Uncategorized

احتيال و غرام ٢

ركض بدر دون أن يفكر مرتان ناحية مريم صارخًا بذهول لم يستطع كتمه:
-إنتي بتعملي إيه يا مريم إنتي إتجننتي!
لم تبدو مريم طبيعية ابدًا وهي تتجاهل محاولات بدر لإبعادها، وقولها لأيسل وهي تضحك بشر غريب:
-انتي مفكراه هيلحقك!! محدش هيلحقك ابدًا وحقي هاخده يعني هاخده
أثناء الشد والجذب ما بين ثلاثتهم سقط بعض من مياه النار من تلك الزجاجة على يد أيسل التي صرخت بألم رهيب وهي تمسك بيدها، في نفس اللحظات التي نجح بها بدر في رمي تلك الزجاجة بعيدًا عنهم ثم كبل مريم بقوة ليبعدها عن أيسل وهو يزمجر في مريم بعروق بارزة:

-اهدي بقا وبطلي جنان، إنتي خلاص عقلك شت مابقتيش مدركة انتي بتعملي إيه؟؟ فهزت مريم رأسها نافية وبدت وهي تتابع حديثها وكأن كل شياطين الدنيا نفثت بها في تلك اللحظات..!
-كفاية تمثيل يا بدر بقا انا عرفتها كل حاجة، يلا ساعدني عشان هاخد حقي دلوقتي!!
-اسكتي واتحركي قدامي
قالها بدر وقد كز على أسنانه بغيظ والغضب يتضخم داخله اكثر لا يتخيل ما كان سيحدث لو تأخر عدة دقائق اخرى …
فجذب بدر “مريم” نحو الخارج وهو يردف بعنف:
-يلا تعالي، احنا هنمشي من القصر ده انهارده اصلاً
فهدرت فيه مريم بعضب هيستيري وهي تنفض يدها بعيدًا عنه:

-انا مش ماشيه من هنا قبل ما اخد حقي منها
حينها تدخلت أيسل مزمجرة فيها بعصبية هوجاء وقد تفجرت عروقها من كثرة ضغط الألم او الغضب:
-اخرسي يا مريضة، انا مليش علاقة باللي رسمه عقلك المريض انا كل اللي عملته إني لحقت أختي ولحقت سمعتها اللي كانت ممكن تتدمر لو راحت شهدت في قضية اداب ويمكن كانت اتحبست !!
تنفس بدر بصوت مسموع وهو يحدق بـ أيسل، فـ تقريبًا أيسل خلال تلك اللحظات قطعت تلك الحبال التي تكبل قلبه الذي اصبح مُتيم بعشقها دون أن يدري حتى…!
فيما ألقت مريم بنظراتها تجاه بدر وسألته بنبرة حادة:

-أنت هتساعدني ولا لأ يا بدر قبل ما حد يجي؟
فاقترب بدر من أيسل الواقعة ارضًا حتى تهيأ لها للحظات أنه سيطيع تلك الحربائة، لكن وفي اللحظة الاخيرة سألها بخفوت وهو يمسك يدها متفحصًا إياها:
-إنتي كويسة؟
اومأت أيسل مؤكدة برأسها، حينها تدخلت مريم لتصرخ حارقة اخر الكروت التي تمتلكها:
-انتي مفكراه حبك زي ما انتي هتمـ,ـوتي عليه! كل حاجة حصلت كانت عشان يساعدني أنتقم، هو جه اشتغل هنا اصلاً واتجوزك عشان ينتقم منك وأكيد هو لسه بيكمل التمثيلية دلوقتي بس انا بقا زهقت من التمثيلية دي ومش هكمل وهاخد حقي!!!!
بهتت ملامح أيسل بشحوب..

وقد تفجرت تلك الحقيقة التي كانت متوارية خلف حروفهم منذ ثوان ولم تحاول أيسل إظهارها…. ولكن حينما تفجرت فجأة نصب عيناها تفتت قلب أيسل ليصبح مجرد شظايا صغيرة مُدمَرة…!!!!! **** عودة للقرية في صعيد مصر… جلست ليال في الحديقة ممسكة بصورة والدتها الحبيبة ودموعها تنهمر على وجنتاها كالأمطار في ليلة شتوية قاسية وهي تتذكر احدى الذكريات التي لا تود تذكرها ابدا…….

كانت في العاشرة من عمرها، ذات يوم حينما خرجت من غرفتها على صوت صراخ والدتها المتألم وهي تبكي ووالدها قد تسلط عليها بعنفه وقسوته المعتادة، فكان يضربها وهو يزمجر فيها بجنون:
-برضو مانسيتيهوش! اه هتنسيه ازاي ماهو حبيب القلب
فبكت والدتها أكثر وهي تهز رأسها نافية:
-حرام عليك انا متقية الله من يوم ما اتجوزتك وعمري ما جبت سيرته وحافظه عرضك ومتقية الله فيك وفي بنتي، أنت اللي مش قادر تنسى إني كنت بحبه وبتبرر خـ,ـيانتك بده!
فرفع يده ليضربها أكثر وهو يهب منفجرًا ما كان يخبئه:

-أيوه مش قادر أنسى ومش هنسى، مش هنسى إنك حاولتي تهربي مني يوم الفرح بسببه ومش هنسى إنك كنتي رافضاني دايمًا بسببه ومش هنسى إنك كنتي بتاخدي حبوب منع الحمل عشان متخلفيش مني وبرضو بسببه!
صرخت زينب فيه وهي تنفي التهم الثقيلة التي يرميها على كاهلها:
-لأ مش بسببه، بسبب قسوة قلبك اللي مش قادر تخلص منها، وبسبب الحقد اللي بيكبر جواك يوم عن يوم وبسبب انك خاين!
فتابع ضربها بعشوائية وهو يهدر بصوت متجبر:
-اخرسي، انا الراجل انا اعمل اللي انا عاوزه ومش من حقك تحاسبيني!

حينها ركضت “ليال” نحو والدتها وهي تدفع قدم والدها بعيدًا عنها صارخة بغضب طفولي:
-سيب ماما ابعد عنها ماتضربهاش
فدفع ليال بعنف بعيدًا غير آبه بكونها طفلة، ثم غمغم بازدراء:
-غوري من وشي ما انتي شبهها!
وكالعادة حينما يفرغ غضبه بها وبوالدتها يغادر دون أن يفكر في الاعتذار لها يومًا….
بينما زينب تبكي وهي تحتضن ليال وتنوح بصوت متهدج من الألم الذي ينضح منها:
-اااه… ياريتني ما استسلمت واتجوزته، ياريتني ما بعدت عن الشخص الوحيد اللي حبيته، ياريتني ما استسلمت لقدري..

يا ليت ويا ليت ويا ليت…. دائمًا كانت تنوح زينب بتلك الكلمات ندمًا، ولم تنتبه لكونها تزرع تلك الكلمات زرعًا داخل طفلتها ليال…. توشم روحها بعدم الاستسلام ابدًا وإلا ستصبح العاقبة وخيمة جدا….
حتى أصبح السيناريو يتردد داخل عقل ليال كلما اوشكت على الاستسلام… فكلما فكرت في لعنة الاستسلام ذكرت نفسها أنها يجب أن تحارب حتى تهرب من مصير مؤسف اسود ربما يكون مصيرها كما حدث مع والدتها……!! عادت من ذكرياتها تمسح دموعها المنهمرة وهي تحاول اخذ نفسًا عميقًا وإنتشال نفسها من بين براثن الذكريات….

*** بعد فترة… اقتربت “ليال” ممسكة بكوب القهوة في يدها وتوجهت نحو “قاسم” الذي كان جالس امام الشرفة في انتظار قهوته، وما إن اصبحت امامه حتى هتفت بصوت رائق وابتسامة حلوة تخفي خلفها دموع عالقة برموشها:
-صباح الأناناس على أحلى وأغلى الناس.. يعني حمايا البرنس قاسم باشا وبس
فضحك قاسم وهو يشير لها بيده:
-خلاص يابت يا لمضه انتي، هو انتي بتقدميني للانتخابات!
ضحكت ليال هي الاخرى وهي تجلس جواره متمتمة له بهدوء والابتسامة لازالت محافظة على مساحتها اعلى ثغرها:
-انا غلطانه برفع من معدنياتك
ثم مدت القهوة له وتابعت:

-اتفضل ياسيدي قهوتك اهيه، قولت اجبهالك وبالمرة اقعد معاك شوية عقبال ما هتلر ابنك يخلص مع السباك فوق
ابتسم قاسم في حنو ثم اقترب منها بمقعده ليمسك يدها بين كفاه المجعدان ثم ربت عليهما بحنان الأب الذي لطالما افتقدته ليال:
-أنا عارف إن يونس لسه معاملته ناشفة معاكي شوية، هو محتاج منك شوية صبر بس وصدقيني لو قدرتي تخليه يحبك هتشوفي يونس تاني خالص، ولعلمك انا مستني بس اول ما ينسى البت الملونه بتاعته دي وساعتها انا اللي هربيهولك.. انتي جوهرة يا ليال ولازم يعرف قيمتك كويس اوي قبل ما تبدأوا حياتكم سوا بس لازم نلعبها صح!

للحظات شعرت ليال بتلك النغزة المؤلمة تستيقظ من غفوة المرح والسكون، ولكنها سرعان ما أطاحت بها أرضًا مرة اخرى وهي تبتسم مقتربة منه وتردد مشاكسة اياه:
-والنبي انت قمر وهصبر عشانك، بقولك ايه ما تتجوزني أنت؟
تعالت ضحكات قاسم على تلك الشقية التي للأسف لم يعطي يونس لنفسه الفرصة لها لتتسرب لأقفال قلبه فتفتحها جميعها رويدًا رويدًا ولكنه سيحرص على أن يحدث….!
فاستعاد قاسم اتزانه وهو يخبرها في هدوء مبتسمًا:

-طب يلا يابت يا شقية انتي اطلعي لجوزك زمانه خلص مع السباك ومحتاج ياخد دوش وحد يجهزله هدومه وفطار عشان يروح شغله
اومأت ليال برأسها بسرعة وهي تقف مقتربة برأسها منه قليلاً:
-انت تؤمر يا قمر…
……………………………………………

وبالفعل صعدت ليال متوجهة لغرفتهم لتجد “السباك” يغادر مع معداته فابتسمت له وهي تقول ملوحة بيدها:
-مع السلامة يا عم محمود تعبناك معلش!
ليبادلها ذلك الرجل المسن الابتسامة الصافية ثم غادر وهو يلقي التحية على يونس الذي بمجرد مغادرته اقترب من ليال ليمسك ملابسها م عند مؤخرة رأسها مغمغمًا باستنكار وهو يقلدها:
-مع السلامة يا عم محمود تعبناك ! هو انتي داخله القهوة ياختي وبتردي السلام على الزباين ولا إيه!! مفيش اي احترام لوجودي؟!
فهزت ليال رأسها بسرعة وببراءة أجابت:
-لا طبعًا ليه بتقول كده، ده عمو غلبان وطيب والله وانا زي بنته!

رمقها يونس بنظرات غاضبة من أعلاها لأسفلها ثم تركها، لتسارع هي القول متابعة:
-طب أقولك حاجة بمناسبة سيرة عم محمود؟
فسألها يونس بهدوء متنهدًا:
-حاجة إيه؟
فهتفت ليال بجدية مُضحكة خالطتها الفكاهه:
-بمناسبة الكورونا اللي انتشرت في الصين وكده، اللي عنده الانفلوانزا لن يُصاب بكورونا، المصدر: عم محمود السباك قالي مفيش فايروس بيخش على شغل التاني!

ضحك يونس هذه المرة من قلبه ولم يحاول كتم ضحكاته لتشاركه ليال الضحك وهي تتذكر ذلك العجوز اللطيف الذي أحبته بصدق…!
ثم سرعان ما ثبتت نظرات يونس السوداء العميقة التي تعيث الفوضى داخلها على ليال واقترب منها ببطء لتعود هي للخلف.. وقعت نظراتها على أزرار قميصه المفتوح أولها منذ موقف الحصان، فابتلعت ريقها وهي ترى يونس يقترب اكثر ثم همست بصوت مبحوح:
-أنت بتقرب كده ليه! شكلك ناوي تغرغر بيا !!
فرفع يونس حاجبه الأيسر ورد باستنكار:
-آآ إيه يا عنيا؟ أغرغر بيكي إنتي؟ ليه إتصيت في نظري؟!

اقترب يونس حتى لم يعد يفصلهما شيء… اقترب من اذنها حتى شعرت ليال بأنفاسه الساخنة على جانب وجهها فأصابتها تلك الرعشة المصحوبة بمشاعر لاهبة داخلها.. طارت كلها مهب الريح حينما همس يونس عند اذنها بصوت أجش:
-في فار وراكي بيتمشي شوية بس اوعي تصرخـ……..
ولم يستطع إكمال جملته فصرخت ليال بفزع دون مقدمات وهي تتعلق برقبته كالأطفال وتصرخ وهي تحاول رفع قدمها عن الارض والنظر خلفها:
-هو فييين، مشييييه خليه يمشيييي قوله يمشي بسرعة
حاول يونس فك ذراعها الذي كبل رقبته حرفيًا وهو يصيح فيها بحنق:
-انتي هبلة!

أقوله يمشي إيه هو انا بقولك جايب واحد صحبي وهدخله اوضة النوم عليكي، ده فار !!!
كادت ليال تبكي كالأطفال ولازالت متعلقة بأحضانه ترفض الابتعاد:
-والنبي مشيييه مش عايزه أشوفه انا بترعب منهم
إلتصاقها به بتلك الطريقة وتشبثها بأحضانه جعلا ثورة من نوع اخر كان يكتمها بشق الأنفس تندلع بين ضلوعه… فابتلع ريقه بتوتر يحاول قمع تلك الثورة من العاطفة الحارقة بإدخال العقل وهو يُذكر نفسه أنها غريزته الذكورية فقط…. وأنه قرر التقرب منها حتى تسنح له الفرصة لمعرفة ما تخبأه عنه او معرفة مكان ذلك اللعين جمال حتى ولم تكن توجد طريقة غير هذه…..

او ربما هو اقنع نفسه بذلك..!

انت في الصفحة 5 من 14 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى