محمود دخل البيت وهو بيفتح ص,,دره، وشايف هبه أخته قاعدة على الأرض بتعيط والبوديجاردات محاوطينها، صرخ بعلو صوته: ‘إيه اللي بيحصل هنا ده؟ إنتي اتجننتي يا قمر؟ إزاي تعملي في أختي كدة وتجيبي رجالة غريبة في بيتي؟’.
قمر كانت واقفة فوق السلم، بتبص له بمنتهى الهدوء وهي بتعدل الساعة في إيدها. نزلت درجة درجة وقالت بصوت واطي بس يرعب: ‘بيتك؟ إنت لسه فاكر إنه بيتك؟ البيت ده بقى ملك “منى” بنتك اللي إنت بعتها، والمحلات بقت ملكها.. إنت هنا مجرد “ضيف” يا محمود، والضيف لازم يحترم نفسه عشان ميتطردش مع أخته’.
محمود وشه احمر وحاول يرفع إيده:
‘إنتي بتهدديني يا قمر؟ ده أنا أدفــ . ــنك مكانك!’.
قبل ما إيده تتحرك، واحد من البوديجاردات قبـ . ــض على معصمه بقوة لدرجة إن محمود صرخ من الوجع. قمر قربت منه ووشوشت في ودنه بـ “سم”: ‘إيدك دي لو اترفعت تاني، هطلع ملفات التهرب الضريبي والاختلاس اللي إنت عملتها في الشركة، والورق ده لوحده كفيل يرميك ورا القضبان بقية عمرك.. إمضي على الورقة دي يا محمود، إقرار بإنك “تنازلت” عن ولايتك وعن أي حق ليك في إدارة الأملاك، وإلا هتشرف في الزنزانة مع تجار المخدـ . ـرات!’.
محمود بص في عينيها، لقى غضــ .
ــب ٢٠ سنة بينفجر في وشه، وحس إنه بقى صغير أوي قدامها. رجع خطوة لورا وهو بيترعش، وبص لأخته “هبه” اللي كانت بتستنجد بيه وتقول: ‘إلحقني يا محمود! دي بتذلني يا أخويا!’.
محمود بص لهبه بقرف وقال لها بصوت مكسور: ‘إنتي اللي وصلتينا لكدة يا هبه.. إنتي اللي بوظتي كل حاجة بطمعك وجبروتك.. أنا مش قادر أعملك حاجة، قمر معاها كل الخيوط’.
هبه صرخت: ‘يا جبان! بتسيب أختك عشان خايف من مرة؟’.
محمود ماردش، مسك القلم ووقع على الورق وهو إيده بتترعش، وخرج من الصالة وهو مش قاد يرفع عينه في عين “منى” اللي كانت بتبص له بمنتهى الاحتقار.
قمر شاورت للبوديجارد: ‘خد الست هبه على المطبخ، فيه جبل مواعين مستنيها.. ومحمود بيه، يروح يقعد في الجنينة، ومسمعش صوته لحد ما أقرر هعمل فيه إيه!’.”
“هبه كانت فاكرة إن محمود لما يجي هيقلب الدنيا، بس لما شافت أخوها السند بيوطي راسه ويمضي وهو مرعوب، عرفت إنها بقت لوحدها في الغابة.
قمر بصت لهبه اللي كانت بتعيط بحــر . ــقة وقالت لها بصوت جهوري: ‘خلصنا تمثيل يا هبه؟
د.موعك دي مابتتحركش فيا شعرة، لأني شوفتها في عين منى ٢٠ سنة وإنتي كنتي بتضحكي!’.
قمر شاورت للبوديجارد ‘منصور’ وقالت له: ‘يا منصور، خد الست هبه، ولم لها كل هدومها البراند والشنط اللي بالآلافات، وحطهم في كراتين وارميهم في المخزن.. ومن النهاردة، هبه هانم سكنها هيكون في “أوضة المنور” اللي جنب المطبخ.. الأوضة اللي كانت منى بتنام فيها وسط الصراصير والرطوبة!’.
هبه صرخت بجنون: ‘المنور؟ إنتي عايزة تنيميني في المنور يا قمر؟ ده أنا أمــ . ــوت نفسي ولا أنام فيه!’.
قمر ضحكت بسخـ ــرية: ‘مــ . ــوتك مش هيفيدني، أنا عايزاكي تعيشي وتدوقي..
ومنصور هيسهر على راحتك، أي صوت اعتراض، “خرطوم المية” الساقعة هيكون الرد.. يلا يا هبه، على شغلك!’.
هبه انقادت زي الذبيحة ورا منصور، ودخلت المطبخ لقت جبل من المواعين والحلل “المشيطة” اللي قمر قاصدة تخلي الشغالات يسيبوها عشان هبه تدعكها.
في الصالون، قمر قعدت وحطت رجل على رجل، وبصت لمحمود اللي كان قاعد في ركن زي الكلـ. .ب المضروب، وقالت له: ‘وإنت يا محمود.. من بكرة هتنزل الشركة “ساعي”.. تجيب القهوة والشاي للموظفين اللي كنت بتتكبر عليهم، وعشان الكل يعرف إن اللي بيظلــ . ــم مراته وعياله، نهايته بتبقى تحت الرجلين’.
محمود بلع ريقه بخوف: ‘ساعي يا قمر؟
ده أنا صاحب الشركة!’.
قمر ردت عليه بنظرة خلت قلبه يقف: ‘كنت.. دلوقتي إنت “موظف” عند منى وحسناء.. وأي تقصير، هسحب منك اللقمة اللي بتاكلها’.
منى دخلت المطبخ ببرود، وشافت هبه وهي بتدعك الحلة بد.موعها، راحت حطت رجلها على طرف الحوض وقالت لها ببرود: ‘يا شاطرة.. الحلة دي لسه فيها سواد، إدعكي بضمير.. أصل أنا النهاردة عازمة صحابي كلهم عشان يشوفوا “الشغالة الجديدة” اللي عمتي هبه رشحتها لي!’.”
القصر اتملى أنوار، والعربيات الفخمة وقفت قدام الباب. صحاب منى وحسناء (بنات الطبقة المخملية) دخلوا وهما مبهورين بالشياكة والنظام.
قمر كانت واقفة تستقبلهم كأنها ‘ملكة متوجة’، وبجانبها منى وحسناء زي الأميرة والملكة.
قمر شاورت لـ ‘منصور’ البوديجارد وقالت بصوت مسموع: ‘يا منصور.. نادي على “الشغالة الجديدة” تخليها تقد.م العصير للضيوف، مش عايزين نتأخر عليهم’.
هبه خرجت من المطبخ، وكان شكلها يقطع القلب.. لابسة مريلة مطبخ متسخة، وشعرها منكوش، وإيديها مبلولة ومنتفخة من كتر غسيل المواعين. شالت الصينية وهي بتترعش، وأول ما دخلت الصالون، الدنيا سكتت تماماً.
واحدة من صحاب هبه القدام “مدام نيفين” برقت عينيها وقالت بشهقة: ‘هبه؟! مش معقول! إيه اللي إنتي لابساه ده؟ وإيه اللي ممشيكي بصينية عصير؟’.
قمر ضحكت ببرود وقالت:
‘أصل هبه هانم حبت تجرّب “حياة الشقاء” اللي كانت مفرضاها على منى بنتي.. وقررت تتبرع بمجهودها وتخد.منا النهاردة.. مش كدة يا هبه؟’.
هبه بصت لنيفين بكسرة وقهر، وحاولت تتكلم بس لقت البوديجارد واقف وراها زي الخيال، فنزلت راسها وقالت بصوت مخنوق: ‘أيوه.. اتفضلي يا مدام نيفين العصير’.
منى بصت لعمتها وقالت لها بمنتهى الجبروت: ‘يا شاطرة.. الصينية مايلة، خدي بالك لا تدلقي على فساتين الهوانم، أصل الفستان الواحد بتمن عُمرك كله!’.
هبه كانت بتغلي من جوه، ود.موعها نزلت في الصينية.. وفي اللحظة دي دخل محمود وهو لابس بدلة “الساعي” الزرقاء وشايل شنط الضيوف، والكل بدأ يهمس ويضحك عليهم.
قمر قامت ووقفت في نص الصالون وقالت للكل: ‘النهاردة يا ج,,ماعة، بنحتفل برجوع الحق لأصحابه.. منى وحسناء هما أصحاب الملك ده، وهبه ومحمود هما اللي هيسهروا على راحتكم.. أي حد يحتاج حاجة، ينده على “هبه الشغالة” أو “محمود الساعي”!’.
هبه مقدرتش تستحمل، الصينية وقعت من إيدها واتكسرت، فجأة ‘منصور’ البوديجارد مسكها من دراعها بقوة وقال لها: ‘انزلي لِمي الإزاز المكسور ده بإيديكي يا شاطرة، ونضفي الأرض قبل ما حد يتجرح!’.
هبه نزلت على ركبها قدام كل الهوانم، وبدأت تلم الإزاز وهي بتبكي بقهره، وقمر بتبص لها من فوق وبتبتسم بانتصار، وكأنها بتقول لها: ‘ده تمن حــر .
ــق قلبي يا هبه.. ولسه الحساب مخلصش!’.”
هبه ضغطت على قطعة الإزاز الحادة في إيدها لحد ما صوابعها نزفت، وعينيها كانت مركزة على رجل منى العريانة اللي لابسة صندل شيك.. كانت ناوية تغرسها بكل غلها وتصرخ: ‘لو ضعت أنا، تضيعي إنتي كمان!’.
لكن قبل ما هبه تتحرك مليم واحد، كعب جزمة قمر العالي نزل بكل قوته على إيد هبه اللي ماسكة الإزاز.. هبه صرخت بوجع يقطع القلب، والإزازة وقعت من إيدها.
قمر وطت لوش هبه، وقالت لها بصوت واطي ومرعب: ‘فاكرة إني مش شايفاكي؟ أنا حافظة مكرك يا هبه..
الحركة دي لو كانت تمت، كنت هسيب البوديجاردات يدفــ . ــنوكي حية في الجنينة ومحدش هيعرف لك طريق.. انزلي لِمي الإزاز بلسانك لو لزم الأمر، ونضفي الد.م اللي نزل من إيدك ده، مش عايزة قرف في صالوني!’.
منى رجعت خطوة لورا وهي مخضوضة، بس قمر مسكت إيدها وطمنتها بنظرة.. وبصت للضيوف اللي كانوا واقفين مذهولين وقالت بضحكة واثقة: ‘معلش يا ج,,ماعة، الشغالة دي لسه غشيمة ومابتعرفش تشيل الصينية.. يلا يا منصور، خد الشغالة دي على المطبخ، واحبسها هناك لحد ما تخلص جبل الصحون، ومفيش عشا ليها النهاردة.. العقاب هو “الجوع” زي ما جوعت بنتي زمان!’.
هبه انقادت وهي بتجر رجليها وبتعيط بكسرة، ومنصور البوديجارد كان بيزقها قدامه كأنها “جناية”.
في المطبخ، هبه لقت محمود قاعد على الأرض ببدلة الساعي المبهدلة وبياكل “عيش وجبنة قديمة” بوجع.. بصت له هبه وقالت له بنبرة كلها حقد: ‘إنت قاعد بتاكل؟ إنت مش شايف مراتك بتعمل فينا إيه؟ إنت مش راجل؟’.
محمود بص لها بعين مكسورة وقال: ‘الرجل اللي بتتكلمي عنه م,,ات يوم ما وافقتك ورميت بنتي في حــ . ــضنك تذليها.. قمر معاها ورق يودينا المشنقة يا هبه.. كلي يا هبه، كلي جبنة قديمة، أصل ده اللي باقي لنا من عز “السيوفي”!’.
قمر دخلت عليهم فجأة، ورمت في وش هبه “مريلة” قديمة ومقطعة وقالت لها: ‘من بكرة الصبح، إنتي ومحمود هتنزلوا الجنينة تنضفوا فضلات الكلاب اللي منى اشترتها النهاردة.. ومنصور هيكون واقف فوق راسكم بالكرباج.. أي تقصير، الخصم هيكون من “ساعات النوم”!’.”
هبه كانت قاعدة في المنور، ريحة الرطوبة كاتمة نفسها، وجسمها كله بيوجعها من دعك السجاد. شافت ‘حسناء’ معدية من قدام الباب وهي شايلة عصير ومنعنشة، ندهت عليها بصوت مبحوح: ‘حسناء.. يا بنتي.. تعالي يا حبيبتي، أنا عمتك اللي كنت بدلعك وبشتري لك أغلى اللبس.. هنيكي عليا وأنا بمــ . ــوت في الضلمة دي؟’.
حسناء وقفت وبصت لها بأسى مصطنع:
‘يا عمتي، أنا قلبي واجعني عليكي والله، بس ماما “قمر” بقت مرعبة، والبوديجاردات في كل حتة.. أعمل إيه بس؟’.صفحتى قصص وروايات أمانى سيد