وبعك في الكلام ابتسمت فدوة بسمة ممزقة بحزن بَين وهي تجيبها: -عادي…محصلش حاجة انا بس اتأخرت على السنتر… سلام ذلك أخر ما نطقت به قبل أن تنصرف تاركة مي تلعن تسرعها واندفاعها الذي يُحزن من حولها ويتسبب في تقريع ضميرها بكل مرة وتندم عليه. ——————– ظلت شاردة بفراشها تحتضن نفسها وبين يدها ذلك الخاتم الفضي الخاص بوالدتها الراحلة و رغم أن تصميمه ذكوري إلا أنها تتذكر أن والدتها كانت تعتز به ولم تنزعه من يدها إلا أن قامت هي بذلك ظلت تسترجع ذكرياتها معها فهي كانت حنونة وصبورة تحملت الكثير من أجلها هي وشقيقتها
ابتسمت بحزن وهي تتذكر حديثهما الأخير معًا بعد ما اشتد عليها المرض (خلي بالك من اختك يا فتون وسامحيني يابنتي) لتأمرها بنزع الخاتم من يدها وهي توصيها أن لا تفرط به احتضنتها فتون بجذع وهي على فراش المشفى و قد انسابت دموعها دون وعي فقلبها أخبرها أنها تلقي لها كلمات الوداع الأخيرة -ماما بلاش الكلام ده انتِ هتبقي كويسة وهترجعي معايا البيت ألتقطت كريمة أنفاسها بصعوبة وأردفت بتقطع:
– اسمعيني وما تقاطــ . ــعنيش يا فتون انا قلبي حاسس اني خلاص همــ . ــوت سامحيني يا بنتي مكنش ينفع اقولك وافضح المسطور لو كنت عملت كده كان مــ . ــوتني…انما دلوقتي مفيش في العمر بقية علشان اخاف لتسعل بشدة وتستأنف بأنفاس متقطعة عزت…عز…ت وهن…لم تكمل لفظ الأسم الآخر فقد توقفت الكلمات بحلقها و لفظت أنفاسها الأخيرة وقد صعدت روحها الى بارئها بسلام بعد معاناتها من المرض والفقر تاركة فتون بعد مــ . ــوتها في حيرة من أمرها وقلبها يخبرها ان ماكانت تنوي أخبارها به والدتها هو أمر جلّل.
أفاقت من ذكرياتها وهي تجهش بالبكاء أثر ذكرى ذلك اليوم المطبوع بذاكرتها فقد اهتز جسدها وهي تهمس تواسي حالها: – الله يرحمك يا ماما مهما كان السر اللي انتِ خبيتيه أهو راح معاكِ ومفيش فايدة من التفكير وحشتيني اوي يا ماما نفسي اترمي في حــ . ــضنك وانتِ بتقرئي القرأن زي زمان ياريتني اليوم ده مكنتش سمعت كلامه وروحتلك تنهدت بعمق وهي تتأمل الخاتم ثم رفعته لأنفها تستنشقه بحنين لعبق أمها الراحلة ثم مسحت عبراتها بكم منامتها عندما شعرت بدخول شقيقتها إليها قائلة:
-تونة انتِ هتفضلي نايمة كده وسيباني انا زهقت قومي بقى إحنا بقينا العصر نهضت فتون من الفراش وتوجهت الى خزانتها وقامت بدس الخاتم بين طياتها وتحدثت بهدوء: -حاضر يا حبيبتي قومت أهو تحبي نعمل ايه؟ ألتمعت عين فرحة بحماس وهي تقول: – نخرج نفسي اخرج اشوف الناس لتصمت لبرهة وتطرق رأسها بالأرض هامسة بتحسربعدها: -بس احنا معناش فلوس طمئنتها فتون: -متقلقيش هناخد من كوثر بس مش عايزين نتأخر علشان ابوكي مينكدش علينا هتفت فرحة بعفوية:
-بابا طول ما هو معاه فلوس مش هيجي غير وش الصبح لتقترب منها وتضع قبلة خاطفة على وجنتها وتستأنف: – انا هلبس ومش هنتأخر يا احلى تونة في الدنيا و بعد وقت قليل كانوا يسيرون الى مسكن صديقتها لتلقي على كل من يقابلها التحية والسؤال دون تكلف لتشهق بقوة وهي تناظر تلك السيدة المُسنة وهي تحمل بعض الأكياس البلاستيكية بتعب ولا تقوى على السير لتتقدم وتتناول من يدها الأغراض وتتحدث بود: -كده برضو يا ست إحسان مش قولتلك لما تحتاجي حاجة تقوليلي انا زي بنتك
ردت احسان بامتنان : -ربنا يخليكي يا فتون مش عايزة اتعبك -تتعبيني ده انتِ زي امي لتلتقط فتون يدها وتسندها على ذراعها وتسير معها وتقوم بإيصالها وسط دعوات إحسان لها: -ربنا يسترك يا بنتي ويديكي على أد نيتك ردت فتون بود : -ويخليكِ لينا يا ست إحسان انا هروح لفرحة عايزة حاجة مني اجابتها احسان بحنان وهي تربت على ظهرها: – لا يا بنتي روحي ربنا يسلم طريقك لتنظر لها فتون بامتنان وتنصرف بتعجل لشقيقتها
التي ما أن اقتربت منها هدرت قائلة: -اتأخرتي يا فتون يعني كان لازم توصليها ما هي زي القردة اهي نهرتها فتون: – عيب كده يا بت دى ست طيبة وانا بحبها – والله محد طيب غيرك -طب يلا ياختي نروح لكوثر ——————– في شركة الصرفي للاستيراد والتصدير كان يجلس خلف مكتبه وهو ينفث دخان سجائره بشرود تام يتتطلع لصورة شقيقته، فقد دمعت عينه وهو يسترجع ذكرياتهم معًا فكانت صغيرته التي تربت على يده، يتذكر أدق تفاصيلها وخاصًة تلك البسمة المميزة التي كانت تخصه بها عندما يغدقها بأهتمامه، تنهد بضيق ومرر يده علي وجهه محاولًا تهدئة إنفعاله وحدث نفسه بوعيد:
– اوعدك يا امل هنتقم منه اللي كان السبب هحــر . ــق قلبه زي ما حــر . ــق قلبي عليكي وحرمني منك. صوت رنين لفت انتباهه ليضع الصورة في درج مكتبه و