Uncategorized

احتيال و غرام رحمة سيد ١

على الجهة الاخرى….. جلست “ليال” في الحجرة التي تقطن بها دومًا، شبه وحيدة تحارب أفكارها المذبذبة التي لم تجد سواها حاضرًا…
للحظات تأن كرامتها وذلك الرفض ينحرها، وفي اللحظات الاخرى يكتم قلبها ذلك النزيف رافضًا الاستسلام لتيار العقل….
تخشى الاستسلام للعقل فتسير في طريقه لتصل لمنتصفه وحيدة شريدة ممزقة بنصل الندم؛ الندم الذي لن يتركها حتى يُطفئ بريق روحها كما فعل بوالدتها تمامًا…!

قطع شرودها الباب الذي فتحته “ورد” ابنة عم يونس، التي اقتربت منها بابتسامتها التي تشع بهجة وهتفت:
-ازيك يا ليال؟؟
سرقت ليال ابتسامة من ضجيج الذكريات لترد بخفوت:
-الحمدلله تمام، إنتي عامله إيه؟
-الحمدلله
جلست جوار ليال على الفراش، ثم امسكت يدها لتردف بحماس أصابت شعلته كومة اللامبالاة داخل ليال:
-بصي انا عارفه إن لما اتجوزتوا انتي ويونس معملناش حنة، فـ بنات العيلة تحت هيجيبوا واحدة بترسم حنة حلوه اوي إيه رأيك تيجي معانا ترسمي؟
للحظة ترددت ليال… كادت ترفض وذاك الضجيج المؤلم داخل رأسها يتصاعد، ولكنها أسكتته حينما دوى صوت موافقتها لتعلن:

-اشطا ياريت
إتسعت ابتسامة ورد وكادت تنهض ولكن ليال أسرعت ممسكة بيدها وتابعت بشيء من التردد:
-ورد هو انا ينفع اطلب منك طلب؟ أصلي بصراحة مليش كلام مع حد اوي هنا
اومأت ورد برأسها مؤكدة بترحاب حار:
-طبعًا، اؤمري؟
رفعت ليال يدها تتلمس خصلاتها المقصوصة التي غطتها بـ حجاب صغير، لتتنهد بقوة وكأنها تُحيي داخلها روح المقاتلة من أجل حبها والتي استكانت للحظات في ركن ما داخلها بخواء قاسٍ بعدما حدث…
-انا كنت عاوزاكي توديني الكوافير أقص شعري كيرلي وأصبغه؟
ثم هزت كتفاها معًا وأكملت بصدق:

-انا فعلًا من زمان نفسي أقصه كيرلي وكنت هعملها قبل ما أجي هنا، بس ماجتش فرصة بقا ! اومأت ورد بسرعة وهي تغمزها بمرح حلو:
-يا سلام ياستي غالي والطلب رخيص
ثم نهضت تحكم حجابها حول رأسها وتخبر ليال بحروف هادئة مُبطنة بالتحذير:
-انا هروح ألبس وانتي كمان إتصلي بيونس استأذنيه وإلبسي وهستناكي تحت
-تمام يا ورد
تمتمت بها ليال بصوت ناعم، لتغادر ورد بالفعل، فنهضت ليال تكشف الستار عن خصلاتها…. ما آلمها ليست تلك الخصلات… لأنها لم تكن مهمة كثيرًا بل كانت ستقصها هي عاجلًا ام اجلًا..

تلك الليلة جاءت ومرت كالطيف.. ولكنها خلفت بعدها شعور قاسي من النبذ والكره الذي لحن نبرة صوته والتي لازالت تتردد بأذنها حتى تلك اللحظة…! نهضت بالفعل ترتدي ملابسها، وما إن إنتهت حتى أمسكت هاتفها لتتصل بيونس… ولكنه كالعادة رفض مكالمتها !!..
زفرت بعمق ثم لوت شفتاها بغيظ:
-ماتردش أحسن، أنا عملت اللي عليا وخلاص
ثم نزلت من الغرفة لتلحق بـ ورد التي اصطحبتها اولًا “للكوافير” ثم عادوا ليجدوا تلك الفتاة التي ترسم الحنة بإنتظارهم… ***********************
بعد ساعات، وفي غرفة “ليال ويونس”…..

وقفت ليال أمام المرآة تنظر لنفسها بزهو، بدايةً من خصلاتها التي صبغتها بخليط ما بين لون لم يصل لصفار الشمس واخر لم يصل لبياض الثلج….!
ثم ذلك الفستان الرقيق الذي ترتديه والذي يصل حتى ركبتيها… يُعري كتفاها عن عمد حتى تبرز تلك الرسمة التي أبدعت الفتاة في رسمها، والتي كانت على كتفها وتصل لرقبتها…
كانت فاتنة… فاتنة لن تتوانى عن إغواء ذلك القديس الذي تزوجته !

على ذكر سيرته في خاطرها، وجدته يفتح باب الغرفة كعادته عندما يعود من عمله، أخذ ملابسه من الدولاب دون أن ينطق بحرف واحد… يشعر بتأنيب ضمير خافت لما فعله بها تلك المرة يصدح داخله ولكنه يكتمه متجاهلًا صداه….

كاد يتخطاها داخلًا المرحاض دون أن ينظر نحوها حتى، ولكنها مالت في وقفتها امام المرآة وهي تهتف بنبرة بطيئة ناعمة وخبيثة:
-إيه رأيك في النيو لووك ده بتاع شعري يا يونس؟
تحركت عينـاه تلقائيًا لتحدق بها، فسقط مظهرها عليه كمطرقة حديد ملتهبة الاشتعال….!
ولكنه تجاوز ذلك الشعور سريعًا لتحتد عيناه بنظرة تعرفها جيدًا حينما يعلن شيطان الغضب وجوده بعيناه، ولكنها أكملت ببرود وهي تتلمس خصلاتها:
-شكرًا إنك قصتهولي انا كنت مكسله اروح اقصه وأنت حمستني كتر خيرك والله !

كز يونس على أسنانه بعنف حتى أصدرت صكيكًا حادًا، كان يحاول تمالك أعصابه بشق الأنفس… ولكنها زادت الطين بلًا كما يقولون حينما استطردت وهي تنظر له في المرآة وتميل بكتفها ببطء متعمد:
-شوفت كمان الحنة اللي رسمتها؟ حلوه صح؟
لم تتزحزح نظراته من عليها… تلك النظرة المُظلمة الخاوية المُفخخة بالغضب والكره..
ليقترب منها ببطء كالفهد الذي يتربص بفريسته، ثم خرج صوته اخيرًا أجش وهو يسألها:
-امممم حنة، ودي رسمتيها امتى بقا ؟ والقرف اللي عملتيه في شعرك ده عملتيه امتى؟
ردت بلامبالاة بينما عيناها تراقبه بتحفز:

-النهارده لما أنت روحت الشغل خليت ورد توديني
أصبح خلفها مباشرةً، يُقرب وجهه من رقبتها عن عمد، فاختض قلبها بعنف وهي تعض على شفتها السفلية تكتم اعتراضًا ربما يشعره بغروره الذكوري… بينما أنفاسه الساخنة مع حصاره لها بهذه الطريقة تفعل بها الأفاعيل… اخترقت رائحتها أنفه دون عناء بمجرد أن اقترب منها، وتلك الرسمة وكأنها تستفز أصابعه ليتلمسها… شعور لحظي كرجل باغته ولكنه حجمه في نفس اللحظة بالكره الذي يسير في عروقه تجاهها….

نظر للحنة الموضوعة في طبق امام المرآة، ثم اقترب اكثر حتى يستطيع الوصول لها فأصبح ملتصقًا بها لتزداد حدة تنفسها… لن تستطع… لن تستطع المقاومة اكثر…. إستعر لهب عواطفها في تلك اللحظات لتشعر بجسدها كله وكأنه مستوطن بالجمر….!

إندفعت تنوي الابتعاد ولكنه حاوط خصرها في نفس اللحظة بقوة ليُعيدها مكانها أمامه، ثم همس جوار أذنها ببحة رجولية خشنة:
-هشششش، اثبتي مكانك
أغمضت عيناها بقوة تبتلع ريقها، ولم تلحظ يداه التي امتدت لتأخذ تلك الحنة السوداء في يده، ثم لمعت عيناه بحقد ماكر وهو يسألها بهدوء:
-عجباكي الرسمة مش كده؟
اومأت مؤكدة برأسها، ثم فتحت عيناها تحاول إجبار صوتها على الخروج:
-ايوه، وابعد قولتلك قبل كده متقربش كده؟
رفع حاجبه الأيسر باستنكار مغمغمًا بنفس المكر:
-ليه؟ هو انتي مش عامله كل ده عشان أقرب؟

إتسعت عيناها بحرج من إعلانه لها صراحةً، فردت بأول اجابة قفزت لعقلها:
-لا طبعًا، أنا آآ…. عامله لنفسي، لكن أنت…… أنت متهمنيش!
-فعلًا؟
رددها بابتسامة متهكمة لا تمت للمرح بصلة، ثم اقترب اكثر ليشعر بتلك الرعشة العنيفة تهاجمها، ليهمس بصوته الخشن المبحوح الذي يثير داخلها مشاعر لم تخوضها قبلًا:
-واضح اوي إني ماهمكيش؟ امال جسمك بيتنفض كده ليه؟ وليه عملتي التمثلية اللي عملتيها قدام الكل اليوم اياه؟

وفجأة وقبل أن تجيب رفع يده ينوي تلطيخ تلك الرسمة بالحنة التي في يده، ولكنها إنتبهت بسرعة فأمسكت يده بقوة قبل أن تصل لكتفها، ثم دفعته بعنف وهي تزمجر فيه بحدة:
-لا بقولك إيه، بتعاملني بهمجية وعديتها، قصيت شعري وقولت ماله مايضرش، لكن تبوظلي الرسمة اللي انا متحنطة بقالي ٣ ساعات عشان أرسمها لاااا… هي سايبه ولا إيه؟!

كان ينوي الاقتراب منها مرة اخرى مُصرًا على إفساد تلك الرسمة ولكنها دفعت يده بقوة حتى سقطت تلك الحنة من يداه على الارض، فحدقت بها بانتصار وهي تتنفس بارتياح…
بينما هو جذبها من ذراعها بعنف قابضًا عليه ليتابـع هدير غضبه الذي تفجر من طي الكتمان:
-وحياة امك لوريكي مين الهمجي، هو انتي لسه شوفتي همجية؟ انا هاسود حياتك لحد ما اعرف مين اللي قالك تعملي اللي عملتيه وساعدك
ثم دفعها بعيدًا عنه بعنف لتسقط على الفراش متأوهه… فاستدار هو لمغادرة الغرفة وهو يردد بنفس العصبية الهوجاء:

-ومفيش خروج من الاوضة دي ولا حد هيدخلك حتى
وبالفعل خرج وبدأ يُغلق الباب من الخارج بالمفتاح الخاص بالغرفة، فجلست هي على الفراش ممسكة بزجاجة الطلاء لتبدأ بطلاء أظافرها وهي تتمتم ببراءة:
-لا يا يونس، اوعى تقفل الباب يا يونس لا والنبي متقفلوش!
شعرت بخطواته الحادة تبتعد عن الباب فتركت زجاجة الطلاء وهي تتنهد بعمق…. لازال الطريق أمامها طويل… طويل ومخضرم بالأشواك الضارية….!! **** في القصر….. في غرفة أيسل كانت تنهي تصفيف خصلاتها النارية المُجعدة، اليوم ستذهب لتتقدم للعمل بأحدى الشركات واخيرًا بعد إنتظار طال…!

بينما في الخارج كان بدر يبحث عن مريم التي لم يجدها في الغرفة التي خُصصت لها، فقابل احدى العاملات ليسألها بقلق:
-مشوفتيش مريم يا نسمة؟
ضيقت الاخرى عيناها متمتمة:
-تقريبًا شوفتها داخله اوضة أيسل هانم
اومأ برأسه موافقًا بهدوء:
-تمام شكرًا
ثم أسرع بخطواته نحو غرفة أيسل، طرق الباب مرتان ولم يجد رد ففتح الباب دون مقدمات ليجد أيسل التي خرجت من المرحاض تجفف يدها وهي تصيح فيه بغيظ:
-إيه ده هو أنت ازاي تفتح الباب كده من غير استأذان افرض بعمل حاجة؟؟!!!

تجاهل بدر ما سمعه عن عمد وهو يغمغم ببرود وعيناه تجوب الغرفة بحثًا عن “مريم” :
-كنت بدور على مريم ونسمة قالتلي إنها هنا تقريبًا
عقدت ذراعاها معًا ومن ثم أردفت بحروف غاضبة مُغطاه برداء البرود:
-لا الست هانم بتاعتك جت هنا بالغلط ومشيت
دلف بدر داخل الغرفة، ثم رفع إصبعه في وجهها وقد تبدلت نبرته لتصبح مشدودة حادة لتسقط داخلها قاصدة تذكيرها بما تحاول إلقاؤه لأبعد نقطة عن عقلها… ثم بدأ يُحذرها:
-اسمها مريم مش الست هانم بتاعتي، وبعد كده تاخدي بالك من تعاملك معاها متقعديش تقوليلها صاحبة القصر وبلا بلا بلا !!

انتي اللي محتاجانا مش احنا اللي هنمـ,ـوت ونقعد في القصر بتاعك!!
فضـ,ـربت أيسل بقدمها المنضدة الصغيرة الموضوعة امام المرآة، صارخة بعصبية وقد نفذت أي ذرة تحكم كانت تحاول الحفاظ عليها:
-انا مش محتاجة لأي حد لا انت ولا البت بتاعتك دي!!
بينما وهي تضـ,ـرب المنضدة سقطت زجاجة العطر لتتهشم ارضًا ولم تعيرها أيسل اهتمام، فعاد بدر خطوتان للخلف وهو يشير بعيناه للأرضية التي تبللت بالعطر… ثم قال بجمود آمرًا:
-يلا يا شاطره روحي امسحي اللي وقعتيه
إتسعت عيناها بذهول…. أيحاول تأديبها؟!
فهزت رأسها بعناد تضخم مستوطنًا عيناها، لترد بحدتها المعهودة:
-مش ماسحه!

وأعلى ما في خيلك اركبه، اي حد هيجي يمسح دلوقتي
هز بدر رأسها نافيًا بنفس الهدوء الصلب الذي جعل كل خلية بـ أيسل تهتاج بالجنون:

انت في الصفحة 5 من 18 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى