قفلت باب المطبخ ورايا بالترباس، وكأني بقفل الصفحة القديمة من حياتي. سندت ضهري على الباب وغمضت عيني، وسمعت صوت نفسي العالي والد.موع بتنزل بصمت. مكنش قدامي غير حل واحد.. أهلي. طلعت الموبايل وإيدي لسه بتترعش، وضغطت على رقم أبويا.. السند الحقيقي اللي سيبته وجيت ورا اللي ميسواش.
أول ما سمعت صوته بيقول: “أيوة يا فاطمة.. طمنيني عليكي يا بنتي؟”.. الكلمة اتحبست في زوري، ومقدرتش أمسك نفسي وانفجرت في العياط. حكيت له كل حاجة في خطف، من نومتي في بير السلم لذل حماتي وغزال، لك.سرة نفسي قدام جوزي. صوته الناحية التانية اتغير، وبقى فيه حزم وقسوة مسمعتهاش منه قبل كدة:
“اثبتي مكابرك يا بتي، وسيبك من المواعين واللي فيها. أنا ساعتين وهكون عندك، وأقسم بالله لأخليهم يند.موا على اليوم اللي فكروا فيه يذلوكي!”
قفلت السكة وأنا حاسة بروح جديدة دخلت فيا. قعدت على كرسي خشب قديم في زاوية المطبخ، وبدأت أسمع حركة في الشقة برة.. خناقة رامز وغزال، وصوت حماتي العالي، بس مكنش هاممني. كنت بعد الدقائق، وكل دقيقة بتعدي كانت بتقربني من اللحظة اللي هرد فيها اعتباري.
وبعد ساعتين بالتمام والكمال، البيت اتهز بصوت طرقات قوية ومفاجئة على باب الشقة.. مش طرقات عادية، دي ضــ . ـربات حازمة وغاضبة وراها “عزوة”. قلبي دق بسرعة، وعرف إن المنقذين وصلوا.
فتح رامز الباب وهو مرعوب، ولقى طوفان بشري داخل الشقة.. أبويا في المقد.مة وعينه بتطق شرار، ووراه إخواتي الرجالة الأربعة، وأولاد إخواتي الشباب اللي د.مهم حامي، وأمي وخالاتي البنات.. عيلة كاملة جاية ترد شرف بنتها.
أول ما أبويا شاف رامز، مسكه من ياقته ورفعه لفوق، وزعق بصوت زلزل جدران البيت:
“فين فاطمة يا ناقص؟ فين بنتي اللي ائتمنتك عليها ورجعت في أمانتك؟ وديني وما أعبد لأدفعك تمن كل د.معة نزلت من عينها غالي!”
فتحت باب المطبخ وخرجت، والمنظر كان يشفى الغليل.. الصالة اللي كنت محبو.سة فيها من شوية وأنا بذلّي، بقت دلوقتي مليانة بـ “عزوتي”. رامز كان واقف مذهول، لونه خطف وبقى زي الورقة البيضا وهو شايف إخواتي الأربعة محوطينه، وأبويا ماسكه من ياقته كأنه عيل صغير.
أمي أول ما شافتني، جرت عليا وخدتني في حــ . ــضنها وهي بتعيط وتقول: “يا نــ ــاري عليكي يا بنتي.. بقى ده اللي آمناكي عليه؟ بقى دي الأمانة يا ابن الأصول؟”
في اللحظة دي، خرجت حماتي من أوضتها وهي بتبرطم، لكن أول ما شافت “الجيش” اللي واقف في الصالة، لسانها اتمسح..
وقفت مكانها مبرقة، وغزال استخبت ورا ظهرها، وشها اللي كان كله مكر ودلع بقى كله رعب، والكوباية وقعت من إيدها اتك.سرت م.يت حتة.
أبويا بص لحماتي بنظرة خلتها ترجع لورا خطوتين وقال بصوت يهز الحيطة:
“البيت اللي يرمي بنتي في بير السلم، ميتسماش بيت.. يتسمى زريبة! وانتي يا ست يا كبيرة، بدل ما تصوني عرض ابنك، كنتي بتساعديه يك.سر لحم غريب؟”
رامز حاول ينطق ويقول: “يا حمايا افهم بس، دي غزال هي اللي..”
قاطعه أخويا الكبير بـ “قلم” نزل على وشه رن في الشقة كلها، وقال له بحسم:
“اسم غزال ده ميتنطقش قدامنا، وال حساب بيننا وبينك لسه مخلصش.. فاطمة هتاخد كل قشة تخصها من هنا، والشباب دول مش هيمشوا إلا والبيت ده مكنوس من سيرتها خالص!”
غزال بدأت تعيط بجد المرة دي، بس مش د.موع تماسيح، كانت د.موع خوف، وقالت بصوت مرعوش: “والله يا جمـ ـاع ة أنا ماليش دعوة، ده رامز هو اللي..”
بصيت لها وأنا في حــ . ــضن أمي، ورفعت راسي وقلت لها بجمود:
“وفري د.موعك يا غزال، لسه الحساب الحقيقي م بدأش.. اللي عملتيه فيا ليلة امبارح، هتدفعي تمنه ند.م طول عمرك..
والبيت اللي كنتي فاكرة إنك ملكتيه، أهو اتهد فوق د.ماغك ود.ماغ اللي سمع ليكي.”
أبويا بص لي وقال بكلمة واحدة هزت كياني:
“اجهزي يا بنتي، هدومك وحاجتك كلها تلميها في شنط، مفيش ضفر ليكي هيبات في المكان ده دقيقة واحدة تانية.. بنتي هتمشي ملكة زي ما خرجت من داري ملكة.”
أبويا أدى الإشارة، والبيت اللي كان كاتم على أنفاسي لشهور، فجأة اتحول لساحة معركة لرد الاعتبار. “الهدوء اللي يسبق العاصفة” خلص، وبدأ طوفان عيلة فاطمة.
أمي مجرد ما شافت حماتي واقفة بتبص بجبروت، راحت عليها زي الأسد وقالت لها: “بقى بتبتيتي بنتي في بير السلم يا خايبة؟ يا اللي مصنتيش العرض؟”.. وقبل ما حماتي تفتح بوقها، كان كف أمي نزل على وشها رن في المنور كله، ووقعت في الأرض وهي مذهولة من الصد.مة، لسانها اللي كان بيحدف سم اتقطع تماماً.
في الناحية التانية، خالاتي الاتنين أول ما عينهم وقعت على غزال وهي بتحاول تستخبى في المطبخ، هجموا عليها.
غزال اللي كانت عاملة فيها الهانم المسيطرة، بقت تصرخ وتستنجد، بس خالاتي “غسلوا وشها” ولقنوها درس عمرها ما هتنساه، وهما بيقولوا لها: “الدلع والمكر اللي خربتي بيه البيوت، النهاردة هندفعك تمنه غالي يا حرباية!”
أبويا وقف في نص الصالة وقال بصوت جهوري للشباب: “نزلوا عفش بنتي.. مفيش مسمار يفضل هنا، والحيطان اللي شافت ذلها، تتهد فوق د.ماغ اللي فيها!”
بدأت الملحمة.. إخواتي وعيالهم قلبوا البيت خلية نحل:
العفش: أوضة النوم، الصالون، السجاد، حتى الستاير والنجف.. كله نزل في دقايق على العربيات اللي واقفة تحت البيت وسادة الشارع.
التك.سير:
الشباب ممشيوش بعد ما نزلوا العفش، طلعوا المطارق وبدأوا في “تكسير الشقة”. خلعوا السيراميك من الأرض، ك.سروا الحيطان، حتى الحمام والأحواض اتد.مرت وبقت ركام.
رامز كان واقف مكسور، عينه في الأرض وهو شايف شقته بتتهد قدام عينيه، ومش قادر يرفع عينه في إخواتي اللي محوطينه زي الصقور. كان بيسمع صوت التكسير وكأنه صوت قلبه اللي اتفضح قدام المنطقة كلها.
وقفت في نص الركام، بصيت لـ غزال اللي قاعدة في ركن بتعيط بجد المرة دي وشعرها منكوش، ولـ حماتي اللي مرمية في الأرض بتبكي على “عفش ابنها” اللي بقى تراب.
قلت لهم بجمود والشنطة في إيدي:
“البيت اللي يترمى فيه بنت الأصول، ميستاهلش يفضل فيه حيطة واقفة.. شقتك بقت خرابة يا غزال، زي ما خربتي حياتي. وريني بقى هتسكني فين وهتدلعي إزاي في وسط الهدد ده!”
كلنا للشارع، والمنظر كان مهيب.. العربيات محملة بالعفش وسادة نص الطريق، والجيران واقفين في البلكونات والشبابيك بيتفرجوا بذهول على “عزة” أهل فاطمة.
أبويا بص لواحد من إخواتي وقال بصوت عالي سمّع الشارع كله:
“يا جابر.. اطلع هات المأذون من مكتبه حالاً، بنتي مش هتمشي من المنطقة دي وهي على ذمة اللي ميسواش دقيقة واحدة تانية.
زي ما دخلنا بالمعروف، نخرج بالحق والشرع وقوة ربنا!”
جابر محتاجش يتقال له مرتين، جاب المأذون وجيه في دقايق. المأذون دخل الشقة “المك.سورة” وهو مخضوض من ركام السيراميك والحيطان المهدودة. رامز كان قاعد في ركن، هدومه متبهدلة ووشه في الأرض، مش قادر يرفع عينه في حد.. وحماته وغزال واقفين بعيد بيبكوا على أطلال الشقة اللي بقت خرابة.
أبويا وقف فوق راس رامز وقال للمأذون بجمود:
“اكتب يا شيخنا..
“رامز” يطلق “فاطمة” طلقة بائنة لا رجعة فيها، ويسلمها كل حقوقها ومؤخرها مليم فوق مليم، وإلا اللي حصل في الشقة ده يحصل في اللي باقي من عمره!”
رامز كان بيرعش وهو بيمسك القلم، بص لفاطمة نظرة أخيرة فيها ند.م وخوف، بس فاطمة كانت مديرة وشها الناحية التانية، ماسكة إيد أمها وبتبص للسما وكأن غمة وانزاحت عن قلبها.
المأذون خلص، والكلمة طلعت: “أنتي طالق يا فاطمة”.
في اللحظة دي، فاطمة حست إن السلاسل اللي كانت خانقاها اقطعت. بصت لـ غزال اللي كانت بتبص لها بحقد وك.سرة، وقالت لها بنبرة خلت غزال تتنفض:
“مبروك عليكي يا غزال..
مبروك عليكي “رامز” ومبروك عليكي “الخرابة” اللي كنتي بتخربي بيتي عشان تسكني فيها.. وريني بقى هتعيشي إزاي في وسط الهدد ده مع واحد ملوش كلمة ولا رجولة يحميكي بيها!”
أبويا مسك إيد فاطمة وركبها العربية جنب أمها، وركب هو وإخواتها العربيات التانية. الموكب اتحرك، وصوت كلاكسات العربيات كان طالع وكأنه زفة نصر، مش طلاق.
فاطمة وهي بتبص من شباك العربية على البيت اللي شافت فيه المر، قالت في سرها: “بكرة الشمس تطلع على يوم جديد، يوم ملوش عـ ـلاقة ببير السلم ولا بالذل.. يوم أنا فيه “فاطمة” وبس.”
تمت بقلم امانى سيد