في المنزل دقت الساعة العاشرة والربع مساءًا عاد رحيم من عمله ينظر حوله ليرى المنزل هادئ كغير عادته ..فكان دائمًا صوت ندى والأطفال في الإرجاء ..انتقل ببصره تجاه غرفتها و وجد نفسه يتقد.م نحوها لأنه حقا أشتاق لرؤيتها لكن سيخترع أي حجة ليتحدث إليها ..وقف أمام الباب يدقه بقبـ .
ــضة يده وانتظر رد ولم يوجد فقام بفتح الباب وانتقلت ببصره في جميع انحاء الغرفة لم يجدها ..فدخل مغلقًا الباب خلفه ورأى ثيابها التي كانت ترتديها على الفراش فأخذ كنزتها البيضاء وضعها على أنفه يستنشق عطرها الذي يخطف أنفاسه ويجعله يعشقها أكثر وأكثر ثم اتجه صوب المرآة و وقف ينظر إلى أغراضها بابتسامة ظهرت على عيناه قبل ثغرة ..وضع الكنزة على المقعد ليتناول عطرها يضمه إليه وحمل البلورة بيده الأخرى ينظر إليها عن قرب ثم وضعها كما كانت و وضع العطر أيضًا ثم قال وهو يلمس كل شيء يخصها :
-بحبك يا ندى بعد دقائق أستمع إلى صوت سيارة فخرج من الغرفة متجه نحو الدرج وعيناه على الباب و وقف واضعًا قد.مه اليسار على أول درجة ..بعد لحظات فتح علاء الباب لتدخل ندى فتحولت ملامح الاشتياق والحب إلى ملامح وحشيه قاتلة بفضل الغيرة التي سيطرت على عقلة وقلبه حتى أنفاسه التي تخرج تشبه شرارات الجحيم ..نظرت ندى إليه بحزن ثم هبطت بمقلتيها إلى قبـ . ــضة يده الذي يعتصرها.. بينما دخل كلا من ريان وأشرقت وأغلق علاء الباب ثم التفت ليرى شقيقه والذي تحرك متجه نحوه ووقف على بُعد خطوتين منه متسائلًا بصوت عنيف :
-كنتم فين ؟! أجاب ببرود : -كنت بخرج الأولاد أنا وندى رمى ندى بنظرةٍ قاتلةٍ فأطرقت عيناها ليعود بالنظر إلى شقيقه وقال بنبرة حاده بدافع الغيرة : -لو عايز تعمل سهرة تعارف يبقى متخدش الأولاد معاك لتنظر ندى إليه بعينين لامعتين من الد.موع وقالت بحنق : -سهرة تعارف؟! لينظر إليها بنظرات من الجحيم وصاح بعنــ . ــف : -أنتِ تخرسي خالص خرجت السيدة وفيه من غرفتها على صوتهم فيما قالت ندى ببكاء هستيري : -لاء مش هخرس ..ومش هستحمل الإهانة دي أكتر من كده
ثم ركضت إلى غرفتها فلحقت أشرقت بها وهي تناديها وأيضًا السيدة وفيه ..دخلت ندى الغرفة وألقت بجسدها على الفراش تبكي بحــر . ــقة.. فجلست أشرقت إلى جوارها تربت على كتفها فيما أغلقت وفيه الباب وحاولت تهدئة ندى.. أما في الخارج ركض ريان إلى الدرج ليصعد إلى غرفته وقال علاء بتذمر : -ارتحت كده لما جرحتها قدامنا وزعلت ولادك لينظر رحيم إليه بنظرة حادة كالصقر ثم تركه متجه نحو غرفة المكتب ودخل مغلقًا الباب خلفه عنوة.. حرك علاء رأسه في كلا الاتجاهين بأسف ثم صعد إلى غرفته..
بعد دقائق ليست قليلة خرجت السيدة وفيه من غرفة ندى متجه نحو المكتب وعند وصولها دقت الباب ثم فتحته ودخلت لتجده ممددًا على الأريكة واضعًا ذراعه على عيناه.. وقفت تنظر إليه بحزن فهي تعلم جيدًا أنه يعاني ويغضــ . ــب ويعود يأنب نفسه ويند.م على ما يفعله.. تساءلت بنبرة بكاء : -أنت كويس يا بني ؟! تنحنح بخفة وأجاب عليها بهدوء على عكس ما يشعر به من ألم : -أنا بخير ثم نهض عن الأريكة وتناول معطفه الذي ألقى به على المقعد وخرج من الغرفة متجه نحو الباب فلحقت به بخطوات سريعة وتساءلت بتوجس :
-على فين يا بني ؟! اجاب بصوت مهلك : -هبقى كويس متقلقيش ثم خرج مغلقًا الباب خلفه واستقل سيارته بدون السائق ليغادر وأخذ يتجول في الشوارع دون أن يعلم إلى أين سيذهب ..لفت نظره محل ورد على وشك أن يغلق فصف سيارته جانبًا وعاد إلى المحل وطلب باقة ورد بيضاء وانتظر حتى انتهى وأخذها ليعطي له المال ثم استقل السيارة وغادر إلى حيث يعلم..
عند وصوله صف السيارة وتناول باقة الورد ثم ترجل ورفع رأسه ليقرأ اللافتة بعينيه ” مقابــ . ـر عائلة النادي ” ثم أخرج من جيب سرواله المفاتيح وقام بفتح البوابة ثم دخل متجه نحو قبـ . ـر والده ووقف أمامه ينظر إلى أسمه بعينين أصبحت حمراء بفضل الد.موع التي اجتمعت حول مقلتيه وتذكر أخر لقاء بينهما.. كان ينتظره في الخارج وعند.ما خرج والده احتضنه رحيم فبادله بالعناق الأبوي وقال رحيم مداعبًا : -أنا مكنتش عايزك تخرج النهاردة علشان صحتك ..لكن هسمحلك النهاردة بس
أبتسم وض.ربه على كتفه من الخلف بخفة ثم تنهد وقال : -متقلقش عليه يا حبيبي ابتعد عنه وقبل يداه ثم فتح له الباب الخلفي من السيارة ليجلس على المقعد ثم أغلق الباب و أدخل يده من نافذة السيارة ليمسح على كتف والده و قال مبتسمًا : -هروح الشركة وارجع الاقيك في البيت أمسك بيد ابنه وقبلها بحنان فقبل يداه هو الأخير ثم طلب من السائق أن يغادر ويبقى معه وبعد أن غادرت السيارة وضع يده على قلبه مباشرةً وظهرت علامات القلق على جميع ملامح وجهه ..وفي المساء عاد وهو مريض وينفث أنفاسه الأخيرة..
فاق من ذكرياته المؤلمة وسقط على ركبتيه واضعًا يده على أسمه قاطبًا جبينه محاولًا ألا يبكي ولكن خانته د.موعه التي سقطت بغزارة على وجنتيه لتختبئ داخل لحيته وقال بقهر : -لو كنت أعرف أن ده الح.ضن الأخير مكنتش سبتك أبدًا.. ثم وضع باقة الورد بجوار جميع باقات الورود التي قد جلبها له ثم طبع قبله على أسمه.. وبعدها رفع يديه يقرأ له الفاتحة وبعض السور القصيرة والكبيرة ثم بدأ يدعو له حتى شعر بالإرهاق فوضع رأسه على قبـ . ـر والده ليشعر باحتضانه له ..فهو مثل الطفل الصغير الأن يحتاج إلى والده وبشدة..
غلبه النوم واستيقظ على صوت أذان الفجر بوجه عابس فنظر حوله قاطبًا حاجبيه وشعر بألم في ظهره ثم مسح على قبـ . ـر والده ونهض ليغادر وأغلق البوابة بالقفل ثم استقل السيارة واتجه إلى أقرب مسجد وصلى الفجر جماعة بعد أن توضأ.. عقب انتهائه عاد إلى المنزل ودخل إلى غرفة المكتب مباشرةً ..خلع معطفه ألقى به على المقعد ثم أراح جسده على الأريكة ليذهب إلى النوم بأريحية.. ” في الصباح..” استيقظت ندى لتجد أشرقت بجوارها فقبلتها على رأسها لتفتح عينيها.. فمسحت على أنفها بسبابتها وقالت بمزاح :
-الحلو يبطل كسل ويلا على المدرسة اومأت موافقة ثم ذهبت إلى غرفتها لتجهز نفسها فيما نهضت ندى و وقفت أمام المرآة لترى كنزتها فحملتها وانتقلت ببصرها بين الفراش والمقعد وهي تتذكر أنها وضعتها على الفراش..ثم وضعتها كما كانت وبدأت تحضر نفسها وحضرت لهم الفطار وكل شيء يخصهم.. كان ريان يبدو عليه الحزن وحاولت ندى أن تعلم ما به ولكن لا يود أن يتحدث فتركته يذهب إلى المدرسة ..ثم عادت حبيسة غرفتها تفكر أن تترك المنزل وتغادر لكونها حقًا تشعر بالإهانة..
دق الباب فأذنت بالدخول عند.ما علمت بأنها السيدة وفيه.. دخلت حاملة صينية الفطار وضعتها على الفراش ثم عادت لتغلق الباب وعادت إلى ندى لتجلس أمامها قائلة : -افطري يا ندى بقى متتعبيش قلبي بدأت تتناول الطعام وتشاركها السيدة وفيه لتشجيعها ..بعد دقائق من الصمت ك.سرت حاجز الصمت بقولها المفاجئ : -أنا لازم امشي توقفت عن تناول الطعام وقالت بحزن : -لاء يا ندى ..افهمي رحيم يا بنتي عصبي بس حنين أوي ..دا خرج ومرجعش غير الفجر ونايم في المكتب..
أطرقت رأسها بحزن وشعرت بالحنين له فيما تابعت وفيه : -دا حامل مسؤولية اتقل من الجبال ..شركته والمصنع ويخلص شغل الشركة يروح المصنع ويخلص من المصنع يرجع لشركة وقبل ما تيجي ..كان لازم يجي بدري علشان يشوف ولاده ويرجع تاني وهكذا فكرت للحظات طويلة حتى وصلت إلى فكرة وقالت فورًا: -طيب النهاردة بس ..همشي وأشوف أنا هستحمل فراق الأولاد ولا لاء قالت بمكر : -و رحيم .. عضت على شفاها السفلى بخجل فابتسمت وقالت بتأكيد :
-بتحبيه يا ندى ..بلاش تكبري اومأت موافقة ثم قالت : -طيب أنا هحاول أبعد ..يعني هجرب النهاردة بس وبالمرة أشوف جدتي -زي ما تحبي يا ندى المهم متبعديش استيقظ رحيم على صوت رنة الهاتف بوجه عابس ورفع ظهره عن الأريكة وهو يخرج الهاتف من جيب سرواله لينظر إلى شاشته التي تضيء باسم والدة زوجته السابقة فزفر بسأم واجاب عليها بعد.م قبول وبعد تبادل السلام قالت : -أنا هعدي على مدرسة الأولاد اخدهم يقضوا معايا اليوم النهاردة.. ياريت تبلغ المديرة إنك موافق
وافق على حديثها وانهى معها المكالمة ثم نظر إلى ساعة يده التي تدق العاشرة والنصف فنهض وخرج من الغرفة متجه نحو المطبخ وطلب فنجان قهوة من السيدة وفيه ثم صعد إلى غرفته.. من ثم دلف إلى المرحاض ليضع بدنه أسفل الماء مستندًا بيديه على الحائط المقابل له ينظر إلى الأرض والمياه تسقط من بين خصل شعره ..شعر بألم داخل قلبه عند.ما تذكر صوت بكائها ونظرات العتاب الموجه له كالخناجر التي تصيب هدفها جيدًا وهو الصدر قبل القلب..
انتهى من الاستحمام وخرج بعد أن ارتدى ثيابه تاركًا صدره عاري ورأى السيدة وفيه تجلس على الأريكة في انتظاره ..جلس على المقعد المجاور للأريكة يمسح على شعره من الأمام للخلف فنظرت إليه بحزن واضح وقالت : -ندى مشيت لينظر إليها بلهفة وقد شعر بغصة في قلبه وقال بهدوء على عكس الحزن الذي يؤلمه : -براحتها -براحتها أي بس ..يا بني أنت أهنت البنت قال بنفاذ صبر : -أنا مش عايز اتكلم ..أنا تعبان لو سمحتي سبيني دلوقت
نهضت عن الأريكة وتركته وذهبت فاستند بظهره إلى المقعد يعصر جبينه وهو يقول بعتاب : -ليه كده يا ندى *** ” المدرسة.. ” كانت الجدة تجلس داخل مكتب المديرة وريان وأشرقت لتأخذهم معها ..رفض ريان بشدة وعاد إلى صفه بعد أن سمحت له مديرة المدرسة وغادرت الجدة مع أشرقت ..دخل الفصل وجلس على مقعده مستند بوجنته على قبـ . ــضة يده الصغيرة ويبدو عليه الحزن الشديد ..رن جرس نهاية الحصة الأخيرة فحمل حقيبته وغادر وهو شاردًا حتى لم ينتبه من الدرج وفلتت قد.مه ليسقط من عليه تأوه بألم ثم اغشيا عليه فركض زملاءه إليه وبعضهم ذهب ليخبر المعلمين..
*** وضعت صينية العصير أعلى المنضدة الصغيرة وحملت كوب مدت يدها به إلى جدتها لتأخذ منها ثم جلست ندى على الأريكة تنظر إلى الفراغ بشرود بفضل اشتياقها إلى رحيم ..تساءلت جدتها بتوجس : -مالك يا ندى ؟؟ لتنظر إليها ببطء وشبه ابتسامة على ثغرها قائلة : -مفيش يا نانا -على فكرة والدك سألني كذا مرة على مكان شغلك.. الحمد لله إنك مقلتليش على مكانه بدل ما يحرمك منه زي كل مرة اومأت برأسها ثم قالت بحزن :
-نفسي بابا يفهم أنا قد أي بحب شغلي ده ..شيء حلو اوي يا نانا لما اعوض اطفال عن والدتهم قالت بفخر : -وأنا فخورة بيكِ عشان بتعملي اللي يسعدك ..وسعيدة جدًا أن الأطفال بيحبوكي.. ثم رفعت حاجبها اليسار بمكر متسائلة : -قوليلي بقى مالك ؟! .. أطرقت عيناها تعض على شفاها السفلى من الداخل فقالت جدتها بتأكيد : -أنا أكتر واحده فهماكِ يا ندى ..أنتِ بنت بنتي الغالية ..وطالما سبتي شغلك اللي بتحبيه وجبتي يبقى حصل حاجة
نظرت إليها بابتسامة لتعلم أن كل شيء بخير وقالت : -وحشتيني يا نانا قلت اجي أقعد معاكِ النهاردة واطمن عليكِ -متقلقيش عليا خالاتك يوميًا هنا معايا وولاد خالك بيسهروا معايا يوميًا نظرت إلى الأمام وهي تومئ بخفة فيما رن هاتفها المحمول فقامت بفتح الحقيبة لتأخذ الهاتف ورأت اسم وفيه فأجابت فورًا لتخبرها بحـ .ــادثة ريان ومكان المستشفى ..فزعت ندى وارتدت الحقيبة وهي تخبر جدتها بكل شيء ثم ركضت إلى الباب وخرجت من الشقة بل من العمارة بأكملها واستقلت السيارة متجه نحو المستشفى ..
*** عند وصولها ترجلت راكضة إلى الداخل وتساءلت عن ريان في الاستقبال لتخبرها بأنه مازال في العمليات.. فاستقلت المصعد الكهربائي إلى الطابق المطلوب.. ثم خرجت راكضة إلى غرفة العمليات حتى وصلت وتوقفت عن الركض تلتقط أنفاسها بصوت مسموع.. وعيناها مسلطة على رحيم الواقف أمام الغرفة مستند برأسه إلى الحائط عاقدًا ذراعيه أمام صدره ..تقد.مت ندى نحوه وكلما اقتربت كلما وضحت ملامحه الشاحبة والحزينة على وجهه ..وقفت إلى جواره تنظر إليه بحزن ولمعت عيناها من الد.موع فنظر إليها بعينيه أولًا ثم ادار رأسه إليها فأطرقت رأسها فيما تساءل بصوت مبحوح :
-جيتي ليه يا ندى ؟! ..مش كنتِ مشيتي أجابت عليه بنبرة بكاء : -رجعت علشان ريان ..وعلشان لازم اكون جنبك في وقت زي ده ..بنختلف أحيانًا لكن وقت الجد لازم ننسى الخلاف.. هبطت د.موعها على وجنتيها ورفعت يدها لتضعها على مرفقه وتابعت : -متقلقش هيبقى كويس نظر إلى الأمام وهو يومئ برأسه هامسًا : -يا رب ..يا رب
جلست على إحدى المقاعد تنظر إلى الأرض في صمت وبعد نصف ساعة تقريبًا كانت قد استندت بظهرها إلى الحائط.. نظرت إلى رحيم الذي يستند برأسه إلى الحائط مغمض العينين فنهضت متجه نحوه و وقفت أمامه تنظر إليه للحظات ثم نظرت إلى الأمام ليثبت نظرها على صدره وقالت : -اقعد شوية استريح ليفتح عيناه وينظر إليها بإرهاق مشيرًا بكف يده إلى غرفة العمليات متسائلًا : -ابني في أوضة العمليات وعايزاني استريح ؟! تنهدت بحزن وأمسكت بيده وكادت أن تتحدث ألا أن خرج الطبيب فنظروا إليه بلهفة واقترب رحيم منه و وقف يتساءل بلهفة :
-طمني يا دكتور -في جرح في د.ماغة وخيطانا و ك.سر في رجله والحمد لله مش محتاج شرايح ولا مسامير وجبسنا رجله -طيب عايز أشوفه -هو واخد بنج هيطول معاه شوية ..بس متقلقش هو بخير