الحلقة الحادية عشر
كان الجميع في المستشفي ينتظر مصير زينة إما الحياة أو الموت وكانت وفاء مازالت بفستان الخطوبة جالسة تبكي بإنهيار تام وبجانبها إيهاب يهدهد علي يدها لتهدأ وقال لها: قومي يا وفاء روحي غيري الفستان وتعالي تاني..
نظرت له وفاء و عيونها غارقة بالدموع : زينة هتموت يا إيهاب؟
إيهاب: يا حبيبتي ماتقوليش كده وادعيلها ان شاء الله هتقوم بالسلامة..
وفاء:
يارب يا إيهاب ، طول عمري كان نفس يبقي ليا أخت و كنت بحب زينة أوي و كان نفسي تيجي تعيش معانا بس هي اختارت ايمان أقرب ليها مني ، أنا مش زعلانة منها بس لما رجعت كنت طايرة من الفرحة انها خلاص هتبقي معايا علي طول..وأكملت باكية : مش هستحمل انها تبعد عني يا إيهاب ..
كاد إيهاب أن يحتضنها و يخفف ما بها ولكنه تمالك أعصابه واكتفي بتهدئتها ..
وكان خالد يبذل أقصي محاولاته للدخول لزينة من وقت لآخر و في كل مرة كان يجلس بجانبها،يتأمل ملامحها،يقبل يداها لتسقط دموعه عليها و يدعو الله أن يشفيها و يحييها من جديد ويكرر آية الله تعالي ” إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ” ..ويتمني لو كانت زينة تشعر بيده وهي حاضنة يدها ويتمني لو فقط تضغط علي يده بيدها لتخبره بأنها تشعر بها وبدموعه المتساقطة عليها…
بعد قليل خرج خالد ليجد والدته فقال لها: قومي انتي يا ماما روحي الفجر قرب يأذن و انتي متستحمليش القاعدة دي انتي و جودي..
قالت باستسلام و حزن :
ماشي يا حبيبي بس طمني يا خالد من وقت للتاني..
قبل رأسها وقال: حاضر .
أوصلهم مصطفي إلي المنزل ثم عاد محملا معه بعض العصائر و أعطي كل الموجودين ، رفضت وفاء : مش جايلي نفس..
إيهاب : حبيبتي ماينفعش اشربيه غصب عنك عشان لما زينة تفوق تقدري تقفي معاها وتساعديها مش تنامي مكانها..
ثم خطي إيهاب خطوتين إلي الحاج علاء وقال :
قوم يا عمي أوصلك انت و وفاء و طنط عشان حضرتك تستريح شوية وكمان وفاء تغير فستانها ، رفض الحاج علاء ولكنه وافق بعد محايلات إيهاب وخالد فذهبوا إلي المنزل وعاد الشباب ليتبقي في المستشفي خالد ومصطفي و وفاء وإيهاب وبعض من الأقارب..
وفي السويس اتصل أحد الأقرباء بخالة زينة التي لم تحضر الحفل لشعورها بالإحراج مما فعله ابنها مسبقا و أبلغها بما فعله ابنها للمرة الثانيه فكادت أن تتنفس و انخرطت في البكاء و أرادت الذهاب لزينة ولكنها بمفردها و الوقت متأخر فانتظرت أعين النهار حتي ذهبت في حالة لا يرثي لها مع نظرات و نهرات من حولها…
مرت ليلة كاملة علي هذه الوتيرة من ضغط الأعصاب و الصلاة و الدعاء لعزيزتهم و مع نهاية الموعد الذي ذكره الطبيب كان خالد في موقعه المعتاد بجوار زينة يحتضن يدها بيده مخفض الرأس دموعه تسيل و مخيلاته لا تتوقف حتي شعر بحركة يدها لم
يبالي من أول مرة فهو تخيل هذا المشهد أكثر من مرة ولكن الحركة تكررت مرة أخري في وقت قصير فرفع رأسه ليجد وجه زينة يقشعر وعيناها مغمضة ترتعش محاولة فتحها لم يصدق نفسه وما يراه حتي فتحت عيناها وانهار خالد من الفرحة المختلطة بالدموع : زينة الحمد لله يارب اللهم لك الحمد زينة حبيبتي سامعاني ؟
زينة بصوت هامس : انت كويس؟
خالد وقد أصابته هيستريا : أنا زي القرد قدامك اهو يا حبيبتي المهم انتي حاسة بإيه يا زينة طمنيني عليكي..
زينة بصوت يكاد يسمع: الحمدلله يا خالد ..
وجاء الطبيب ليفحصها و يقول :
احمدي ربنا يا آنسة انتي انكتبلك عمر جديد و انخفض لها قليلا وهمس و خطيبك ده كان هيتجنن عليكي..
ابتسمت زينة وقالت : الحمدلله..
دخل الجميع واحد تلو الآخر بفرحة غامرة بالدموع للاطمئنان علي زينة ،حتي جاء دور خالتها التي دخلت بخطوات واهنة وبمجرد وصولها لزينة انحنت علي يدها لتقبلها و تترجي مسامحتها فسحبت زينة يدها مسرعة وقالت بوهن:إيه ياخالتو اللي بتعمليه ده حرام عليكي وانتي ذنبك ايه بس؟
ردت خالتها بدموعها الغزيرة: ذنبي اني معرفتش أربيه يا بنتي معرفتش أشيل الكره اللي في قلبه بس خلاص هو اتمسك و هياخد جزاؤه ..
انصدمت زينة: ايه؟اتمسك؟
خالد مقتضب جبينه: ايوة يا زينة دي الناس كلها شافته و مسكوه في ساعتها..
زينة بحزن : فاهمة بس..
خالد: بس ايه ؟ مالك؟
صمتت زينة لوهله ثم قالت : مفيش خلاص..
خرج الجميع وتبقي خالد و وفاء معها فقال خالد : زينة في واحد من القسم جاي دلوقتي عشان يسألك كام سؤال؟
انزعجت زينة : طيب وبعدين ؟
وفاء : وبعدين ايه ؟مالك يا زينة اوعي تقوليلي انك مش عايزة تقولي علي أسامة؟
اندفع خالد بنظره إلي زينة: انتي عايزة تعملي كده؟
ترددت زينة: أنا بس خايفة علي خالتو أوي..
زفر خالد و أدار وجهه و خبط بقبضة يده علي الحائط في صمت منه بينما وفاء لم تستطع الصمت وقالت : انتي عايزة تجنيني ده كان هيموت خالد و جت فيكي انتي ولو طلع هيكررها تاني وتالت ده انسان مريض والله ومش بعيد يدخلوه مصحة..
زينة: يعني انتو شايفين ايه؟
التفت اليها خالد بضجر:زينة اللي انتي عايزاه اعمليه
وجاء وقت التحقيق وعند سؤالها انهارت من البكاء و أدلت بالحقيقة
مر الوقت في المستشفي حتي أخذت زينة إذن بالخروج فذهبت لبيت عمها وتسطحت و تبقي معها خالد بعض الوقت وذهب الجميع كل من حيث أتي..
خالد:
حاسة بألم ؟
زينة: شوية بس الحمدلله..
خالد : مش كنتي سبتيني أنا أتعذب بدالك ، كده يا زينة تاخدي الضربة مكاني
زينة: مقدرش يا خالد بعد الشر عنك ،أنت تستحمل انماأنا لو في مكانك أموت قبلك أصلا
خالد: بعد الشر عنك يا أغلي حاجة عندي..
احمرت وجنتيها لكلمته جلس معها خالد بعض الوقت وكانت زوجة عمها قد طهت لها الشوربة فتطوع خالد بإطعام زينة..
زينة بخجل : لالا مش هينفع
خالد بإصرار : والله ما حد هيشربهالك غيري ايه رأيك بقا؟
انصاعت زينة لإصراره وبدأ بإطعامها وهي تذوب في نفسها من الخجل وأعطاها الأدوية المخصصة لها و قال: لو ماسمعتيش الكلام هديكي الحقنة و تفضلي تتحولي بقا كل شوية..
ضحكت زينة فتألمت وقالت : حرام عليك متضحكنيش ..
خالد: سلامتك يا قلبي ان شالله قلبي أنا..
نهرته زينة بضربة علي يده: بعد الشر بقا ماتقولش كده تاني لو سمحت..
خالد : خايفة عليا؟
زينة بطفولية : يعني عملت فيها هركليز و خدت الضربة بدالك ولسة بتسأل..
خالد : طيب يا ستي متزقيش بس هموت بقا بجد وأسمع كلمة حلوة منك ، مفيش أي حاجة خالص؟
زينة: اه طبعا فيه..
خالد: بجد! إيه؟
زينة: قوم روح كفاية عليك كده تعبت أوي..
استشاط خالد غضبا : والله بجد انتي عايزة تضربي و أنا بقا بايت هنا مش همشي..
دخل عم زينة عليهم و وجه كلامه لخالد : بقولك ايه ياخالد نام في أوضة محمود هو في شغله ماينفعش تسافر وانت مرهق كده.
خالد:لا يا عمي معلش اعذرني أنا متعود عالسفر في أي حالة يعني..
نظرت له زينة بلوم ولكنها لم تتكلم ..
ودعها خالد أمام الجميع ولكنه رأي نظرة اللوم في عينيها مرة أخري و لم يستطع سؤالها أمام الجميع فعزم الرحيل و حينها اتصل بها في طريقه إلي القاهرة ..
خالد: ايه ياحبيبتي مالك؟
زينة: زعلانة منك..
صمت خالد قليلا..
زينة : ألو ألو خالد رحت فين؟
وبدأ خالد بوصلة غنائية : ها حبيبي مو على بعضك أحسك ها حبيبي لخاطري لا تأذي نفسك منو زعلك ؟ أنت ،مني تزعل لك والله زعل الدنيا كلها ولا مكروه يمسك حبيبي…لسة زعلانة؟
سقطت دموعها من صوته الحنون وقالت :بحبك يا خالد
توقف خالد بالسيارة :لأ لالالا مسمعتش زينة :لو سمحت مبحبش أعيد الكلام مرتين..
خالد بتهكم: لاااا دي جملتي أنا دي ، بجد مسمعتش أنا كنت سايق ماليش دعوة ده ظلم والله.
ضحكت زينة : خلاص بقا يا خالد هي بتطلع كده اذ فجأة ..
خالد: اذ فجأة أنا هيجرالي حاجة منك..
زينة : بعد الشر عنك بقا، يلا لما توصل كلمني علي طول لو سمحت ..
خالد : ماشي يا معذبتي..
ابتسمت زينة : لا اله الا الله
خالد:
محمد رسول الله…
وبعد أن وصل خالد منزله وجد والدته تنتظره ..
خالد : ايه يا ماما قاعدة كدة ليه؟
والدته: مستنياك..
خالد: مانا طمنتك يا ست الكل.
والدته : زينة عاملة ايه دلوقتي؟
خالد: الحمدلله أحسن شوية..يلا بقا ادخلي نامي وانا كمان مش قادر..
والدته بنبرة حادة : لا عايزاك !
-في ايه يا ماما؟
-في اني مش هقدر أستحمل كده ..
– هو ايه أنا مش فاهم ،في حد ضايقك ؟
-خالد انت مش هتكمل مع زينة..
خالد بتعجب شديد :انتي بتقولي ايه ياماما؟
-اللي سمعته، أنا مش مستعدة أرميك بإيدي في النار وأقعد أتفرج عليك ، أنا كنت رافضة الموضوع في البداية وانت طمنتني انما بعد اللي حصل ده لا ماينفعش تكمل معاها..
خالد بغضب : ماما أنا بحب زينة ومش هسيبها ، عايزاني أسيبها كمان بعد اللي عملته علشاني؟
-يا خالد ربنا يعلم أنا بحب زينة أد إيه إنما من غير المشاكل دي إحنا طول عمرنا في حالنا ..
-أنا اسف يا ماما بس مش هقدر أسيبها و أتخلي عنها و بعدين ابن خالتها خلاص اتمسك وهيتحبس ومش هيقدر يأذينا تاني ، عشان خاطري يا حبيبتي اهدي و انسي الموضوع ده..
نظرت له والدته نظرة غير مفهومة وتركته و دخلت إلي غرفتها ، قلق خالد بشدة من هذا الحوار الذي دار بينهم و دعا الله أن تهدأ والدته و تعيد تفكيرها….
اتصل خالد بزينة لطمأنتها بوصوله ولكنها شعرت بنبرة شجن في صوته و عندما سألته عن السبب جاوب بلا شئ …..
وانتهي حديثهم علي غير عادته فلم يستمر ساعات كالعادة و نام الجميع بجسد مرهق…
وفي الصباح الباكر ، استيقظت خالة زينة لزيارة أسامة الذي كان لا يعلم ما حل بزينة وبمجرد رؤية والدته سألها بلهفة عن حالها..
فأجابته بلوم : كانت هتموت يا أسامة قعدت يومين غايبة عن الدنيا و ربنا كتبلها عمر جديد ، مبسوط انت كده ؟
وكأنه تبدل لشخص آخر ؛شخص ضعيف قليل الحيلة و قال :
مكنتش قاصدها هي أنا مستحيل أموت زينة ، كنت عايزه هو اللي يموت ويبعد عننا دخل حياتنا بوظهالنا ..
قالت والدته بقسوة : حياة ايه دي اللي دخلها بوظها ما انت طول عمرك ممرر عيشتها بيه أو من غيره كانت كارهاك ، فوق يا ابني حرام عليك ..
أسامة : طب ومحبتنيش ليه قوليلي ده أنا محبتش في حياتي غيرها مش شايف قدام عيني غيرها …
والدته :
عشان انت أناني و الحب مش أنانية يا ابني لو كنت بتحبها وحسيت انها مش متقبلاك كنت هتبعد عنها حتي لو هتموت انت بعدها انما انت كنت بتضايقها و تعذبها وتقعد تتفرج عليها ، حب ايه ده؟
وسمعوا هذا الصوت الذي ينادي انتهت الزيارة فهمت بالوقوف و قال لها أسامة بضعف : خديني في حضنك يا ماما ..
حضنته أمه و انهاروا في البكاء وطلب منها الدعاء له و طلب أيضا أن تطلب من زينة مسامحته ….
فهذا هو حال كل من سولت له نفسه للشر وترك نفسه للشيطان يتملك منه، فالسجن ليس مجرد أسوار و أربعة جدران إنما هو حرمان من كل شئ··
استيقظ خالد من سباته و اتصل بزينة قبل أن ينهض من فراشه ليطمأن عليها..
خالد: صباح الخير
زينة:صباح النور
-نمتي كويس؟
-يعني مش أوي..
-ليه كده؟تعبانة؟
-اه شوية..
-خدي مسكن يا زينة..
-مانا باخد بس مفعوله بيخلص بسرعة..
-ياحبيبتي كان زماني بدالك دلوقتي..
-الحمدلله اني بدالك، مالك يا خالد؟ في حاجة مضايقاك؟
تردد خالد :
لا يا حبيبتي مفيش حاجة ، كنت عايز أجيلك النهاردة بس عندي شغل كتير متراكم في المعمل..
-لا شوف شغلك و متعطلش نفسك ، ربنا يقويك.
-يارب
وأنهوا حديثهم وشعرت زينة بشئ ما به ولكنها لا تدري ما هو فدعت الله أن يخفف عنه ما لا تعلمه ،و في منتصف اليوم بدأت الزيارات العائلية للإطمئنان علي زينة واستمرت إلي نهاية اليوم فشعرت زينة بالتعب الشديد و نغز في جرحها فأخذت مسكن و خلدت للنوم ..
وفي اليوم التالي طلبت والدة خالد منه أن تذهب معه لزينة للإطمنان عليها فسعد بها وذهبوا جميعا،كان خالد يريد فتح تلك الموضوع مع والدته ولكنه تردد و شعر بأنها صرفت نظر عنه فارتاح قليلا..
وصلوا إلي زينة و جلسوا جميعا سويا وبعد قليل استدعي عم زينة خالد ليسأله عن شئ ما و تبقي فقط زينة و والدة خالد و جودي فقالت والدة خالد لجودي : اطلعي مع طنط وفاء شوية يا جوجو ..
نظرت والدة خالد نظرة في الأرض ثم رفعت رأسها و نظرت لزينة و قالت: عايزة أسألك سؤال..
زينة: اتفضلي يا طنط ..
-انتي بتحبي خالد؟
صمتت زينة من الخجل ثم قالت: عمري ما حبيت حد غيره ..
اشتد الموقف صعوبة علي والدة خالد ولكنها جمعت قواها وتشجعت : طيب اللي بيحب حد مش بيخاف عليه من أي أذي..
-أكيد يا طنط ..
قالت والدة خالد: ربنا يعلم يا زينة أنا حبيتك ازاي بس من يوم ما اتوفي جوزي الله يرحمه وأنا كنت ليهم الأم والأب و ما فيش في حياتي غيرهم ، مقدرش أشوف حد فيهم بيقرب من الخطر و أسيبه..
شعرت زينة بنبرة غريبة في صوتها و حديثها وكاد قلبها يخرج من ضلوعها من كثرة النبض وقالت:في ايه يا طنط قلقتيني؟
استشعرت والدة خالد الحرج و ترددت في الكلام ولكن قالتها: أنا عايزاكي تبعدي عن خالد…
ضمت زينة حاجبيها و تلجم لسانها و فهمت سر هذه المقدمة الطويلة وما شعرت بنفسها إلا و دموعها تنهمر ……….
الحلقة الثانية عشر
انطلق الجميع وتبقت زينة بمفردها بصرخاتها المكتومة داخلها و دموعها المنهمرة علي وجنتيها لا تعرف من أين تبدأ حياتها و إلي أين ستأخذها ،شعرت زينة في هذه اللحظة أنها مفتقدة خالد بشدة علي الرغم من عدم مرور وقت طويل علي رحيله ولكنها افتقدته حين قالتها والدته، افتقدته حين ودعها ورحل ، افتقدته وستفتقده دائما و أبدا ،كانت زينة علي وضعها حتي نقرت وفاء الباب عليها وفتحت لها زينة فصعقت وفاء من هول منظرها و احمرار وجهها الغارق بالدموع فسألتها..
وفاء: في ايه يا زينة مالك يا حبيبتي؟
ارتمت زينة في حضن بنت عمها وصديقتها وكأنها غارقة وجدت منجيها ،رتبت وفاء علي ظهر زينة لتهدئتها وكررت سؤالها مرة أخري فابتعدت زينة قليلا عن حضن وفاء و زاغت نظراتها وكأنها تهرب من السؤال..
وفاء: كده يا زينة مش عايزة تقوليلي للدرجة دي مش مأمناني ولا معتبراني صاحبتك؟
بكت زينة: لا يا وفاء والله ماتقوليش كده..
وفاء: طيب احكيلي يا زينة فضفضي.
زينة: هقولك عشان أنا محتجاكي ومحتاجة تساعديني بس…قطعت زينة حديثها ونظرت عالمكتب المجاور لها وأمسكت بالمصحف وقالت لها..
-احلفيلي عالمصحف ده انه يفضل سر بيننا و متقوليش لحد أبدا..
أقسمت وفاء عالمصحف وأتبعت:
قولي بقا رعبتيني والله؟
زينة ولم تجف دموعها:أنا هسيب خالد!
صرخت وفاء و فغرت فمها: ايه؟ ايه اللي انتي بتقوليه ده؟
زينة: زي ما سمعتي وغصب عني والله مش بمزاجي.
وفاء: طيب ليه يعني ؟ايه اللي حصل؟
زينة: مامته هي اللي طلبت مني كده..
عقدت وفاء حاجبيها : مامته؟ طب ليه دي باين انها بتحبك؟
زينة: هي بتحبني فعلا بس أكيد بتحب ابنها أكتر وخايفة عليه..
وفاء: خايفة عليه من مين منك ؟ ازاي يعني؟
زينة: لا من أسامة… صمتت وفاء وكأنها أدركت الموقف لكنها سرعان ما عادت للحديث :
طب وهي مالها أصلا ما خالد موافق علي كده ..
شردت زينة و وجها غارق بالدموع : أنا حاسة اني بتخنق يا وفاء ،حاسة ان روحي بتنسحب مني و بموت بالبطئ، خالد بقا كل حياتي أنا عمري ماحبيت في حياتي غيره ..
وفاء : اهدي يا زينة لازم نفكر كويس ، طيب خالد عرف حاجة؟
زينة: لا هو حاسس ان فيا حاجة بس أنا مش هقوله حاجة ولا هكلمه تاني أصلا..
وفاء: انتي عبيطة هتتخلي عنه بالسهوله دي ، طبعا لازم تكلميه و تحكيله اللي حصل و هو يتصرف..
زينة:
لا طبعا انتي عايزاني أكون سبب في مشاكل بينه وبين مامته ..
وفاء : لا مقصدش يا زينة بس برده متتخليش عن حبك بسهولة و بضعف كده ..
زينة: غصب عني والله غصب عني..
احتضنتها وفاء و رتبت علي ظهرها محاولة تهدئتها..ثم اعتدلت زينة وقالت لوفاء : أعمل ايه قوليلي أبعد عنه إزاي؟
وفاء :معرفش بس ماهو هيصر و لازم هيعرف في إيه وبتبعدي ليه..
زينة ولم تجف دموعها: ما أنا عايزاكي تفكري معايا ،عايزة أفكر في سبب مقنع..
وفاء:
استغفر الله العظيم ، طيب ما نكلم بابا و لا ماما حد كبير يمكن يلاقي حل..
زينة بنظرات عتاب : وفاء انتي حلفتي ، أنا مش عايزة حد يعرف ..
وفاء بضيق : حاضر يا زينة..
وبعد فترة طويلة من السكون و التفكير رن هاتف زينة و كان المتصل خالد فرفضت الرد ..
وفاء : ردي عليه طيب النهاردة وبس..
زينة: مش قادرة والله ، وبعدين هقوله ايه؟
لا مش هرد..و ظلت تبكي و قلبها يعتصر من الحزن …
بدأ قلق خالد علي زينة بعد محاولاته الكثيرة للإتصال بها وعدم الرد ، فكر قليلا ثم أجري اتصاله بإيهاب..
إيهاب: أيوة يا باشا
خالد: أيوة يا إيهاب بقولك ايه..
إيهاب: قول خير المرة دي..
خالد: اسمع ، عايزك تتصل بوفاء..
إيهاب: نعم وانت مالك متخليك في عروستك.. خالد: صبرني يارب،يا ابني اصبر لما أخلص كلامي، عايزك تتصل بوفاء تسألها علي زينة عشان عمال أتصل بيها مابتردش وقلقت عليها و محرج بصراحة أتصل بحاج علاء دلوقتي ..
إيهاب:
يا حونين ماشي يا سيدي إديني خمس ساعات كده و كلمني تاني..
خالد: لا يا هوبه متستهبلش خليك في السريع..
إيهاب : ههههه دلوقتي بقيت هوبه ماشي يا عم يلا سلام..
خالد: سلام..
ومازالت جلسة البنات مستمرة حتي رن هاتف وفاء ..
وفاء: ده إيهاب ، هطلع أكلمه في البلكونة..
زينة : ماشي ، وفاء انتي حلفتي..
وفاء : ماتخافيش..
أجابت وفاء علي هاتفها..
وفاء: ألو
إيهاب: ايه يا فوفتي عامله ايه؟
وفاء : الحمدلله أزيك انت؟
إيهاب: تمام الحمدلله ، زينة عاملة ايه دلوقتي؟
وفاء: الحمدلله كويسة..
إيهاب : أمال مابتردش علي خالد ليه كل ده؟
تلجلجت وفاء : خالد؟ أصل هي لسه واخدة الدواء عشان تنام..
إيهاب:يعني نامت ولا لسة هتنام؟
وفاء: أه نامت نامت ..
إيهاب : انتي مالك مش مركزة ليه؟
وفاء : لا أبدا مفيش حاجة
إيهاب: طيب هتصل أطمن خالد وهكلمك تاني أصله كان قلقان عليها..
وفاء: أه ماشي اوك..
وأنهي إيهاب اتصاله بوفاء وأجري اتصالا آخر بخالد الذي أجاب بلهفة..
خالد: إيه يا إيهاب خير؟
إيهاب: يا عم اتقل شوية مش كده..
خالد: يا ابني اخلص..
إيهاب :
نايمة يا سيدي ..
خالد : نايمة؟ دي مابتنمش إلا لما تطمن عليا اني وصلت..
إيهاب: عادي يا خالد أكيد تعبانة يعني ، بس بصراحة مش عارف حاسس ان وفاء كانت غريبة شوية وهي بتتكلم..
خالد: غريبة ازاي يعني؟
إيهاب: مش عارف متلجلجة كده بس يمكن بيتهيألي.
خالد : الله يطمنك يا إيهاب.
إيهاب: يا سيدي الصباح رباح ابقي كلمها تاني
خالد:ماشي يا إيهاب ،سلام.
إيهاب:بقولك ماتيجي بكرة الواد أحمد عامل قاعدة فوق السطح بقالنا كتير متجمعناش
خالد: خلاص اوك.
وانتهت الليلة حتي أدرك النوم الجميع كل منه بداخله قلب يحمل مشاعره الخاصة منها القلق و منها الحزن حتي جاء الصباح واستيقظ خالد وقبل اعتداله من فراشه أمسك بهاتفه لينظر إلي شاشته فربما يجد اتصال أو رسالة من زينة ولكنه لم يجد وتردد في الاتصال بها في هذا الصباح فأجل اتصاله إلي وقت لاحق و هم بالنهوض استعدادا للذهاب إلي عمله ،لا يدري أن زينة لم يسيطر عليها النوم إلا لساعات قليلة فالحزن يملأ قلبها و الدموع تملأ عيناها و الفراق يحطم وجدانها و لكنها اعتدلت و قررت الخروج للبحث عن عمل…
ارتدت ملابسها و خرجت من غرفتها لتجد زوجة
عمها التي مانعت خروجها خوفا عليها من ألم جرحها ولكن طمأنتها زينة و خرجت فالجرح أعمق بكثير ..
بدأت زينة برحلتها للبحث عن العمل ولكنه في مدينة أخري هذه المرة و استمرت رحلتها ساعات حتي أنهكت فجلست علي إحدي المجالس في الشارع ليرن هاتفها و تجد خالد يتصل بها وأيضا لم تجب عليه فقد اتخذت قرارا بالابتعاد…
لم يشعر خالد إلا و هاتفه يرن علي هاتف الحاج علاء الذي صدمه بأن زينة قد خرجت من الصباح الباكر لتبحث عن العمل…
تضاربت الأفكار في عقل خالد و بدأت التساؤلات كيف و ماذا و لماذا وأكثرهم كان لماذا لم تجب عليه و ما تمر لحظات إلا ويتصل بها مرارا و تكرارا حتي أغلقت هاتفها وذهبت إلي حيث لا تريد…
لم يستطع خالد المكوث في هذه الحيرة لوقت طويل فأخذته سيارته إلي هناك حيث توجد زينة….
وبين جدران الحبس نادي أحدهم علي أسامة ليتقدم للزيارة ، ذهب أسامة و هو لن يشك للحظة أنها والدته فمن غيرها يقوم بزيارته ولكنه صدم برؤية الزائر..
أسامة: زينة!
زينة: ازيك؟
أسامة : أنا مش مصدق انتي جاية تزوريني بنفسك؟
زينة و دموعها تسقط واحدة تلو الأخري: تصدق لو قلتلك معرفش ايه اللي جابني. أسامة: سامحيني يا زينة ، أنا أذيتك كتير..
ابتسمت زينة ابتسامة باهتة والدموع علي شفتيها: أسامحك؟!
ده أنت حتي بعيد أهو و محبوس وبرده السبب في كل حاجة..
انتبه أسامة: سبب في ايه؟
نهضت زينة و قالت و هي تستدير : مفيش حاجة أنا همشي..
أمسك بيدها : استني معايا شوية، انتي لحقتي ؟
سحبت يدها مسرعة: لا أنا عايزة أمشي..
أسامة: مالك يا زينة زعلانة ليه انتي مش خلاص بقا معاكي اللي بتحبيه؟
زينة : معايا!
أسامة بغضب : في ايه هو ضايقك؟
زينة: مفيش حاجة أنا ماشية..
وتركته شاردا بأفكاره لا يعلم ما بها ولا حتي سر زيارتها القصيرة له…
كانت زينة وكأنها هاربة لا تريد الرجوع للمنزل بل وفكرت بالفعل في الهروب مرة أخري و لكنها أخذت تتجول هنا و هناك لساعات بلا هدف حتي أنهكت كثيرا و ذهبت للمنزل لتجد خالد بنفسه هو من يفتح لها بنظرات تحمل اللوم و الغضب و صدمت زينة لوجوده..