Uncategorized

احتيال و غرام ٢

ثم قال بخشونة وقد حملت نبرته بحة خاصة تلحنت تحت ظلال تلك العاطفة التي تأججت دون ارادته:
-هو اصلاً مشي بسبب صريخ حضرتك اللي زمانه اتفزع منه، ممكن تبعدي بقا وتسيبي رقبتي!
ألقت ليال نظرة خاطفة للخلف حتى تتأكد من صدق كلامه ثم تركته على مضض مطأطأة رأسها ارضًا بحرج فيما إلتقط هو أنفاسه المسلوبة…
شعر يونس بلهاث الغضب يطغي على أنفاسه حتى كتمها… الغضب من تلك العواطف التي تداهمه فجأة في قرب تلك الليال…
فسار نحو دولابه وهو يُخرج ملابسه وتابع بصوت أجش وقد تنحت تلك المشاعر جانبًا:

-اطلعي برا يا ليال
عقدت ليال ما بين حاجبيه بتأسف وصوت خافت:
-سوري لو ضايقتك بصريخي بس آآ…..
فأكمل يونس بصوت اكثر حدة:
-اطلعي برا يا ليال
وبالفعل خرجت ليال وهي تتنهد بضيق من تغيراته المفاجئة، ولكن حاولت ألا تعكر فرحتها بالتغيير الواضح نسبيًا بينهما هذا اليوم….! بينما في الداخل ضرب يونس الدولاب بعنف وغيظ، يود لو يسيطر العقل على كافة مشاعره الرجولية، ولكن يجدها تنساب من بين قبضة تحكمه في قربها…. وما يثير حنقه أنها حتى لا تتعمد إثارة أي مشاعر رجولية فيه !!!!!!!!

**** في يوم آخر…. كانت ليال تجوب غرفتها ذهابًا وإيابًا وهي ممسكة بهاتفها تحاول الاتصال، واخيرًا أجاب الطرف الاخر بنبرة غليظة:
-نعم بتتصلي ليه؟!
-انتي مابترديش عليا ليه حضرتك؟ بقالي كام يوم بحاول اتصل
فقالت ببرود:
-مش فضيالك
لتهتف ليال بغيظ واضح:
-مش فضيالي! امال حضرتك فاضيه بس تقولي لابويا على العنوان اللي انا فيه؟
-نعم!! أقول لأبوكي بتاع إيه هو انا فضيالك انتي او ابوكي
عقدت ليال ما بين حاجبيها بعدم فهم:
-يعني مش انتي اللي ادتيه عنواني امال مين؟!

محدش يعرف إني اتجوزت يونس ويعرف عنواني إلا انتي لما اتفقنا
-معرفش، حلي مشاكلك بعيد عني ومتتصليش بيا تاني
فأردفت ليال من بين أسنانها والغيظ يتدفق من حروفها:
-لو طلعتي أنتي اللي قولتي لبابا صدقيني هعرف يونس كل حاجة وتخيلي بقا هيعمل إيه لما يعرف إن حماته المصون هي اللي زقتني عليه عشان أبعده عن بنتها !!
اهتاجت فرائص الاخرى وهي تخبرها بتهديد مُبطن:
-ومتنسيش أنا قولتلك إيه لما اتفقنا، لو يونس عرف اي حاجة صدقيني مش هتشوفي وش باباكي تاني

لم تعلم ليال بمَن كان يقف خلف ذلك الباب يستمع لها والصدمة تتشبع عيناه السوداء و……. **** يتبـع ….. احتيال وغرام الفصل الحادي عشر /الثاني عشر ودون مقدمات فُتح الباب فجأة فشعرت ليال للحظة أن الحظ قد أحكم عقدتها ووضع نقطة النهاية في صفحتها قبل أن تستطع حل تلك العقدة التي تحط كالشبح على مضجع مشاعر يونس…!!
ثم أخذت شهيقًا عاليًا وكأن الروح عادت لها مرة اخرى ما إن رأت أن الذي دخل وبالتأكيد سمعها لم يكن سوى حماها العزيز “قاسم”…

اقترب منها بملامح متجهمه تحكي عن حنق وغضب ذكرها بغضب آخر يشابهه ظاهريًا ولكن الآخر يحمل في باطنه جمرات سوداء من شدة سعيرها وإحمرارها.. فسرعان ما قالت مبررة بتوتر:
-أقعد اسمعني الأول وبعدين أحكم يا عمو
جلس “قاسم” على الأريكة مستندًا على عصاه وهو يتنهد مهمهمًا لها:
-اسمعيني أنتي الاول يا ليال
اومأت له ليال بطاعة وجلست جواره، ليهتف هو بصوت مشدود وصلب:
-أنا كنت ببررلك اللي عملتيه وبقول بتحبه وفكرت إنك أنتي اللي عملتي كده، لكن تورطي نفسك مع واحدة متعرفيش أصلها ولا فصلها، واحدة خبيثة ومكارة زي التعلب ده يبقى غباء منك!

طأطأت ليال رأسها ارضًا وكلامه يدور بعقلها، ربما يكون كلامه صحيحًا… ربما يكون ما فعلته غباء..ولكنه كان أقرب باب لأرض الأحلام التي تمنت أن تجمعها ويونس في جعبتها….!
رفعت رأسها بعدها لتقول مفكرة:
-هي كده كده كانت هتعمل نفس اللي حصل لكن هتخلي واحدة غيري تعمله، ساعتها كنت هفضل ندمانة طول عمري يا عمو
تسللت تلك الابتسامة المُشفقة على ثغره المجعد وهو يخبرها بأسف:
-ولو، بس الواحدة دي ماكنتش هتتعب زيك ولا كان يونس هيفرق معاها
ثم ركز نظراته على ليال ليسألها منتبهًا لما سمعه منذ دقائق:
-لما قولتيلها انا ممكن أقول ليونس قالتلك إيه؟

إبتلعت ليال ريقها محاولة إزاحة ذلك الحجر الثقيل عن لسانها حينما تذكرت ذلك التهديد الذي اصبح من اضغاث أحلامها.. ثم هتفت بصوت واهن:
-قالتلي مش هشوف بابا تاني ابدًا، يعني بالمختصر المفيد ممكن !
إتسعت حدقتا “قاسم” ذهولاً… لم يتوقع أن جبروت تلك المرأة يمكن أن يصل إلى حد … ال تل !!!!!
هل محى جبروتها الشعرة الفاصلة بينها وبين إنسانيتها بتلك السهولة ؟!…

رفع أنظاره لـ ليال التي تابعت بنبرة مختنقة وكأنها تهدئ غضب تلك الطفلة داخلها التي لا تكره سوى ذلك القاسي المدعو بوالدها:
-أنا مبحهوش وبكره قسوته وجحوده اه، لكن مقدرش أخليه يمـ,ـوت وكمان بسببي! هو أخر حاجة متبقيالي في الدنيا دي يا عمو، لو راحت ليال هتروح معاها خالص.. أحيانا بتكون باقيالك حاجة قديمة ومتهالكة بس بتفضل محتفظ بيها مبتقدرش ترميها… أنا علاقتي بيه كده..

حتى لو كان وحش وفيه كل العبر… مش قادرة أتمناله المـ,ـوت، ده شيء غصب عني، حتى لو كل يوم بقول لنفسي إني بكرهه، بس ده أبويا… هو اللي جابني على الدنيا دي، أقوم انا اخدها منه؟!، حتى لو اسوء شخص في الدنيا هطيعه زي ما ربنا أمرني وهو قادر يهديه عليا

تراقصت تلك الابتسامة الحانية التي يخصها بها على شفتاه وهو يربت على كتفها في حنو ويغمغم بفخر:
-هي دي ليال.. لو كنتي فكرتي في غير كده أصلاً كنتي هتنزلي من نظري، اللي مالهوش خير في أهله ملهوش خير في أي حاجة يا حبيبتي
اومأت ليال مؤكدة برأسها، فقال قاسم بعدها معيرًا إياها كافة إنتباهه:
-عايزك بقا تحكيلي هي ازاي اتفقت معاكي اصلاً وإيه اللي حصل اليوم اياه..
اومأت ليال موافقة برأسها ولكنها سألته اولاً:
-عمو هو أنت كنت عارف إن يونس معملش فيا حاجة من البداية صح؟
ابتسم قاسم وهو يخبرها بصدق:

-مش بالظبط، كان جوايا شعور بكده، بس كان لازم أصدقك مكنش ينفع يبقى في احتمالية إني اكذبك واظلمك!، خلينا في موضوعنا يلا احكيلي
-حاضر
قالتها ليال وقد تنهدت وهي تسترجع بذاكرتها ذاك اليوم الذي قلب القدر فيه صفحة من حياتها ليضعها على أولى سطور صفحة اخرى بحكاية اخرى………

وقفت “ليال” في ذلك الكافيه الليلي الفخم الذي كانت تعمل به “نادلة” مرتدية زيّ عملها أمام “نشوى هانم الدسوقي” في احدى اركان ذاك الملهى متخفيين بينما نشوى تقول متساءلة بصوت خفيض:
-هاا قولتي إيه؟
عضت ليال على شفتاها وهي تهز رأسها نافية بسرعة قبل أن ينالها سم تلك الأفعى:
-لأ يا هانم لأ مش هقدر، إنتي عايزاني أدبس يونس بيه في فضيحة ده انا كده بجني على نفسي قبل ما يكون عليه!!
فسارعت الاخرى تهز رأسها نافية وهي تشرح لها بلؤم:

-فضيحة إيه مش عايزاكي تقلقي مش هتحصل فضيحة لأن باباه داخل انتخابات، وبعدين دي مش فضيحة دي تقدري تسميها مساعدة.. انا مش موافقة على خطوبته هو وبنتي وعايزه أنقذ بنتي من الوحل اللي هترمي نفسها فيه وهي مش حاسه، وإنتي بس هتساعديني هتخلي فيروز بنتي تقتنع إن اللي اسمه يونس ده خاين عشان تبعد عنه نهائي!
ثم ظهرت أبتسامة خبيثة فاح منها المكر وهي تلكزها بخفة متابعة بث سمومها بأذنها:
-وبعدين انتي مفكراني مش واخدة بالي من إعجابك الواضح اوي بـ يونس…بيه!

قالت اخر كلمة ضاحكة بسخرية، ليزداد توتر ليال التي إحتقن وجهها بالذهول والحرج بينما الاخرى تسعى لتحركها كبيدق لتكسب حربها ضد “يونس” وتفوز بأبنتها:
-انتي كمان هتستفادي على فكره أديني هفتحلك طريق عشان تتجوزي يونس بدل ما هو مش شايفك أصلًا ومش هيشوفك طول ما فيروز في حياته! وكمان هاديكي قرشين حلوين تمشي بيهم امورك فترة مش قليلة بعد ما اكيد هتتطردي من الكافيه ده!

الكلمات كانت تتلاعب بعقل ليال المُخدر بالعشق العتيق ليونس الأعمى عن ذلك العشق، وقد نشب نزاع حاد يحرق اطرافها ما بين إنسانة ترفض التلاعب بخساسة هكذا لتنال عشقها وما بين عاشقة أنانية لديها كامل الاستعداد لأي شيء فقط ليصبح لها…!!

وما بين ذلك وذاك بخت “نشوى” أخر قطرة من سمها وكانت تلك القاضية حيث أردفت بمكر:
-ها قررتي إيه معنديش وقت؟! على فكره انتي من حقك ترفضي عادي جدًا ومن حقي انا كمان أشوف واحدة تاني تعمل اللي انا عاوزاه وخليكي إنتي كده على الهامش دايمًا !
فهربت الأجابة هربًا من بين مخالب تلك الأنسانة الرافضة داخلها، لتصدح:
-انا موافقة
فإتسعت ابتسامة الاخرى بنشوة الانتصار وهي تستطرد بحذر:

-طب اسمعيني بقا كويس، اول حاجة في مرة لما يونس وفيروز يكونوا جايين على الكافيه انا هأخر فيروز شوية وهخليه يستناها هنا، هتحطيله حبوب هلوسة في القهوة بتاعته وبعدين جمال صاحبه هيجي يطلعه الاوضه عشان محدش من أصحاب المكان يشك فيكي مع إننا هنراضيهم بقرشين عشان محدش يتدخل في الموضوع ده.. كل المطلوب منك إن لما اجي انا وفيروز وجمال وأبو المحروس نلاقي هدومك مقطعة وهو قالع معظم هدومه، وتعيطي وتقولي إنه اجبرك لما كنتي جايه تجيبيله القهوة في الاوضه زي ما طلب!!

وبالفعل خلال يومان وفي احدى المرات التي كان يونس بها يجلس في ذلك الكافيه منتظرًا مجيء خطيبته “فيروز” كالعادة، كان منتظرًا قهوته فتقدمت “ليال” منه بتردد لتضع امامه القهوة التي وضعت بها “حبوب هلوسة” ثم غادرت بسرعة….. بعد فترة بدأت الحبوب تأخذ مفعولها فاقتربت ليال من يونس بسرعة تردد له بخفوت:
-فيروز هانم خطيبة حضرتك مستنياك في الدور اللي فوق في اوضة ومجهزالك مفاجأة
جاء في ذلك الوقت “جمال” صديق فيروز ويونس الذي كان مشتركًا بتلك اللعبة فقط لتساعده والدة فيروز في السفر لخارج مصر وبناء حياه جديدة هناك، فأسند يونس برفق وهو يغمغم له:

-يلا يا يونس تعالى نطلع
اومأ يونس برأسه بلا وعي وقد بدأ يفقد كامل تركيزه، وبالفعل وصلوا للدور العلوي والذي يفتحه الكافيه كفندق صغير، ليدلف جمال مع يونس لتلك الغرفة وخلفهم “ليال” التي كانت تفرك يداها بتوتر رهيب…
ثم خرج جمال وهو ينظر لــ ليال نظرة ذات مغزى، فتنهدت بعمق ثم أغلقت الباب خلفه لتقترب من يونس الذي كان ممدد على ذلك الفراش يفتح عيناه ويغلقها يود التشبث بخيوط الوعي الذي يتسرب من بين يداه….

جلست على الفراش جواره تنظر له بصمتٍ تام.. فتحت أزرار قميصه ببطء كان مصدره التردد، لتستسلم لمشاعرها الملكومة بالشوق فتمددت جواره تضع رأسها على صدره الصلب جوار قلبه تمامًا، أغمضت عيناها وهي تستمع لصوت دقاته… ها هي هنا في ملاذها بين أحضانه، كما تمنت منذ أن رأته..!
ضمته لها بكل قوتها تتنفس بارتياح وقد تخلت دقات قلبها اخيرًا عن الألم الذي كان يصاحبها دومًا بسبب ذلك العشق، لترفع وجهها ببطء وتمد أصابعها تتحس قسمات وجهه الرجولية الخشنة السمراء الحادة… وآآهٍ ملتاعة بالشوق والعذاب تخنق جوفها قبل أن تهمس بحروف مختنقة:

-أسفة يا يونس، جايز أكون أنانية بس مش عارفة أطلعك من دماغي وأنساك، أنا بعشقك لدرجة ماتتخيلهاش حتى فيروز دي مش بتحبك زيي، ومش هقدر أستحمل إني اكمل حياتي مع حد غيرك.. انا اسفة.. سامحني

انت في الصفحة 6 من 14 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى