ولكنه لم يعر جملتها اهتمام وكأنه لم يسمعها، بل رفع يداه يحيط جسدها من الجانبين ثم بدأ يتلمس جسدها بعشوائية وهو يتابـع بخشونة مهتاجة بتلك العواطف الحادة، بينما هي تجاهد لإبعاده عنها بقوة:
-طالما انتي اي راجل ممكن يلمس جسمك طب اهوه يا ايسل، اشمعنا انا مش طايقه لمستي؟
فصرخت فيه أيسل بجنون وهي تدفعه بكل ما ملكت من قوة:
-أبعد عني وبطل الجنان والهمجية دي!
وقف بدر مكانه يلتقط أنفاسه اللاهثة محدقًا بها بصمت لم يطول حينما نطق بصوت أجش يسألها:
-انتي مسلمة ولا لا ؟
إتسعت عيناها وهي تحملق به كأنه مجنون ثم ردت باندفاع:
-طبعًا مسلمة!
عاد بدر يسألها بهدوء حاد:
-إيه الدليل؟
-إيه الدليل على إيه!!
صاحت بها أيسل باستنكار، ليتابع بدر بنفس النبرة:
-إيه الدليل على إنك مسلمة؟ يعني إيه اللي يفرق بينك وبين أي واحدة مش مسلمة؟
هذه المرة لم تجد أيسل اجابة بل اكتفت بذلك الصمت المخزي، ليشملها بدر بنظرة مزدردة من أعلاها لأسفلها وهو يردف:
-حجاب مش محجبة وقولت ده مينفعش بالأجبار، صلاة وطبعًا مش بتصلي، لبس محتشم مبتلبسيش، واللي زاد الطين بلة إن أي راجل ممكن يشوف اي حتة من جسمك ويلمسها !!
عاد خطوتان للخلف ثم استطرد بنبرة قاسية تعمد جعلها سياط يجلد كرامتها:
-لو مش عارفة تكوني مسلمة على الأقل على الاقل حاولي تكوني إنسانة محترمة !
ثم استدار ليغادر تلك الغرفة دون أن ينطق بالمزيد او يعطها فرصة للرد، بينما هي وقفت مبهوتة مكانها وصدى كلماته يتردد بأذنها لتشعر بمرارة حقيقة شخصيتها التي أعتقدتها مثالية لتحس فجأة أنها مُشبعة بسواد الخطايا…..!!
**** بينما في تلك القـرية…..
تحديدًا في غرفة يونس وليال… فتحت ” ليال ” عيناها اولاً على ضوء الشمس الذي اخترق تلك الغرفة ليُنيرها، لتنظر ليونس الذي مازال يغط في نومٍ عميق..
تنهدت وهي تنظر له بشبح ابتسامة، ثم عدلت من وضعية جسدها لتنهض قبل أن يستفيق هو ويراها بين أحضانه وحينها لن يتردد في جلدها بسوط كلماته المسمومة !!…
توجهت نحو المرحاض لتغتسل ثم تتوضأ كعادتها، ثم أدت فريضتها لتنزل بإسدال الصلاة للمطبخ في الأسفل….
نظرت لورد التي ابتسمت لها باتساع ما إن رأتها وصاحت بود:
-ازيك يا ليال
فردت ليال بهدوء:
-انا كويسة الحمدلله، انتي عامله إيه؟
-الحمدلله، اخيرًا قررتي تنزلي تقعدي معانا بدل ما انتي حابسه نفسك معظم الوقت في اوضتك
فابتسمت ليال بهدوء وهي تخبرها:
-معلش يا ورد، انا نازله اخد قهوة ليونس
فعقدت ورد ما بين حاجبيها وهي تُحايلها:
-طب طلعيها وانزلي اقعدي معايا شوية انا حتى ماشية كمان شوية وهيبقى صعب اجي بعد كده كتير
اومأت ليال برأسها موافقة:
-حاضر والله هحاول صدقيني ولو مقدرتش أنزل اعذريني بس انا حاسه اني مش متظبطة انهارده
اومأت ورد برأسها ثم احتضنها تربت على ظهرها بحنو متمتمة:
-ربنا يريح قلبك يارب يا حبيبتي بعد قليل….
دلفت “ليال” الغرفة ممسكة بكوب القهوة بين يداها، لتجد يونس جالس على الفراش ممسكًا برأسه بين يداه والألم يستوطن قسمات وجهه، فاقتربت منه ببطء متنهدة قبل أن تهتف برقة:
-صباح الخير يا يونس
وكما توقعت لم يجيب يونس ولم يعرها اهتمام اصلًا وكأنها شفافة، لتتقدم منه ثم مدت يدها له بالقهوة وهي تقول:
-دي قهوة عملتهالك عشان تفوق، ولو حاسس إنك لسه مش مركز ممكن ماتنزلش تفطر معاهم وأقولهم إنك تعبان
إنتشل منها يونس كوب القهوة وهو يتابـع بجفاف:
-متتدخليش في اي حاجة تخصني فاهمة!؟
لم ترد ليال وإنما اكتفت بتنهيدة عميقة وهي تراقبه يشرب تلك القهوة، وما إن أنهاها نهض لتمسكه هي بتلقائية عله يترنح كما أمس، ولكنه نفض يداها عنه بعنف وهو يزمجر فيها بقسوة أنبأتها أن تلك الشياطين عادت لمكمنها داخله:
-قولتلك قبل كده ماتلمسنيش هو انتي مابتفهميش عربي!!
فانفعلت ليال للمرة الاولى لتهدر فيه بعصبية نالت منها ومن البرود الذي كانت تتمسك به حيال معاملتها ليونس:
-لا بفهم عربي، بس اللي أنت مش عايز تفهمه إني مش عبده عندك تقرب مني بمزاجك وتعاملني زي العبيد بمزاجك
بلحظة كان يونس يمسكها من ذراعيها بقوة ليدفعها للخلف على الفراش بعنف لتسقط على الفراش بينما هو يطل عليها بجسده العريض ممسكًا بذراعيها، أنفاسه تصفع صفحة وجهها ليشاركها النفس، ثم صاح فيها بحدة غليظة وهو يحدق بعمق عيناها المتجمهرة بالغضب والغيظ:
-هو ده اللي عندي، طالما مش عايزه تغوري من حياتي وهتفضلي مراتي يبقى انا حر، أقرب منك أبعد اعمل اللي اعمله!
ظلت ليال تتنفس بصوت عالي وهي تحدق به دون أن ترد، بينما هو اشتدت قبضته قسوة حينما تذكر ليلة أمس ليتابـع بخشونة حملت لونًا واضحًا من الندم:
-أنا كنت شارب ومش واعي اصلاً امبارح
فردت ليال بتلقائية مستفزة كعادتها:
-ده ياريتك تبقى شارب دايمًا عشان تبقى هادي شوية وتبطل همجية
فانتفضت فزعًا حينما ضـ,ـرب يونس على الفراش عدة مرات وهو يردد بصراخ اشبه بزئير الأسد المجروح:
-لأول مرة في حياتي اشرب القرف ده بسببك..
كل البلاوي دخلت حياتي بسببك لما انتي دخلتي حياتي
ثم ابتعد عنها ليمسك بذلك الكوب ليضغط عليه بقبضته بقوة ثم رماه ارضًا بانفعال حاد ليتشهم بالكامل، وراح يتشدق بجنون:
-ملعون ابو المكان الاسود اللي جمعني بيكي يا شيخه!
ثم اتكأ ليجلب هاتفه الذي كان ساقط ارضًا وكانت قطعة زجاج عليه فأمسك قطعة الزجاج بعنف ليرميها فجرحت يده ليتأوه بتلقائية بألم طفيف تجاهله وهو يضع هاتفه في جيب بنطاله، بينما ليال نهضت بسرعة لتمسك يده وهي تسأله بقلق:
-إيدك اتجرحت؟؟
دفعها للخلف بعيدًا عنه وهو ينتشل يده من بين يداها مرددًا بثوران غاضب:
-قولتلك ماتلمسنيش ابدا
دون أن تشعر وبحركة مباغتة داست ليال على قطعة زجاج لتنغرز بقدمها فصرخت بألم وهي تمسك قدمها ليغادر يونس دون أن ينطق بحرف اخر متجاهلًا اياها تمامًا…..
فجلست هي على الفراش تحاول إخراج تلك الزجاجة من قدمها وهي تهمس بصوت اختنق بالبكاء:
-يارب انا تعبت، يارب ازرع حبي في قلبه يارب! **** بعد يوم آخر….
في القصر…..
دلف حارس القصر ليتقدم نحو “فاطمة” متمتمًا بصوت جاد حذر:
-ست فاطمة في ست وراجل برا بيقولوا عايزين حضرتك
وقفت “فاطمة” تعدل من حجابها لتخفي خصلاتها البيضاء التي تبرز كبر سنها، قبل أن تقول في هدوء ووقار:
-دخلهم يا حسن بس ماتسيبهمش يدخلوا لوحدهم ادخل معاهم انت واي حد تاني من الشباب وخلي نسمه تنادي أيسل وبدر
-تحت امرك يا ست فاطمة
قالها وقد اومأ مؤكدًا لها برأسه قبل أن ينصرف ملبيًا اوامرها، وبالفعل بعد دقائق معدودة دلف كلاً من “طه” و زوبه متفحصان القصر بأعين جائعة كالعادة لا يملؤوها سوى حفنة من التراب الأسود..!
في نفس اللحظات التي أتى بها كلًا من بدر وأيسل، فوقفت أيسل تطالعهم بنظرات مزدردة وكأنها تشمئز من كونهم والديها، كادت زوبه تقترب منها بحنان وحزن مصطنع وهي تتمتم:
-أيسل حبيبتي
فعادت أيسل خطوتان للخلف تهز رأسها نافية بحدة كارهه:
-ماتقربيش مني
وقفت زوبه مكانها بإحباط لتمثيلها المكشوف للجميع، فنطق “طه” بصوت أجش موجهًا حديثه لفاطمة:
-قولتي لأيسل إن اهلها جايين ياخدوها ولا لأ يا حجه؟
فردت فاطمة بحدة:
-أيسل مش عايزه أهل غير اللي اتربت معاهم، مش اللي بيعتبروها غلطة وما صدقوا تاهت منهم ورفضوا يقابلوني حتى لما لقيتها وهي عيله ٤ سنين!!
فأشار طه بيداه بتهديد مبطن:
-يبقى البوليس هو اللي يحكم بينا يا خطافة العيال!
حينها تدخل بدر ليجذب أيسل من خصرها بقوة ليلصقها به وقد أحس بتلك الرجفة التي هاجمت أيسل ما إن أحاطها بذراعاه يضمها له بقوة فيُلبي طلب جسده الذي احترق بالشوق ليفعل ذلك بعد أن كانت تقاطعه تماما منذ اخر مرة تشاجرا بها ذلك اليوم….!!
ثم هتف بخشونة وصلابة:
-أيسل مراتي ومش هتروح في حتة، ومحدش يقدر ياخدها غصب عني!
فاندفع طه بغضب يصيح:
-كداب، هي مش متجوزه، انتوا بتلعبوا بقا عشان تخلوا البت هنا
فتمتم بدر ببرود ساخرًا:
-يبقى البوليس هو اللي يقرر يا حج!
ولكن دون مقدمات وجدوا أيسل تهتف بما أصابهم بصدمة جمدتهم مكانهم جميعًا بما فيهم بدر الذي تجمد مكانه يحدق بها بعينان محتقنتان:
-انا هروح معاهم!
و………………………..