Uncategorized

اخد الحق حرفه أماني سيد

لفيت له، وكنت لسه محافظة على هدوئي، قعدت على الكرسي وحطيت رجل على رجل وبصيت له ببرود وقلتله:
“ها يا مدحت.. ارتحت؟ القعدة كانت حلوة والتحلية عجبتهم؟”
مدحت بدأ يزعق عشان يداري خيبته:
“إيه اللي هببتيه ده يا هالة؟ إنتي بتفضحينا قدام أهلي؟ بتقولي عليا مديون ومعيش مليم؟ إنتي اتهبلتي؟”
قمت وقفت وقربت منه بكل ثبات، لدرجة إنه رجع خطوة لورا، وقلتله بصوت واطي ومرعب:
“الفضيحة هي اللي إنت عملتها.. لما حاولت تكسرني قدامهم عشان تحس إنك راجل. بس من اللحظة دي يا مدحت، اللعبة اتغيرت. إنت عايز (زيرو) وعايز تجدد شبابك؟ مبروك عليك..

من بكرة الصبح أنا واخدة إجازة مفتوحة من المشغل، والفلوس اللي كانت بتسند البيت وتدفع الإيجار وتجيب اللحمة والفاكهة.. انساها.”
مدحت وشه جاب ألوان:
“يعني إيه إجازة؟ والمصاريف؟ وقسط العربية؟ والإيجار؟”
ضحكت بـ سخرية:
“دي بقى مسؤوليتك يا (ديك البرابر).. مش إنت الراجل؟ مش إنت اللي صلاحيتي انتهت عندك؟ وريني بقى صلاحيتك إنت في (السوق) هتعمل إيه. أنا هشيل إيدي من كل حاجة، والقرشين اللي حوشتهم من عرق جبيني، هصرفهم على نفسي.. كوافير، لبس، خروجات.. هجدد (صلاحيتي) لنفسي وبس.

وأنت بقى، ورينا شطارتك هتفتح البيت ده إزاي، ولا هتروح تطلب من (أختك الحرباية) تسلفك تمن العشا؟”
مدحت حاول يمسك إيدي، بس نفضتها بـ قرف وكملت:
“مفيش عشا النهاردة يا مدحت.. ولا بكرة.. ولا اللي بعده. من هنا ورايح، الأكل اللي هيدخل البيت ده بفلوسك إنت، والكهرباء والغاز بفلوسك إنت. أنا هنا (ضيفة) في بيتك لحد ما أشوف أخرتها معاك إيه.. وياللا وريني الهمة، العروسة (الزيرو) مستنية الشبكة والدلع، وريني هتجيبهم منين وإنت جيبك مخروم لولا وجودي.”
سيبته واقف في نص الصالة يكلم نفسه، ودخلت أوضتي وقفلت الباب بالمفتاح، وحسيت لأول مرة بـ طعم النصر..

طعم الكرامة اللي رجعت لي أغلى من أي كنوز الدنيا.
فات أسبوع.. أسبوع واحد بس كانت فيه التلاجة بتصفر، والبيت مكركب، ومدحت وشه بدأ يصفرّ هو كمان. كنت بخرج كل يوم الصبح، لابسة أشيك طقم عندي، ريحتي برفان يقلب البيت، وراجعة بليل ومعايا شنط جديدة، ولا كأنه موجود.
دخلت البيت بليل، لقت مدحت قاعد في الضلمة، ومنور كشاف الموبايل. بصيت له ببرود وقولت:
“إيه يا مدحت؟ النور قاطع ولا إيه؟”
مدحت رد بصوت مكسور ومخنوق:
“النور ماقطعش يا هالة.. المحصل جه الصبح وشال العداد عشان الفاتورة متدفعتش من شهرين..

وانتي عارفة إني كنت معتمد عليكي بتدفعيها أونلاين.”
ضحكت بـ سخرية وأنا بقلع نظارتي:
“يا عيني! معلش يا حبيبي، أصل أنا (صلاحيتي انتهت) في دفع الفواتير.. وبعدين إنت لسه شباب، انزل كدة وريهم همتك وادفعها في الشركة، ولا العروسة (الزيرو) مش بتحب تقعد في الضلمة؟”
مدحت قام وقف، وشه كان مليان هم وتعب، مكنش هو “الديك” اللي كان بيفرد ريشه قدام أهله من أسبوع:
“خلاص يا هالة.. ارحميني. أنا بقالي أسبوع مش ملاحق. صاحب البيت كلمني النهاردة وهددني بالطرد لو مدفعتش الإيجار المتأخر.. والجمعية اللي كنتي بتدفعيها باس,مي، الناس جم سألوا عليها وفضحوني في الشغل..

أنا مكنتش أعرف إنك شايلة كل ده!”
قربت منه، وبصيت في عينيه المهزومة وقولتله بمنتهى القسوة:
“إنت مكنتش بتعرف لأنك كنت مشغول بـ (منظرتك) الكدابة قدام أهلك.. كنت مشغول بتقطع في فروتي وتصغرني عشان تحس إنك كبير.. دلوقتي عرفت حجمك الحقيقي يا مدحت؟ عرفت إن لولا (الخردة) اللي إنت بتستهزأ بيها، مكنتش هتلاقي سقف يداريك ولا لقمة تبل ريقك؟”
مدحت نزل راسه في الأرض وصوته بدأ يترعش:
“أنا آسف يا هالة.. أنا ند,,مان. أنا عرفت قيمتك بجد، والبيت ده من غيرك ولا حاجة.. أنا مكنتش شايل هم مليم طول ما إنتي موجودة.

أبوس إيدك، ارجعي زي الأول وشيلي معايا، وأنا والله ما هفتح بوقي بكلمة تضايقك تاني.”
بصيت له وضحكت بمرارة:
“آسف؟ الأسف ده بـ يدفع فاتورة النور؟ الأسف بـ يسكت صاحب البيت؟ لا يا مدحت.. الند,,م ده خليه ينفعك. إنت قولت إنك عايز تعيش شبابك وتتجوز.. وريني بقى (الشباب) ده هيصرف على البيت إزاي.

أنا من بكرة هبدأ أدور على (شقة صغيرة) ليا أنا وبنتي، وإنت خليك هنا في الضلمة، فكر في (صلاحيتك) اللي كنت بتتباهى بيها.”
مدحت اترمى على الكرسي وهو بيحط راسه بين إيديه وبدأ يعيط بجد، لأول مرة أشوفه ضعيف للدرجة دي، بس قلبي مكنش فيه ذرة شفقة.. الوجع اللي عيشهولي قدام أهله كان أكبر بكتير من د,,موعه دي.
يوم الخميس بليل، لقيت مدحت عمال يلف ويدور وطلب مني بكسرة نفس: “يا هالة، أنا عزمت أمي وأخواتي وسلايفك النهاردة.. أرجوكي اقعدي معانا، أنا ليا كلمة عايز أقولها قدام الكل”.

قعدت وحطيت رجل على رجل، كنت لابسة فستان شيك ومسرحة شعري وكأني أنا اللي “العروسة” في البيت ده. هما دخلوا وشوشهم مخطوفة، مستغربين من الضلمة اللي في البيت (لأن النور كان لسه مقطوع ومدحت منور شموع وكشافات)، والتربيزة اللي كانت زمان بتفيض بالأكل، النهاردة مكنش عليها غير كوبايات شاي سادة.. حتى السكر كان خلص ومدحت مش عارف يجيب غيره.
مدحت وقف وسطهم، وكان باين عليه الهم، وشه دبلان، وبص لي وقال بصوت مس,موع:
“يا جما.عة، أنا جمعتكم هنا عشان أقول كلمة حق.. أنا غلطت في حق هالة، وغلطت لما قولت عليها كلام يقلل منها قدامكم.

أنا كنت فاكر إني (ديك) وشايل البيت، لكن الحقيقة إن هالة هي اللي كانت شايلاني وشايلاكم وشايلة البيت كله على كتافها من عرق جبينها في المشغل.”
حماتي حاولت تفتح بوقها بكلمة، بس مدحت قاطعها بحدة:
“اس,معي يا أمي.. هالة اللي كنتي بتقولي عليها (دبلت)، هي اللي كانت بتدفع فواتيركم وبتجيب الهدايا اللي كنت بجيبلكم بها وهي ساكتة وبتقولي (دي من خيرك يا مدحت). أنا اللي (صلاحيتي انتهت) لما افتكرت إن الرجولة باللسان والقهر، مش بالمسؤولية.”
لف ليا وقدامهم كلهم، وطى على إيدي وباسها (قلم تاني بس بـ “شياكة”):
“أنا بعتذر لك يا هالة قدام الكل..

أنتي ست راسي، وأنتي اللي بتنوري حياتي، والبيت ده من غيرك ضلمة وقب,,ر.. سامحيني، ومستعد أمضي لك على أي ورقة تضمن حقك، بس مترمينيش للضياع ده.”
عدى أسبوع كمان على قعدة الاعتذار، ومدحت كان زي “الخيال” في البيت، بيحاول يعمل أي حاجة عشان يرضيني. وفي يوم، لقيته داخل ومعاه وصلات النور والإيجار مسددة، ووشه باين عليه الشقا.. عرفت إنه باع “ساعته الغالية” واستلف من صحابه عشان يثبت لي إنه قد المسئولية.
بص لي بتعب وقال:
“النور رجع يا هالة.. والبيت أمان. أنا مش طالب منك تسامحيني بكلمة، أنا عايزك تشوفي فعلي.

أنا لغيت فكرة الجواز دي من قاموسي، ومستعد أكتب لك الشقة باس,مك (حق انتفاع) طول العمر عشان تطمني إن مفيش مخلوق يقدر يمشيكي.”
بصيت له وهزيت راسي بهدوء، وقلت بصوت واثق:
“أنا هسامحك يا مدحت.. بس (هالة) القديمة اللي كانت بتدفع وتداري وتدلع، ماتت في القعدة اللي كنت بتهينني فيها قدام أهلك. أنا هقوم بالبيت، بس (مصروف البيت) هينزل في إيدي أول كل شهر بالمليم، وفلوس المشغل دي (خط أحمر) لمستقبلي ومستقبل بنتي بس.”
مدحت وافق وهو بيبوس راسي: “اللي تؤمري بيه يا ست الستات.”

بعد شهر، “حماتي” وأخت مدحت “الحرباية” جم يزورونا. المرة دي، مدحت هو اللي فتح الباب، ودخلهم الصالة وهو بيقول:
“اتفضلوا.. هالة ثواني وهتخرج لكم.”
خرجت وأنا لابسة عباية استقبال شيك ودهبي كله في إيدي، قعدت وحطيت رجل على رجل، ومقمتش للمطبخ زي زمان. مدحت هو اللي قام وجاب الصواني وقد,,م الشاي والحلويات وهو بيقول بـ فخر:
“تسلم إيدك يا هالة، الحلويات اللي طلبتيها من المحل طعمها يجنن.”
أخته كانت هتمو.ت من الغيظ، حاولت تفتح بوقها بكلمة:
“والله يا هالة، الواحد مكنش يتصور إن مدحت يبقى (شاطر) كدة في البيت..

إنتي ريحتيه خالص.”
بصيت لها بابتسامة نصر وقلت ببرود:
“الراجل بيبان معدنه في بيته يا حبيبتي.. ومدحت عرف إن (الراحة) الحقيقية هي إنه يشيل شيلته، وأنا عليا (الدلع) وبس. مش إنتي اللي كنتي بتقولي الست تدبل؟ أديكي شايفة، أنا نورت لما شيلت حمل المصاريف من على كتافي ورميته على صاحبه.”
حماتي هزت راسها وقالت بـ “أدب” مفاجئ:
“من حقك يا بنتي.. ربنا يهنيكم ببعض، إحنا بس جينا نطمن عليكم.”
مدحت رد بسرعة:

“تطمنوا وإحنا في أحسن حال طول ما هالة هي (الكل في الكل) هنا.”
خرجوا من البيت وهما بيمشوا جنب الحيط، وعارفين إن “كلمة هالة” هي اللي بتمشي، وإن مدحت بقى “خاتم في صباعها” بس بالاحترام والتقدير مش بالقهر.
وقفت في البلكونة، بصيت للس,ما وخدت نفس عميق.. عرفت إن السترة مش بس بيت، السترة هي “هيبة” بتفرضها الست بذكائها. مدحت اتعلم الدرس، وأهله اتخرسوا للأبد، وأنا رجعت لـ “مشغلي” بقلب جديد، عارفة إن “صلاحيتي” عمرها ما تنتهي طول ما أنا عارفة قيمة نفسي.
تمت الرواية بانتصار ساحق لـ “هالة”!
الكاتبه امانى سيد

يلا يا غوالى لايك وكومنت بالصلاة على النبي لعلها المنجيه

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى