فجذبها يونس ببطء له مسبلًا أهدابه السوداء الكثيفة مُحيطًا وجهها بكفاه معًا وإبهامه يتحسس وجنتها ببطء حاني فأغمضت عيناها تلقائيًا تاركة العنان لعاطفتها المحرومة، لتسمع همسه بصوت أجش:
-فيروز!
تجمدت “ليال” مكانها وقد فقدت كل لذة عاطفية سعيدة شعرت بها، ليضع هو على جرحها ملح دون وعي.. ويتركها لشيطان العشق!! فنهضت بآلية وقد فقدت اخر ذرة تردد مع الحروف التي خرجت من بين شفتاه، لتمزق ملابسها بثبات تام وهي تحدق به دون أن يهتز جفناها……
بعد ساعات….. وبعد خروج “فيروز” باكية من الغرفة تتبعها والدتها، وصراخ يونس الذي زلزل المكان وهو يصيح بجنون:
-أنا ماعملتش كده يا فيروز صدقيني دي كدابة!!
ضرب والده بعصاه أرضًا بعنف وهو يهدر فيه بانفعال قاسٍ:
-خلاص، خلص الكلام أنت قولت كل اللي عندك وهي مش مصدقاك ومحدش هيصدقك عشان إحنا شوفنا بعنينا محدش قالنا !!
إحمرت عينـا يونس بغضب أهوج كألسنة النيران عندما تحتضن فتيل فتلهبه، ليتحرك نحو “ليال” التي كانت تبكي، ربما لإكمال تلك المسرحية… وربما تبكي ندمها وتسرعها !!
ليزمجر هو فيها بهيستيرية:
-يا بنت ال*** يا كدابة قوليلهم الحقيقة، قوليلهم إني معملتش كده!!
ولكن بالطبع لم تنطق ليال بأي شيء….. والباقي معلوم….!! عادت لواقعها على قاسم الذي صمت تمامًا، جزء منه يبرر لها ضعفها أمام عشقها الوحيد والجزء الأخر يلطم تلك المبررات ارضًا ويود لو يثور غاضبًا بوجهها….!
ولكنه تنهد بعمق متمسكًا بتعقله وحكمته كأب لأبنة حبيبته الوحيدة والتي تمنى فعليًا أن يكون والدها.. ثم أردف بجدية:
-أسمعي يا ليال، خلينا متفقين إني مضايق منك شوية ولولا إني متأكد إنك بتحبي يونس كنتي هتشوفي مني وش تاني، وخلينا متفقين إن يونس عاجلاً او اجلاً هيعرف، لكن لما يعرف لازم والدك يكون تحت عنينا حتى لو قعدناه في بيت هنا جمبنا في البلد، والست دي تقطعي كل صلاتك بيها مش عايزك تتواصلي معاها تاني لا هي ولا بنتها
اومأت ليال برأسها موافقة:
-حاضر يا عمو زي ما تشوف
فربت قاسم على يدها بحنانه المعتاد الذي تعشقه منه وهو يردد:
-يلا بقا قومي شوفي الاكل عاوزين ناكل صوابعنا انهارده ورا الاكل
فاتسعت ابتسامة ليال وهي تقف بحماس:
-عيوني، أحلى أكل لأحلى عمو قاسم في الدنيا **** في القصر…..
اجتمع كافة الخدم في غرفة “أيسل” التي جاهدت لتقف على قدميها… ضغطت على دقات قلبها الهيستيرية في تلك اللحظات، وبنت فوق تراب قلبها المهدوم ارضًا قوة ثبات جديدة أخذتها من رحم تلك الصدمة….
لتهتف آمرة للعاملة:
-نادي لمصطفى والشباب يطلعوا البت دي برا وممنوع تدخل القصر ده تاني ابدًا
اومأت الاخرى برأسها بطاعة:
-تحت امرك يا أيسل هانم
وبالفعل ركضت تنادي حراس القصر، بينما أيسل تحمد الله أن “فاطمة” لم تكن متواجدة في ذلك الوقت وإلا لكانت اُصيبت بجلطة ثلاثية الابعاد…!
فيما ازدادت هيستيرية مريم وهي تهز رأسها نافية وتقترب من أيسل مزمجرة بجنون:
-لأ مش بالسهولة دي يا أيسل، اوعي تفكري إني هسيب حقي بالسهولة دي، صدقيني هفضل كابوسك الواقعي لحد ما اخد حقي وساعتها بس مش هتعرفيلي اثر !!
فصرخت فيها أيسل بعصبية وشراسة مماثلة:
-أطلعي برا يا مريضة، براااا
وبالفعل وصل المدعو “مصطفى” مع باقي الرجال ليسحبون مريم عنوة وهي تصيح بهيستيرية:
-مش هسيب حقي يا أيسل وافتكري كلامي كويس
بينما بدر مغمضًا عينـاه باختناق… يفكر في مقاليد الخطوة القادمة والتي لم تعد بين يداه بل أصبحت بين يدا “أيسل”….
قطته الشرسة التي لن تغفر بسهولة ابدًا…..
…………………………………………..
خرج الجميع من الغرفة بعدما عجت الضجة القصر وبالطبع ازداد الهمس واللمز بين جميع العاملين بالقصر ولكن أيسل لم تكن تملك عقل لتفكر فيما يظنون او يقولون…..
بل كانت هناك… مرمية أسفل أتربة الصدمة تحاول أخذ نفسًا من بين مخالب الحياه التي تسلبها شيء خلف الآخر…..!!
بمجرد أن تأكدت من ابتعاد الجميع عن الغرفة حتى اقتربت من بدر الذي كان واقف بصمت وملامح مكفهره مُبهمة رغم الضيق والغضب الذي يسطع منها…. ثم قالت بصوت هادئ كهدوء ما قبل العاصفة:
-أنت كنت متفق معاها على كده فعلاً؟
للحظات تمنت أن ينفي… أن يكذب حتى عليها فيعطها ولو نفسًا مؤقتًا، ولكنه للاسف باح بتلك الحقيقة التي كرهتها وأجاب:
-أيوه يا أيسل، بس مش زي ما إنتي فاهمة، أنا هفهمك أنا…….آآ….
ولكن كما توقع لم يسلم من إنفجارها المحتوم وهي تقترب منه وتهدر فيه كلبوة شرسة:
-تفهمني إيه؟! تفهمني إنك كداب ومنافق.. تفهمني إنك طول الفترة اللي فاتت كنت عارف بحقيقة مشاعري ناحيتك وكنت بتمثل عليا، تفهمني إنك كنت تابع للشيطان!
حاول “بدر” التحفظ على المتبقي من هدوءه وراح يتمتم:
-بطلي تصدري الأحكام من غير ما تفهمي، ماينفعش تبقي القاضي والجلاد يا أيسل
فضحكت هذه المرة ايسل بلا مرح ورددت مستنكرة:
-مينفعش أبقى القاضي والجلاد؟! طب وهو أنت معملتش كده ليه؟ ليه مقولتش لنفسك كده؟
ليه عينت نفسك قاضي وطلعت الحكم عليا حتى من قبل ما تعرفني وقررت كمان تبقى الجلاد وتعاقبني!!
أغمض عيناه كازًا على أسنانه وللأسف حقيقة كلامها تضربه في ….