تُحل الأمور هكذا .
الرجل و زوجته يحدث بينهما الكثير ..”
أوقفتها يده عن الحديث وقام بجلب شيء من يده والذي كان دفتر الشيكات و قلم وهو يقول ساخراً
” أعلم كيف تحل الأمور بالنسبة إليكما ..”
قدم إليها شيكًا كان به مبلغاً كبيراً من المال جعل عيناها تبرقان وهي تمرره لابنتها التي قالت مغلولة
” هل ستعود إليها مرة أخرى ؟”
شاهين بسخرية
” وهل غادرتها حتى أعود إليها؟ ”
و كأنه غرز خنجراً في قلبها فأوشكت على الحديث فلم يتِح لها الفرصة حيث قال بقسوة أرعبتهم
” ستخرجين من حياتي كأنكِ لم تدخليها أبداً و تذكري أنني حللت كل شيء بهدوء فلا ترغميني على أشياء سيئة لا أحب فعلها..”
انهى كلماته و قام بالالتفات مغادراً وهو يقطع تلك الصفحة من حياته للأبد أو هكذا ظن فبذور الشر التي غرسها بحياته لن يكن انتزاعها سهلاً فما أن خرج حتى صرخت هناء بقهر
” أقسم لن أجعلك تتهنى معها ليومٍ واحد …”
يتبع…. See less