ظلت شاردة بفراشها تحتضن نفسها وبين يدها ذلك الخاتم الفضي الخاص بوالدتها الراحلة و رغم أن تصميمه ذكوري إلا أنها تتذكر أن والدتها كانت تعتز به ولم تنزعه من يدها إلا أن قامت هي بذلك ظلت تسترجع ذكرياتها معها فهي كانت حنونة وصبورة تحملت الكثير من أجلها هي وشقيقتها ابتسمت بحزن وهي تتذكر حديثهما الأخير معًا بعد ما اشتد عليها المرض (خلي بالك من اختك يا فتون وسامحيني يابنتي) لتأمرها بنزع الخاتم من يدها وهي توصيها أن لا تفرط به
احتضنتها فتون بجذع وهي على فراش المشفى و قد انسابت دموعها دون وعي فقلبها أخبرها أنها تلقي لها كلمات الوداع الأخيرة -ماما بلاش الكلام ده انتِ هتبقي كويسة وهترجعي معايا البيت ألتقطت كريمة أنفاسها بصعوبة وأردفت بتقطع:
– اسمعيني وما تقاطــ . ــعنيش يا فتون انا قلبي حاسس اني خلاص همــ . ــوت سامحيني يا بنتي مكنش ينفع اقولك وافضح المسطور لو كنت عملت كده كان مــ . ــوتني…انما دلوقتي مفيش في العمر بقية علشان اخاف لتسعل بشدة وتستأنف بأنفاس متقطعة عزت…عز…ت وهن…لم تكمل لفظ الأسم الآخر فقد توقفت الكلمات بحلقها و لفظت أنفاسها الأخيرة وقد صعدت روحها الى بارئها بسلام بعد معاناتها من المرض والفقر تاركة فتون بعد مــ . ــوتها في حيرة من أمرها وقلبها يخبرها ان ماكانت تنوي أخبارها به والدتها هو أمر جلّل.
أفاقت من ذكرياتها وهي تجهش بالبكاء أثر ذكرى ذلك اليوم المطبوع بذاكرتها فقد اهتز جسدها وهي تهمس تواسي حالها: – الله يرحمك يا ماما مهما كان السر اللي انتِ خبيتيه أهو راح معاكِ ومفيش فايدة من التفكير وحشتيني اوي يا ماما نفسي اترمي في حــ . ــضنك وانتِ بتقرئي القرأن زي زمان ياريتني اليوم ده مكنتش سمعت كلامه وروحتلك تنهدت بعمق وهي تتأمل الخاتم ثم رفعته لأنفها تستنشقه بحنين لعبق أمها الراحلة ثم مسحت عبراتها بكم منامتها عندما شعرت بدخول شقيقتها إليها قائلة:
-تونة انتِ هتفضلي نايمة كده وسيباني انا زهقت قومي بقى إحنا بقينا العصر نهضت فتون من الفراش وتوجهت الى خزانتها وقامت بدس الخاتم بين طياتها وتحدثت بهدوء: -حاضر يا حبيبتي قومت أهو تحبي نعمل ايه؟ ألتمعت عين فرحة بحماس وهي تقول: – نخرج نفسي اخرج اشوف الناس لتصمت لبرهة وتطرق رأسها بالأرض هامسة بتحسربعدها: -بس احنا معناش فلوس طمئنتها فتون: -متقلقيش هناخد من كوثر بس مش عايزين نتأخر علشان ابوكي مينكدش علينا هتفت فرحة بعفوية:
-بابا طول ما هو معاه فلوس مش هيجي غير وش الصبح لتقترب منها وتضع قبلة خاطفة على وجنتها وتستأنف: – انا هلبس ومش هنتأخر يا احلى تونة في الدنيا و بعد وقت قليل كانوا يسيرون الى مسكن صديقتها لتلقي على كل من يقابلها التحية والسؤال دون تكلف لتشهق بقوة وهي تناظر تلك السيدة المُسنة وهي تحمل بعض الأكياس البلاستيكية بتعب ولا تقوى على السير لتتقدم وتتناول من يدها الأغراض وتتحدث بود: -كده برضو يا ست إحسان مش قولتلك لما تحتاجي حاجة تقوليلي انا زي بنتك
ردت احسان بامتنان : -ربنا يخليكي يا فتون مش عايزة اتعبك -تتعبيني ده انتِ زي امي لتلتقط فتون يدها وتسندها على ذراعها وتسير معها وتقوم بإيصالها وسط دعوات إحسان لها: -ربنا يسترك يا بنتي ويديكي على أد نيتك ردت فتون بود : -ويخليكِ لينا يا ست إحسان انا هروح لفرحة عايزة حاجة مني اجابتها احسان بحنان وهي تربت على ظهرها: – لا يا بنتي روحي ربنا يسلم طريقك لتنظر لها فتون بامتنان وتنصرف بتعجل لشقيقتها
التي ما أن اقتربت منها هدرت قائلة: -اتأخرتي يا فتون يعني كان لازم توصليها ما هي زي القردة اهي نهرتها فتون: – عيب كده يا بت دى ست طيبة وانا بحبها – والله محد طيب غيرك -طب يلا ياختي نروح لكوثر ——————– في شركة الصرفي للاستيراد والتصدير كان يجلس خلف مكتبه وهو ينفث دخان سجائره بشرود تام يتتطلع لصورة شقيقته، فقد دمعت عينه وهو يسترجع ذكرياتهم معًا فكانت صغيرته التي تربت على يده، يتذكر أدق تفاصيلها وخاصًة تلك البسمة المميزة التي كانت تخصه بها عندما يغدقها بأهتمامه، تنهد بضيق ومرر يده علي وجهه محاولًا تهدئة إنفعاله وحدث نفسه بوعيد:
– اوعدك يا امل هنتقم منه اللي كان السبب هحــر . ــق قلبه زي ما حــر . ــق قلبي عليكي وحرمني منك. صوت رنين لفت انتباهه ليضع الصورة في درج مكتبه و يلتقط سماعة هاتفه الأرضي و يستمع بانتباه للطرف الآخر ليرد بجمود ما انتهى من اخباره: -خليك هناك متتحركش من مكانك و أي جديد تقولي عليه واوعي تاخد بالها ان انت بترقيبها فاهم ليضع سماعة الهاتف و يفرك وجهه بتوتر ثم زفر حانقًا ثم بكل عصبية أزاح بيده محتويات مكتبه على الأرض
طرق باب مكتبه ودخل هاشم والدهشة تحتل ملامحه وتسأل بقلق: -ايه ده في ايه يا اكمل! رد اكمل منفعل: -مفيش كنت متعصب وبعدين انت مالك مكتبي اعمل اللي انا عايزه فيه تذمر هاشم : – ياعم خلاص شكلك هتطلعهم عليا أنا غلطان إني جتلك انا ماشي ليجذب الباب مرة أخرى يريد الخروج إلا أن صوت اكمل اوقفه بعد أن هدأ قليلًا: -متسوقهاش انا اصلي مش ناقصك اجابه هاشم وهو يدلك رقبته بهدوء وشعر انه بالغ في ردة فعله :
-انت شايف كده، ماشي ليتقدم ويجلس مقابل له ويتسأل من جديد: -مالك يا أكمل احكيلي ايه اللي معصبك كده اجابه اكمل يدعي البرود رغم نيرانه المتأكلة: -ولا حاجة متشغلش بالك ،هااا كنت جاي ليه؟ -ابدًا كنت زهقان ومعنديش عمليات النهاردة قولت اجي اطمن عليك ادعى اكمل الثبات قائلًا: -انا كويس يا هاشم لم يقتنع هاشم فمن غيره يحفظه عن ظهر قلب لذلك ألح قائلًا: -لأ انت بتقاوح فيك ايه قولي يمكن اقدر اساعدك وترتاح ابتسم بسخرية مريرة وهو يتناول سيجاره ويشعله بجمود وينفث دخانه:
– لو في حاجة هقولك ياهاشم، ياريت تغير الموضوع، مي عاملة ايه معاك؟ تنهد هاشم بعشق وهو يذكر اسمها: – مي كويسة مطلعة عيني بس هعمل ايه بمــ . ــوت فيها وعلى قلبي زي العسل التوي جانب فمه وقال بسخرية : -اجمد شوية يا عم الحبيب ايه ده كله، دي عينك بتطلع قلوب تحدث هاشم معترفًا بلين قلبه معها: -ياعم بحبها انت فاكرني عديم الأحساس زيك حانت من أكمل بسمة خطيرة وقال محذرًا: -طب لم نفسك بقى احسن هقوم اضــ . ـربك
-لأ وعلى ايه انا امشي بكرامتي احسن ليضحك اكمل بمكر فهو يعلم صديقه لا يحبذ العنــ . ــف ابدًا ليرن الهاتف مرة آخرى ويتناوله ويجيب وهو يؤشر لصديقه بالجلوس والعدول عن قراره لتتهلل أساريره بحماس وهو ينهض ويتوجه للخارج ويجر خلفه صديقه و يرتادوا سيارته سويًا وحين شرع في قيادتها هتف هاشم بتذمر: – يا أكمل رايح فين و واخدني معاك رد اكمل ببسمة ماكرة: -مش انت زهقان؛ هنتسلي. لم يريحه جوابه وتسائل من جديد:
-ايوة يعني رايحين فين! أخبره بنبرة غامضة لم تريح الآخر: -هتعرف لما نوصل… ————————– تأوهت بألم وهي تحاول العدول في جلستها، فتحت أهدابها بضعف وهي تجول المكان بتوجس فأخر شيء تتذكره هو خروجها من بناية صديقتها وسيرها برفقة شقيقتها ليهجم عليهم رجال ملثمين وكمموا أفواههم بالقوة ويحملوهم داخل سيارة الدفع الرفاعي خاصتهم، شهقت بذعر وهي تطالع شقيقتها ملقية على الأرض مقابل لها ومكبلة مثلها لتصرخ وهي تحاول النهوض لكن ذلك الحبل اللعين الذي يحيط ساقيها بإحكام منعها لتهتف باسمها بقلق:
-فرحة…فرحة…ردي عليا ظلت تردد رجائها دون اجابة فقد غامت عيناها بعبراتها والخوف ينهش قلبها ظن منها أن شقيقتها أصابها مكروه الى أن استمعت صوت خلفها لتشهق بخوف وهي تطالعه وتتحدث بتوجس: -انت مين وعايز مننا ايه؟ اتاها رد ذلك الشخص بصوت قوي ارجفها: -مش انا اللي عايز الباشا هو اللي عايز اصبري على رزقك ومش عايز اسمع صوتك ومتقلقيش اختك متخدرة مش اكتر ليبتسم بتشفي وهو يطالع نظرات الرعب بعيناها حين تسائلت: -الباشا بتاعك عايز مننا ايه؟
-هتعرفي لما يجي اخرسى بقى ومش عايز اسمع صوتك قالها وهو يهم بالمغادرة تاركها ترتعد من الخوف وقلبها يهوي بين ضلوعها… الفصل الثالث
توقف أمام مخزنه المتطرف وعلى محياه ابتسامة متحمسة ليصيح به هاشم بغضــ . ــب:
-انت مجــ . ــنون كنت هتمــ . ــوتنا حد يسوق كده وبعدين ايه المكان المهجور ده انت جايبني فين؟ ليجيبه اكمل وهو مازال محافظ على بسمته الماكرة:
– تعال بس هنتسلى انزل ضــ . ـرب هاشم كف على كف وهدر بعدم ارتياح:
-والله انت مجــ . ــنون انا ايه اللي جابني معاك
– انزل يا هاشم وبطل رغي الله يكرمك
قالها وهو يخرج من السيارة ويصفع بابها بقوة و يتوجه للداخل فما كان من هاشم غير أن يلحق به متوجسًا ليرى
جاسم يقترب منهم ويخبر أكمل:
– كله تمام يا باشا تسائل أكمل باهتمام:
-جبتها ازاي بنت ال*** دي -ملقتش ليها سوابق يا باشا اتبعنا اشارة التليفون والحمد لله أنهم معرفوش يقفلوه علشان برنامج الحماية اللي عليه كان في بيت في حتة شعبية وكنا هنهجم عليه نجيب عليه واطيه بس لقينا بنتين ومتهيألي هي واحدة فيهم لأنها نفس الطول والجسم تقريبًا اللي في تسجيل الكاميرات
ربت اكمل على كتفه وتحدث بامتنان:
-براڤو عليك يا جاسم ليك عندي مكافأة حلوة -انا تحت امرك يا باشا
