Uncategorized

اغواء قلب ميرا كريم ١

في مشفى الجارحي كان يخطو خطوات عملية ثابتة لمعاينة أوضاع المرضى ويتتبعه فريق من الأطباء، فكان يعطي أوامره وملاحظاته برسمية إلى أن وصل إلى غرفة ذلك المريض ذو الشخصية المرموقة والمعروف عنه أنه زير نساء. وقف على أعتاب غرفته يؤشر للحارس الذي يقف على باب الغرفة كي يفسح له المجال ليدخل لعنده وإن استجاب الحارس دخل هاشم بخطوات ثابتة واردف بعملية وهو يتتطلع للوح المعدني الذي يسجل عليه الملاحظات الخاصة بالمريض: -صباح الخير، اخبارك ايه النهاردة؟

أجابه المريض حامدًا: -الحمد لله يا دكتور هاشم احسن انا مش عارف اشكرك ازاي انت والدكتورة مي رفع رأسه بانتباه عند ذكر أسمها ثم عقد حاجبيه باستفهام متسائلًا: – دكتورة مي! وضح له دون أن يعير وقع كلماته عليه: -ايوة انا كنت تعبان جدًا أمبارح وعطيتني مسكن قوي ريحني و عرفت انام اغمض هو عينه بقوة غاضبًا من فعلتها، ثم تدارك ذاته وباشر في معاينته الى أن أنتهي، لينصرف إلى مكتبها والغضــ . ــب يتأكله فهي مثل ما عهدها لا تحترم حديثة وتضــ . ـرب به عرض الحائط، دلف الى مكتبها بعصبية وتحدث وعيناه تقدح بالغضــ . ــب:

– انتِ ازاي تعصي كلامي هو انا ايه مليش لازمة ؟ نهضت من مقعدها و أغلقت الباب بتعجل تخشي أن يستمع أحد لصراخه بها فأهم شيء لديها هو شكلها الاجتماعي وأردفت معاندة اياه: -انت أزاي تعلي صوتك كده عليا انت نسيت نفسك ولا ايه؟ اعتلي جانب فمه بابتسامة ساخرة من فعلتها وهدر: -انا مش نبهت عليكي الف مرة بلاش تدخلي للمريض بتاع غرفة ٣٦بتعصيني ليه، ده واحد مش سهل وسمعته زي الزفت اجابته مي بكل كبرياء:

– اسمع يا دكتور انا مش مُلزمة اعمل حاجة انا مش مقتنعة بيها واجبي المهني حتم عليا اتعامل معاه ده كانت حالته صعبة جدًا والمسكن اللي حضرتك كتبتهوله مش مأثر معاه وكان لازم اتصرف، انا معنديش استعداد اشوف واحد محتاج مساعدة ومساعدوش علشان جنابك غيران زمجر غاضبًا و رفع سبابته بوجهها بتحذير: -لأخر مرة يا مي هنبه عليكي ألتزمي بتعليماتي وبلاش تعاندي تحذيره اغاظها بشدة وجعلها لم تدرك إلا وهي تصرخ بشراسة: – انت فاكرني بشتغل عندك المستشفى دي بتاعتي زي ما هي بتاعتك ومش علشان انت جوزي هسمحلك تقلل مني يا دكتور

هز رأسه بيأس وبعدم رضا فهي عنيدة جدًا ولا تقبل المساس بكبريائها ويعلم أن مهما حدث لها لا تستمع… ليتنهد بعمق وهو يدلك عنقه محاولًا تهدئة نفسه ليستأنف بيأس: -ماشي يا مي أنا مش هجادل معاكي دلوقتي ولينا كلام تاني في البيت لتكتف يديها على صدرها وتتحدث بعدما تمكن منها كبريائها: – بيت ايه يا دكتور بعد ما عليت صوتك عليا! انا مش هروح معاك انا هروح بيت اهلي أغمض عينه محاولة منه تهدئة إنفعاله فهي تعلم كيف تصعب عليه الأمر وتستغل تعلقه الزائد بها

ثم خطى نحوها وحاوطها بيده بعدما استعاد شيء من هدوئه: -حبيبتي اعذريني انا بغير عليكِ من الهوا بس انتِ بتخرجيني عن شعوري ليحتضنها بقوة وهو يمرر يده بخصلاتها البنية بحميمية يحاول أن يجعلها تلين وتتفهم الأمر ولكنها دفعته عنها وهدرت بسخط: -انا مش قابلة اعتذارك يا دكتور عن اذنك ذلك أخر ما نطقت به قبل ان تسحب حقيبتها وتنصرف تحت نظراته اليائسة. ———-

ظل ينظر لصديقه بترقب ينتظر حديثه فهو يطالعه بصمت و يقلب ذلك القلم بين أصابعه، يقسم انه يخشى ذلك الصمت كثيرًا فهو عندما يصمت يعلم أنه في أخطر مراحل الغضــ . ــب فقد حاول أن يخفف حدة الأجواء قائلًا: -ايه يا صقر انت هتتحول ولا ايه بتبصلي كده ليه؟ أجابه صقر بهدوء مريب: -البنت اللي برا دي انت اللي مشغلها -اه يا صقر مالها دي حتى جامدة هز رأسه ونهض يجلس مقابل له وتحدث بتهكم وبنبرة اجفلت الآخر:

-طالما هي عجباك يبقى تعمل الشويتين بتوعك دول بره مش هنا انا مش فاتح الشركة دي علشان سيادتك تلطف وتعطف مرر أكرم يده بخصلاته البنية ورد محرجًا: -متكبرش الموضوع يا صقر إنت عارف…انا بهزر اجفله صقر منفعل: -كبير بالنسبالي انا مش بحب التهريج ده وانت عارف نكس أكرم رأسه ولم يجب ليزفر صقر بضيق لهيئته وحاول أن يهدأ اعصابه كي لا يزيدها عليه ثم ربت على ساقه وتحدث برزانة: -يابني اكبر بقى و ارسي على بر هتفضل طول عمرك كده من قصة لقصة

قال أكرم ببسمة عابرة: -انا مبسوط كده وبعدين البت شكلها حطة عينها عليك انت يا نمس لتندثر حالته السابقة وكأنها لم تكن وهو يختم حديثه بغمزة من عينه ذات مغزى جعلت صقر يهز رأسه بلا فائدة قائلًا: -مفيش فايدة … انت باين عليك اتجننت انت عارف انا مليش في العك والبت دي شكلها مش مظبوط رد اكرم بخفة: – هي اه شكلها مش مظبوط بس بذمتك مش جامدة وعجبتك قبـ . ــض صقر على ياقة قميصه وتحدث متهكمًا:

– مين دي اللي تعجبني انت فاكرني زيك رمرام دي لابسة من غير هدوم انا مش عارف هي مفكرة انها في نادي ليلي ولا في شركة محترمة عقب اكرم راجيًا: -متبقاش خنيق بقى يا صقر وسيبها تمتع عنينا جز صقر أضراسه وتحدث من بين اسنانه محذرًا: -عارف يا زفت لو محترمتش نفسك ونقلتها من هنا هعمل فيك ايه؟ تأهب أكرم بنظراته ليستأنف هو متوعدًا: -هعلقك من قفاك على باب الشركة علشان تكون عبرة لغيرك أنكمش اكرم بذعر فهو يعلم ان صقر لا يحيد عن قراراته

ليهمهم بطاعة متراجعًا: -حاضر يا صقر هعملك اللي انت عايزه بس بالله عليك بلاش موضوع التعليق ده هيبقى شكلي وِحش ليضيف صقر بتحذير صارم وهو يعود لخلف مكتبه يباشرعمله: -اكرم انا مش بهزر اللي قولته يتنفذ وتحترم نفسك وتجيبلي راجل يمسك مكانها فاهم -حاضر …حاضر ذلك أخر ما نطق به قبل أن ينصرف يحاول استرداد ثباته وهو يخطو نحو مكتب لمار التي تتفحص أحد الملفات ليتحمحم ويقترب منها ويقول محايدًا: – بقولك ايه يا لمار أيه رأيك تشتغلي في قسم التسويق

رفعت حاجبها وردت: -ليه انا مرتاحة هنا هو حصل حاجة مني! مرر اكرم اصابعه بشعره وهدر قائلا: -بصراحة مستر صقر أمر بنقلك هناك بس اوعدك ترتاحي فيه أكتر من هنا استنتجت لمار: -شكلي مجتش على هواه ده مستر صقر بتاعكم ده شكله صعب اوي على العموم شكرًا على اهتمامك يا مستر اكرم هز اكرم رأسه بقلة حيلة وهم بالانصراف إلى مكتبه لتتأفف هي وتتناول هاتفها وتقوم بالاتصال به على هاتف احد رجاله ليأتيها صوته الغاضب هادرًا بحدة:

– عايزة ايه انتي كمان؟ ردت لمار بخفوت تخبره بأخر المستجدات: -نقلني من مكتبه والموضوع باظ على الأخر اجابها الطرف الأخر: -تلاقيكي اتغبيتي غوري اقفلي ومتتصليش بيا تاني لتنظر للهاتف بضجر بعد إغلاقه الخط وتمط فمها وهي تهمس بضجر: -وانا اعملك ايه بقى انا كان مالي ومال الزفت ده من الأول. ——————–

في صباح اليوم التالي كانت نائمة في فراشها المتهالك بكسل نظرًا أنها لم تنال القسط الكافي من الراحة بسبب كوابيسها المتكررة. فقد انتفضت بفزع تشهق بقوة حين غمرتها المياه واغرقت فراشها لترمش لعدة مرات تستوعب ماحدث تزامنًا مع ضحكات أبيها الذي يطلقها بتشفي وبيده دلو المياه الذي افرغ محتواه عليها لتوه: – قومي يا سنيورة عايز اطفح كل ده نوم فاكرة نفسك هانم يا روح امك نهضت من الفراش وهي تنتفض وتحاول إخفاء هلعها حتى لا تثير سخريته وتحدثت بنبرة مهزوزة:

-اصلي معرفتش انام طول الليل رد عزت ساخرًا: – ليه يا سنيورة بتحبي جديد رفعت عيناها واردفت بقلة حيلة: – سِبت الحب لصحابه انا مش بتاعة حب انا هروح اعملك الاكل بس اغير هدومي الاول ضحك هازئاً وهو يخرج من الغرفة لتغلق بابها وتحتضن نفسها فقد بدأت بالارتعاش بقوة لتهم باستبدال ملابسها. وبعد بضع من وقت جلسوا على المائدة ثلاثتهم يتناولون الطعام ليتحدث أبيها بسخط وهو يطالع الطعام: – هو ايه كل يوم فول ما تبحبحي ايدك يا بت هو انتي بتقطعي من لحمك

ابتسمت بسخرية على تبجحه فهو رغم ما يجنيه من نهيباته وأفعاله الموثومة لا ينفق قرش واحدًا داخل المنزل معتمدًا عليها أن تدبر أمرها بمرتبها الزهيد التي تتقاضاه من عملها بأحد المصانع القريبة منهم؛ ورغم ذلك هي لم تعترض بتاتًا فهي لاتريد أن تطعم شقيقتها بماله المدنث حتى نهيباته لم تمسس منها شيء فبرغم ماهية أفعالها التي تجعلك تظن بها السوء إلا أنها يكمن بداخلها قيم ومبادئ دفينة زرعتها بها والدتها الراحلة، لذلك تنهدت وردت على سخطه المعتاد:

– دة اللي بعرف اجيبه بالحلال لو انت عايز حاجة هات لنفسك إنما انا واختي مش هنأكل غير بفلوسي الحلال رد عزت بسماجة يستفزها: -بتسمي الملاليم اللي بتخديها من المصنع دي فلوس يا سنيورة انا مش عارف ايه كيفك في كده ده انتِ يابت لو خدتي نصيبك من السريقة هتتنغنغي بس اقول ايه وش فقر اعترضت فتون بأصرار: -الله الغني عن فلوسك الحرام انا لو بساعدكم فبيكون غصب عني وانت عارف ليه وهنا قاطعتهم فرحة بعدم فهم:

-انا مش فاهمة حاجة انتم بتتكلموا عن ايه؟ استأنف عزت بتبجح يخرسها: -اخرسي انتِ ملكيش دعوة انا بكلم السنيورة أومأت فرحة ولاذت بالصمت لترفع فتون يدها وتربت على ظهرها بحنان وهي تطالع ابيها بترجي أن لا يتفاقم بالحديث أكثر، ولكنه زادها بقوله متهكمًا: -قلبك عليها اوي يا سنيورا قطعتي قلبي يا بت ليستأنف بتحذير: – اعملي حسابك تراضي جمال بكلمتين هزت رأسها بالنفي

واستمرت بالأكل بلا مبالاة فهي تعلم إن تبجحت أكثر سوف ينهال عليها وهي لا ينقصها فيكفي اهانته لها وحديثه اللاذع الذي ينبش بقلبها؛ فهي تكاد تقسم أن هذا العزت لايمت لها بصلة فكيف لاب أن يكون بجحوده هذا قاطع افكارها صياحه بها: – ماشي يا روح امك عملالي طارشة انا هعرفك أزاي مترديش عليا وهنا انتفض من جلسته ينقض على شعرها بغل يلفه حول يده بإحكام حتى لا تستطيع التملص من قبـ . ــضته وانهال على وجهها بالصفعات الموجعة تحجرت دمعاتها بعيناها وهي تشهق بألم وتحاول حماية وجهها بيدها، لحين اندفعت فرحة تخلص شقيقتها من براثنه تتوسله:

– خلاص يا بابا حرام دي معملتش حاجة علشان خاطري ليستأنف عزت بغل: – وهي عينتك محامية عنها ملكيش دعوة انتِ غوري من وشي لترجوه من جديد وهي تطالعه يخلع حزامه وينوي جلد شقيقتها لتصرخ وتجهش بالبكاء وتتمسك بيده الممسكة بالحزام وتقبلها راجية: – ابوس ايدك يا بابا سيبها علشان خاطري هتعملك اللي انت عايزه ليتناوب نظراته بينهم بإشمئزاز وينفضها عنه لتسقط بأحضان شقيقتها ويهدر بضجر: – جاتكم القرف عكرتوا صباحي غورو من وشي انتِ وهي

سحبت فرحة فتون ودلفت بها الى الغرفة، وحين اغلقت الباب انزلقت فتون على الأرض بضعف واطلقت سراح أنفاسها وهي تنتفض، ربتت شقيقتها على ظهرها بحنان وتحدثت من بين دمعاتها: – معلش يا فتون امسحيها فيا عيطي يا فتون متفضليش ساكتة كده عيطي انا عارفة انك بثمثلي انك قوية وانتِ أضعف من كده بكتير لتنصاع فتون لها و تطلق سراح عبراتها وهي تدس نفسها بأحضان شقيقتها فرغم صغر سن شقيقتها إلا أنها تحتويها دائمًا وتخفف عنها وتكون سند وعون لها.

—————

انت في الصفحة 4 من 13 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى