هذه الليلة… كل ما هربت منه سيخرج إلى الضوء. لأن كلمة «ماما» لم تكن زلّة… بل كانت القطعة الأخيرة من قصة بدأت قبل ذلك بسنوات، في بيتٍ آخر، وعائلةٍ أخرى… ومحاولة قتل كان يمكن أن تضع نهايةً لها. قبل ثلاثة أشهر فقط، كانت فاليريا تقف أمام بابٍ مختلف: باب الخدمة في قصر عائلة سانتيّان في بولانكو. كانت ترتدي ثوبًا بسيطًا، وصندلًا مهترئًا، وتحمل حقيبة صغيرة فيها ما تبقّى من حياتها. ضغطت الجرس بيدٍ ترتعش. رأت إعلانًا في الصحيفة:
«مطلوب عاملة تنظيف. التقديم حضوريًا.» كانت تحتاج وظيفة… لكنها كانت تحتاج قبل ذلك مكانًا تختبئ فيه. فتحت الباب امرأة ممتلئة، ترتّب مئزرها بعناية، وينعقد شعرها في كعكة مشدودة. حدّقت بفاليريا من رأسها إلى قدميها، كأنها تقرأ تاريخها بالكامل. قالت بحدّة:
«جئتِ للوظيفة؟» أجابت فاليريا بالاسم الذي تبنّته حمايةً لنفسها:
«نعم يا سيدتي. اسمي روزا فاليريا خمينيث.» لقد أصبحت الكذبة جزءًا من حياتها. لم تعد «مونتِس دي أوكا» منذ تلك الليلة التي فرت فيها من زفافٍ كان سيُدفن فيه قلبها.
راقبتها مديرة الخدم بعين خبيرة. فاليريا جميلة أكثر من اللازم بالنسبة لعاملة خدمة، وهادئة أكثر من اللازم لمن اعتادت أعمال التنظيف. لكن خلف جمالها وبساطتها… كان هناك شيء واضح: الخـ,ـوف… والرغبة اليائسة في البدء من جديد. قالت السيدة تينشا:
«العمل كثير… والصمت أهم من العمل. ما يحدث هنا، يبقى هنا. مفهوم؟» أومأت فاليريا.
كان ذلك بمثابة توقيع على عقد مع القدر. في تلك الليلة، جلست في غرفة الخدمة الصغيرة. أخرجت من قلادةٍ قديمة صورة مهترئة: فتاة شابة بثوب راقٍ، تقف بجانب رجلٍ متعب الملامح.
كان ذلك والدها. ليوناردو مونتِس دي أوكا، رجل أعمال في قطاع الأدوية. الرجل الذي أعطاها كل شيء… وكاد يسلمها إلى الذئب. كان خطيبها السابق، سيباستيان أوغارتي، واجهة براقة: بذلات فاخرة، ابتسامة لا تشوبها شائبة، اسمٌ يفتح الأبواب. لكن تحت الواجهة… كان هناك شيء آخر: غيرة، سيطرة، إهانات… وكدمات حيث لا يراها أحد. في ليلة احتفال خطوبتهما، عصر معصمها تحت المائدة لأنها عانقت صديقًا قديمًا من الجامعة. قال لها بابتسامة زائفة:
«الزوجة لا تحرج زوجها أمام الناس. افهمي هذا.»
حاولت إخبار والدها… لكنه كان يصارع المرض، وكان سعيدًا لأنه «ضمن مستقبلها». لم تستطع كسر قلبه. فهربت. قبل الزفاف بيومٍ واحد. تركت رسالة، وأخذت جوازًا مزيفًا… واختفت. سنوات ثلاث من الهرب، تغيير المدن، تغيير الأسماء، تغيير الأعمال… حتى وصلت إلى قصر سانتيّان. وهناك… قابلت امرأةً كانت تعيش كابوسها نفسه. كانت تعمل وردية ليلٍ في مستشفى حين سمعت بكاء مكتومًا خلف باب غرفة خاصة. طرقت بلطف. «هل تحتاجين ممرضة؟» سألت. «لا… لا شيء يصلحني الآن.» قالت امرأة بصوتٍ مكسور.
كانت تلك كامِيلا سانتيّان. جميلة… حتى مع الكدمات، والجبيرة، والوجه المرهق. قالت لها:
«يقولون إنه حادث… لكنني أعرف أن المكابح لم تتعطل وحدها.» ثم همست باسمٍ صدم فاليريا:
«فعلتها باتريسيا فيلاسكو.» نفس باتريسيا… خطيبة رودريغو الحالية. امرأة ثرية، مهووسة به منذ الصغر. لم تغفر له زواجه من معلمة بسيطة مثل كامِيلا. قالت كامِيلا:
«إن أخذت مكاني… فلن تتردد في قتلي.» كانت فاليريا تعرف كيف يبدو الخطر الذي يبتسم أمام الناس. نشأت بينهما صداقة. أحاديث ليلية. أسرار مشتركة. أمل مبعثر. أريتها صور ابنها—ماتِياس—صبيّ بعيون رمادية وشعر مموج.
قالت كامِيلا:
«إن حدث لي شيء… أرجوكِ، لا تتركيه وحده. أحبّيه… ابقي إلى جانبه.» وعدتها. تعافت كامِيلا… وبدا أنّ الأمور تتحسن. ثم جاء الخبر. حادث آخر.
هذه المرة… لم تنجُ. انكسر قلب فاليريا. اتصلت بدونيا مرسيدس، أم رودريغو، فأخبرتها بما كان يخشاه قلبها: القضية أغلقت، والشكوك دُفنت. وباتريسيا ما زالت ترتاد القصر. والصغير فقد أمّه. قالت السيدة العجوز لها:
«إن احتجتِ عملًا… تعالي. كامِيلا وثقت بك. وأنا أثق بها.» وهكذا وصلت فاليريا إلى قصر سانتيّان.
كانت تعمل بصمت. تبذل جهدها. تختفي عن الأنظار. لكن طفلًا حزينًا لا يمكن تجاهله. كان ماتِياس منطويًا، مهمَلًا بين أيدي مربياتٍ لا يرفعن أعينهن عن هواتفهن. يبكي ليلًا… ولا يأتي أحد. إلا هي. كانت تدخل غرفته بحجة التنظيف. تهدهده. تغني له. تسقيه ماءً. وفي ليلةٍ أصابه فيها الحمى وكان الجميع نائمًا… التصق بها وهو يبكي. وضعت قطعة قماشٍ باردة على جبينه وظلّت إلى جانبه حتى الفجر. رآها رودريغو حينها—عاملة جديدة، مرهقة، طفله بعطفٍ لم يره منذ رحيل زوجته.
قال لها:
«شكرًا لك.» خشيت أن يطردها… لكنه لم يفعل. فقط قال:
«باتريسيا لن يعجبها هذا. كوني حذرة.» وكان محقًا.