صورته وهو يخونها لن ولم تفارق خيالها،
تراها اثناء يقظتها ونومها،
وأكثر ما يؤلمها، حرمانها من صغيرها،
تجمعت الدموع بحدقتيها، ونظرت أمامها بشرود،
غافلة أنها تحدق ببدر المنشغل بكثرة الزبائن،
وأثناء انشغاله، التقت عيناه بعيون دامعة تنظر له بشرود،
عيون خطفت أنفاسه، وجعلت قلبه ينتفض بنبضة غريبة بل جديدة عليه، لم يشعر بها من قبل،
نظرتها جعلته يفقد تركيزه قليلاً، وظهر عليه التوتر،
وأخيراً أتى دورهما، التفت لها والدها بتساؤل
“ها هتاكلى ايه يا هبه..”
أى هبة؟!.. أين هبة؟!..
من يراها يظن أنها تنظر بهيام لملامح بدر،
ولكنها بالحقيقة لا تراه هو بل ترى ملامح صغيرها البريئة، وابتسامته الصافية، التى تضئ حياتها،
وكزها والدها برفق ليفيقها من شرودها،
فبتسم بدر ابتسامته الجذابة، وبهدوء تحدث..
“انتوا اول مره تشرفونا يا عم الحج؟!!..”
ابتسم له محمد وتحدث بود..
“فعلا يا ابنى هى اول مره الصراحه اكل من عندكم..”
نظر لابنته..
“مش عارف بقى بنتى كلت من هنا قبل كده ولا ايه؟!..”
فاقت هبة من شرودها على نظرة بدر لها، بابتسامة متسعة يخبرها بعينيه انه على علم بوسامته،
توردت وجنتيها بحمرة الخجل، وباستحياء ابتعدت بنظرها عنه، ونظرت لوالدها، وحركت رأسها بالنفى دليل على أنها أول مرة تأتى إلى هنا،
تنقل بدر بنظره بين هبه ووالدها بتفحص، ونظرة شاملة يستطيع قراءة معادن البشر بعناية، وبثقة تحدث..
“ان شاء الله لما تدوقو اكلنا..”
نظر لهبة المبتعدة بنظرها عنه
“..مش هتبقى أخر مره..”
“”””””””””””‘
..بمملكة حبيبة،
بعشق شديد،
تقف بمطبخها الصغير تجهز الغداء لزوجها،
غداءً بسيطاً للغاية، ولكنه أكلة زوجها المفضلة،
بنفس راضية تتذوق الطعام بتلذذ، وباستمتاع تحدثت..
“ياربى على الجمال أحلى كشرى أسكندرانى لأحلى ايوب..”
رفعت خاتم زواجها وقبلته بحب..
“سبحان الله يا ايوب اى اكل اعملهولك بيطلع طعمه جميييل اووووى..”
اتجهت نحو الطاولة الصغيرة، وجلست عليها، وبدأت تعد طبق من السلطة الخضراء، فزوجها قد اقترب موعد عودته من عمله،
انتهت سريعاً من تحضير الطعام، وأسرعت نحو الحمام، لتنعم بحمام منعش، وتستعد لاستقبال زوجها بأروع طلة وأطيب عطر،
انتهت من حمامها، وملأت البانيو بالماء والصابون الخاص بالاستحمام لزوجها،
وارتدت منامة روزية رقيقة، ولفت شعرها الحريرى بمنشفة، واتجهت نحو الخارج،
وضعت الطعام على طاولة المطبخ،
وأسرعت بإحضار ثياب مريحة لزوجها ووضعتها داخل الحمام،
ووقفت أمام مرأه صغيره تمشط شعرها،
ليصل لسمعها صوت نبضات قلب
زوجها،
ابتسمت بعشق، وأغمضت عينيها باستمتاع حينما تسللت رائحته لأنفاسها،
وباشتياق، وشوقا
جارف همست لنفسها..
“اطلع بسرعه يا أيوب..واحشتنى اوى اوى..”
لحظات مرت عليها كأنها سنوات،
وأخيراً فتح زوجها باب الشقة وأول كلمة نطق بها..
بلهفة
“..حبيبه؟!..”
بسرعة البرق، كانت قد ركضت حبيبة لمكانها ومسكنها المفضل،
أسرع هو بفتح ذراعيه لها، والتقطها داخل حضنه، رابتاً على ظهرها، وشعرها بحنان بالغ وبعشق همس بأذنها..
“وحشتينى يا بيبه..”
زادت هى من ضمه داخل حضنها، وبعشق أشد همست..
“وانت اكتر يا بيبو..”
ظلا فترة ليست أبداً بقليلة متعانقين،
كلا منهما لا يريد الابتعاد عن الأخر،
على مضض ابتعد عنها، متحدثاً
“حبيبتى انا عندى شغل كتير اوى انهارده..بس قولت اجى اطمن عليكى واشوفك كلتى ولا لاء وهاخد دش سريع وهنزل شغلى تانى..”
قبل جبهتها بعمق..
“وشك حلو عليا يا احلى حبيبه الحمد لله مش ملاحق على الشغل..”
قالت حبيبة بفرحة لفرحته..
“الحمد لله يا حبيبى..ربنا يرزقك من فضله كمان وكمان يارب..”
دفن وجهه بشعرها، يستنشق رائحته بهيام وباستمتاع همس..
“امممم.ريحتك ورد..”
رفع رأسه ونظر لعينيها بعشق..
“ربنا يحميكى ليا يا حبيبه أيوب..عبس بملامحه..هدخل انا بقى اخد دش علشان ريحتى اسمنت وجبس وتراب..”
بفخر وعشق شديد تنظر له حبيبه..
تخبره بنظرتها أن رائحته هذه بالنسبة لها أروع رائحة على الاطلاق،
تفهم هو نظرتها هذه، فبتسم لها ابتسامته، التى تذيب قلبها وحرك رأسه بالايجاب وبثقه همس..
“عارف يا حبيبه..”
تحسس وجنتيها بأصابعه، فمالت حبيبه بوجهها قليلاً وقبلتهم بعمق، فأسرع هو، وأمسك كلتا يديها ورفعهما على شفتيه، وقبل باطن يدها مرات متتالية، وبين كل قبلة، وأخرى يتحدث بابتسامة..
“استعدى علشان هعملك مفاجأة حلوه اوى بعد ما اخلص شغل..”
نظرت له حبيبة بابتسامة، وعيون لامعة بالسعادة، وبعشق همست..
“مافيش احلى منك انت فى حياتى يا أيوب..”
أمسكت وجهه بين كفيها..
“انت احلى واجمل حاجه فى حياتى يا حياتى..”
أنهت جملتها، ووقفت على أطراف أصابعها، وقبلت وجنته قبلة رقيقة للغاية أطاحت بقلبه وعقله،
ابتعدت عنه، ونظرت لعينيه بابتسامتها الهادئة و تحدثت..
“انا جهزتلك الحمام ادخل خد دش بسرعه وتعالى علشان نتغدا سوا قبل ما تنزل على شغلك..”
تنهدت أيوب براحة هامساً لنفسه
“الحمد لله دعواتك ليا بتتحقق يا امه فى كل خطوه بخطيها..”
بعبث نظر لزوجته، وبلحظة كان لف يده حول خصرها، وجذبها إليه فجأة حاملاً إياها عن الأرض، جعلها تشهق بخجل وببراءة، مصطنعه همس بأذنها..
“عامله غدا ايه؟؟..”
بتوتر ملحوظ من قربه المهلك لقلبها والعاصف بمشاعرها همست..
“كشرى أسكندرانى..؛وسلطه خضرا..؛وبيض مدحرج..”
داعب أيوب أنفها بأنفه، وبحب همس..
“الله..تسلم ايدك يا حبيبتى..”
أنهى جملته، وهم بتقبيلها فأسرعت هى بدفن وجهها بكتفه، وبخجل همست..
“ايوب..انت كده هتتأخر على شغلك..”
أخذ أيوب نفساً عميقاً يحاول السيطره به على ثورة مشاعره معها..؛
وببطء أنزلها وتخلص من كنزته الزرقاء، وأعطاها لها وهرول نحو الحمام سريعاً قائلاً..
“بيبه هاتيلى التيشرت الأسود بتاع شغل التكسير بسرعه..”
بطاعة ركضت حبيبة نحو أحد الأرفف الخاصة به المعلقه بالجدار،
بابتسامة راضية، وزعت نظرها بين ملابسه القليلة،
ومدت يدها وأحضرت له كنزة سوداء قديمة، مهترئة من كثرة العمل بها،
وبحب شديد رفعت كنزته الزرقاء الذى كان يعمل بها تستنشقها بهيام وعشق شديد،
بل لم تكتفى بهذا، فأسرعت بخلع منامتها وارتدتها على جسدها، فهي رائحة معشوق قلبها وروحها التى تعتبرها هى أروع العطور بالنسبه لها..؛
وبخطى مسرعة سارت نحو الحمام، وقفت أمامه حاملة بيدها منشفة نظيفة وكنزته السوداء، التى لا يرتديها الا للعمل الشاق،
دقائق قليلة، وخرج أيوب،
لينصدم بحبيبة الواقفة أمامه ترتدى كنزته المملوءة برائحة كفاحه وعمله الحلال، تنظر له بابتسامتها العذبة،
تأملها بعيون تفيض عشقاً، فبرغم من أنها غارقة داخل كنزته التى تصل لمنتصف فخذها، إلا أنها جعلها بغاية الإثارة بالنسبه له،
نظر لها قليلاً وبابتسامة همس..
“لبستيه ليه؟؟..”
مسح على شعرها..
“حبيبتى اقلعيه انا كنت شغال فيه و؟!!..”
قطعت هى حديثه واقتربت منه، وبدأت تجفف شعره بالمنشفة، وبحب تحدثت..
“انا مرتاحه وريحتك محوطانى كده فمش هقلعه يا بيبو ويلا خلينى اساعدك تلبس هدومك وأكلك علشان بابا قالى هبه اختى هتجيلى انهارده..” ..بأميريكا..
بغضب وتعجب، تنظر ليان لزوجها،
توتر أيمن من نظرتها وتساءل
“فى ايه يا ليان؟؟..”
اقترب منها وامسك يدها..
“مالك يا حبيبتى؟؟..”
تنهدت ليان بصوت مسموع، وبصرامتها المعتادة تحدثت..
“مستغربه كلامك يا ايمن ومش قادره اقتنع بيه الصراحه..”
ازدرد أيمن لعابه بصعوبة، وبابتسامة مصطنعة، وقلق تحدث..
“ليه بس يا حبيبتى؟؟..”
“علشان يا ايمن مينفعش..
انت مصر ان والدتك اول ما حالتها تتحسن ترجع بيتها وانت عارف انه مينفعش نسيب والدتك ترجع تعيش لوحدها تانى..”
حاول أيمن رسم دهشة واستنكار على وجهه
” انا اللى مصر يا ليان؟؟..انا لو عليا مش عايزها تبعد عنى واحمد اخويا نفس الكلام لكن هى اللى عايزه ترجع بيتها..مبترتحش غير فيه..”
هبت ليان واقفة، وبصرامة وأمر تحدثت..
“اسمع يا ايمن والدتك هتعيش معانا ومش هنسبها بعد كده ابدا..وانا هعمل كل جهدى علشان اشوفها مرتاحه..”
نظرت له بأسف..
“كفاية الفتره اللى عشتها لوحدها وانت واخوك بعيد عنها وانا حتى معرفش عنونها علشان ازورها وكل ما اطلبه منك تتحجج بميت حجه..”
نظرت له بلوم، وعيون امتلأت بالدموع مكملة بحزن
“فى حد يبقى عنده أم زى ماما زينب ويبعد عنها وعن حضنها الدافى..”
هربت دمعة على وجنتها، وبألم حاد همست..
“الله يرحمك يا أمى ويجعل مئواكى الجنه يارب..”
نظرت لزوجها بشرار..
“كلامى خلص انا وبناتى محتاجين لوجود ماما زينب معانا..”
رتبت على بطنها المنتفخ قليلاً، وأكملت..
“وكمان عيزاها معايا وانا بولد..”
ابتسمت من بين دموعها، وهي تقول بصدق..
“..انا حبيتها اوى وأعتبرتها عوض ربنا ليا عن أمى..”
احتضنها أيمن وربت على ظهرها بحنان، وصك على أسنانه وهمس بداخله بغيظ..
“وبعدين بقى فى ام الوقعه دى؟؟..”
زفر بضيق، ورسم ابتسامة رضا كاذبة على وجهه، وتحدث
“طيب انا هروح أطمن عليها وارجعلك يا حبيبتى..”
قبل جبهتها..
“عيزك تهدى وتعرفى انى هعملك اللى انتى عيزاه..”
نظرت له ليان بإصرار
“اللى انا عيزاه دا هو الصح يا ابو لارين..”
ربتت على كتفه..
“علشان لما نبقى فى سن مامتك لارين وليليان..”
أمسكت يده ووضعتها على بطنها..
“واللى جاى فى السكه ميسبوناش لوحدنا..نظرت لعيناه..داين تدان يا ايمن..”
أنهت جملتها، وسارت من أمامه قائلة..
“انا هطمن على البنات وهجهزهم علشان نحصلك ونطمن على ماما زينب..”
نظرت له من فوق كتفها..
“اسبقنا انت واحنا هنيجى وراك..”
جذب أيمن مفاتيح سيارته، متجهاً للخارج بخطى غاضبة وبوعيد همس لنفسه
“بطرقتى هخليك بنفسك تقول لأمك يا ايوب تقعد معانا..”
دقائق قليلة مرت، وكان أيمن أمام والدته الجالسة، تصلى فرضها داخل الغرفة الخاصة، التى انتقلت إليها بعدما خرجت من العناية،
جلس على مقعد أمامها واضعاً ساق فوق الأخرى،
انتهت زينب من صلاتها، ونظرت له بغضب مصطنع وبأمر تحدثت..
“اقعد عدل يا واد انت..”
نظرت لساقه، وأكملت
“نزل العرجه من على المكسوره يا ابن بطنى..”
اعتدل أيمن بجلسته وبتساؤل تحدث..
“عامله ايه انهارده يا ام ايمن؟؟..”
انزعجت زينب وهي تقول
“أم ايوب يا عنيا..والحمد لله بقيت كويسه يا ضنايا..”
التمعت عينيها بالدموع،..
“ومبقتش اتعب من الكلام..”
تحولت نظرتها لأخرى راجية..
“وعايزه اكلم اخوك براحتى من غير ما تقولولى كفايه..”
أخرج أيمن هاتفه، وطلب رقم شقيقه وتحدث متعجلاً..
“خدى كلميه شويه قبل ما مراتى تيجى..”
تنهدت زينب بيأس من تصرفات ابنها، وهمست محدثة نفسها..
“ربنا يهديكم يا ولادى وترجعوا لحضن بعض يااارب..”
لحظات وأتاهما صوت أيوب الملهوف،
“امه..”
بلهفة أخذت زينب الهاتف، ووضعته على أذنها، وببكاء تحدثت..
“قلب أمك..واحشتنى يا ضنايا..”
أسرع أيوب، واتجه نحو الخارج مبتعد عن العمال، الذى يعمل برفقتهم، وبأمر تحدث..
“الهمه يا رجاله هخلص التليفون اللى معايا وارجعلكم..”
بدأت زينب تنتحب..
“ياحبيبى واحشنى صوتك اوى يا قلب امك..”
قال أيوب بشوق..
“انتى اللى وحشتينى اكتر يا امه..ارجعيلى بقى يا حبيبتى..”
بثت زينب إليه فرحتها عبر الهاتف “انا خفيت يا ضنايا..وهرجعلك فى اقرب وقت باذن الله..”
“ايوه بقى يا ام أيوب..ارجعى نورى حياتنا..”
“بأذن الله ربنا يجمعنا على خير يا حبيبى..”
قال ايوب بتنهيدة..
“يامهون هونها..”
بتمنى وشوق قالت له زينب..
“واد يا ايوب..غنيلى الاغنيه اللى بحبها يا واد..”
بكت بنحيب أشد..
“صوتك واحشنى اوى يا حبيب امك..”
“عيونى يا ام ايوب..انتى تؤمرينى..”
وضع الهاتف على أحد الأركان، وبدأ يحمل التكسير مع العمال، وبصوته العذب غنى أغنيتها المفضلة.. يــا مهـــــوّن .. هوّن هوّن..
هـوّنهــــــا .. هوّنها و قول..
يا مهــوّن هوّن على طـول.. و تروّح بلـدك يـــا غريب..
و تــلاقي ع البـــر حبيـب..
مستني يقول لك سـلامـات..
هـــــــوّن..
يا مسافر بين ضلمة و نور..
يا مبحّـر و معــدّي جسور..
خد بــالك الايــــام ح تدور..
و تروّح بلـدك يـــا غريب..
و تــلاقي ع البـــر حبيـب..
مستني يقول لك سـلامـات..
هـــــــوّن..
غنينا ألفين مــــوّال..
ع الغــربــــــــــــة..؛
و ليـــالي طــــوال..؛
و مسيــــــــــــــرك..؛
ترتــاح البـــــــــال..
ليـه تشكـــــــــــــي..؛
و الا تقــــــــــول آه..
بعـــــافِيتـــــــــــــك..؛
و بعــــــــــــون الله..
ح تنول اللي بتتمناه.. و تروّح بلـدك يـــا غريب..؛
و تــلاقي ع البـــر حبيـب..
مستني يقول لك سـلامـات..
هـــــــوّن..
أنهى غنائه، وأسرع بامساك الهاتف، ووضعه على أذنه بلهفة،
تستمع زينب له بقلبها، وعيون يغرقها الدمع من شدة اشتياقها له؛
لتنتفض فجأه على يد ابنها، الذى جذب منها الهاتف، وبأمر تحدث..
“كفايه عياط بقى..”
سار نحو الخارج، ووضع الهاتف على أذنه، وأكمل بجحود..
“بقولك ايه يا ايوب..انا مش عيزك تتعشم ان امى هترجعلك تانى..”
صمت لوهلة،
“انا مش هسيب امى وهتعيش معايا انا وولادى على طول..”
..صدمة غير متوقعة أدمت قلبه بعنف،
بجنون يدور حول نفسه،
عيناه تحجرت بها الدموع،
أنفاسه تقطعت،
أوشك على فقدان نبض قلبه من شدة صدمته،
أيعقل؟؟..لن يستطيع رؤيتها مرة أخرى،
لن يضئ صباحه برؤية ابتسامتها، لن ينال بركة اليوم
بصوت دعائها له، هل كُتب عليه الحرمان من
حنانها الذى كانت تغرقه به….
أيعقل؟؟!!..لن يقبل يدها بحب كما كان يفعل،
لن يستمع لصوتها الحنون مره أخرى،
لن يطلب منها بتوسل أن تكون راضيه عنه،
رغم أنه على يقين من رضائها،
دمعة وجع هبطت من عينيه على وجنتيه، نزولاً بلحيته التى ظهر بها بعد الشعيرات البيضاء زادته وسامة ووقار،
أخذ نفساً عميقاً،
ابتلع غصة مريرة بجوفه..،
وبجمود مصطنع تحدث
“قصدك ايه يا ابن ابويا؟!!..”
أيستمع أحد لقلبه الذى يصرخ بتوسل ورجاء شديد بين ضلوعه..؟؟
رفع يده، ومسح حبات العرق المتناثرة على جبهته، بعد عمله الشاق الذى كان يقوم به، وأكمل بأنفاس متهدجة..
“يعنى مش هشوف امى تانى؟!!..”
زفر الأخر بضيق، وبسخريه تحدث
“عايز تشوفها فين؟!!..هنا عندى؟؟!..وانت عارف انى ميشرفنيش اعرفهم على اخويا الجاهل اللى هما ميعرفوش بوجوده اصلا”
ضحك باستهزاء مكملاً..
“ولا عايز تاخدها عندك على السطح علشان تمو-ت من الفقر والجوع اللى كنت معيشها فيه؟!..”
بكل ما يحمل من قسوة، وغلظة قلب كسر قلب، وخاطر شقيقه الخلوق، الذى بفضله أصبح على ما هو عليه و؟؟!.. أنتهى البارت،يهمنى رأيكم وفضلا تفاعل قوى لأن اللى جاى لا يستهان به..
واستغفرو لعلها ساعة استجابة..البارت التاسع..
تزوجته فقيراً فأغنانى الله به..
نسمه مالك..
..بخوف تملك من قلبه،
يستمع أيمن لصمت شقيقه، بعدما ألقى على سمعه كلمات أدمت قلبه بلا رحمة،
يقسم أنه أستمع لصوت انكسار قلبه وخاطره،
ابتلع لعابه بصعوبة، وبتوتر ملحوظ تحدث..
“احححم ايوب انت عارف ان اللى بقوله هو الصح ودا لمصلحه امنا..”
أى أيوب!! أين أيوب؟؟!!
صدماته المتتالية بأشقائه جعلته كالتائه،
ينظر للفراغ بضياع،
يكذب أذنه، وينهر نفسه بعنف..
أيعقل؟!..يصل شقيقه إلى تلك القسوة،
أيعقل؟!..يحرمه من والدته وهو على علم بمدى ارتباطه بها، إنه يعيش لأجلها،
دون إصدار نفس واحد، انهمرت دموع أيوب من عيناه بغزارة، بلا توقف حينما تخيل رد فعل والدته عند علمها أنهما لن يلتقيا مرة أخرى،
وهى التى تعد الدقائق، بل الثوانى باشتياق شديد حتى تعود لأبنها البار بها، الذى يعاملها كملكة متوجة،
طلباتها سيف على رقبته،
بغضب، رفع يده ومسح على وجهه،
أخذ نفس عميق،
وتحولت نظرة الانكسار بعينيه لنظرة قوة وصلابة،
وبصرامة، وأمر تحدث بصوت جهير..
“اسمع يله..”
ارتعش جسد أيمن بخوف، وبصوت مهزوز من شدة فزعه همس..
“ن.. نع نعم يا ايوب..”
“اوعى تفكر ان سكوتى على تصرفاتك الطايشه انت واخوك ضعف منى او قلة حيله..”
صمت لوهلة، وأكمل بصرامة أكبر..
“ولا خيالك المريض يصورلك انك تقدر تمنعنى عن امى..فووووووووق لنفسك لافوقك..”
قال أيمن برعب..
“يا ايوب انا بقولك كده من خوفى على امى هى مش حمل عيشه الفقر؟؟!!..”
قاطعه أيوب بأمر..
“ادينى امى..”
هم أيمن بالحديث، فأكمل أيوب بغضب عارم..
“ادى التليفون لأمى ومسمعش نفسك تانى يامتربى..”
امتثل أيمن لأمر أخيه، أسرع أيمن لداخل غرفة والدته وأعطاها الهاتف..
“ايوب يا ضنايا..”
أغمض أيوب عينه، وتنهد بألم حاد، وبرجاء تحدث..
“أسمعينى كويس يا أم ايوب..”
بقلق نظرت زينب لأيمن الواقف أمامها بوجه شاحب من شدة خوفه، فهو على يقين بقوه وصلابة شقيقه..؛
ويعلم جيداً ما من مخلوق يستطيع منع أيوب عن والدته،
ابتسمت زينب بتفهم، وبهدوء تحدثت..
“قول يا ضنايا..انا سمعاك يا حبيبى واللى هتقولى عليه هعمله..”
كتم أيوب أنفاسه فى محاولة للمحافظة على رباطة جأشه، وهو يقول..
“عيزك تفضلى قاعده مع اخواتى شويه..”
ضحك ضحكة متألمة، يخفى بها حرقة قلبه..
“علشان تحوشينى عنهم،وكمان على ما أخلص الشغل اللى بعمله فى الشقه..”
انفلت الدمع من عين زينب وهى تقول..
“اللى تشوفه يا حبيبى انا هعمله..
بس انت واحشتنى اوى يا ايوب..”
صر أيوب على أسنانه بعنف، ولكم الحائط جواره بقبضة يده بقوة فأكملت زينب بصوت تحاول فيه رسم ضحكة كاذبة..
“كمان طيورى واحشونى كنت عايزه ارجعلكم علشان البت حبيبه حبيبتى تشمسنى معاهم فى الشمس..”
قال أيوب مؤكداً..
“هترجعلنا يا امه..ورب الكون ما هيهدالى بال غير وانتى معايا..”
ردت زينب برضا وثقة..
انا عارفه يا ضنايا..”
اثناء حديثها اقترب ابنها أحمد، فتنقلت بنظرها بينه وبين أيمن، وأكملت بابتسامة رسمتها بمشقة..
“وبعدين اخواتك اتمادو فى غلطهم اوى ووقت الحساب قرب..”
اتسعت عينا أحمد بدهشة وبخوف همس لأيمن..
“انت عملت ايه تانى؟!..”
بشفاه شبه مغلقة اخرح الكلام على حذر..
“قول معملتش ايه..”
أنهى جملته، ولطم وجنته بكف يده،
حرك أحمد رأسه بالايجاب عدة مرات وبغيظ همس..
“انت مش هترتاح غير لما ايوب ينفجر فينا ويكشفنا قدام اهل مراتك واهل خطبتى ونرجع نبدا من تحت الصفر يا ايمن..”
انتبها على صوت بكاء والدتهم، بنحيب وبصعوبة تحدثت من بين شهقاتها..
“مش عيزاك تزعل نفسك يا ضنايا..واعرف ان فرج ربنا قريب..ربنا يجبر خاطرك ويفرح قلبك يا ايوب يا ابن زينب بحق كلمه لا اله الا الله..”
تماسك أيوب ورد بحنان..
“انا مش زعلان على اى حاجه..”
أستند بجبهته على الحائط، وبكى بصمت، وأكمل بصوت حاول جعله طبيعياً..
“غير على بعدك عنى يا امه..”
ضحك بصوت مرتفع يحاول اخفاء بكائه عنها لا يعلم أنها تراه بقلبها،..
“بس انا هكلمك كل يوم وانتى فى كل آذان رنى عليا..”
ازداد بكاء زينب وهي تقول..
“فى كل أذان وفى كل وقت دعيالك يا أيوب..”
وضعت يدها على قلبها، ورفعت عيونها للسماء، وبتوسل شديد دعت له من صميم قلبها “يجبرك، وينصرك ويسعدك، ويحققلك اللى بتتمناه يا أيوب يا ابن قلبى..”
نظرت لأبنيها الخافضين رأسيهما بخزى،
“ويهديكم لبعض ويلم شملكم وينور بصرتكم يا حبايبى..”
أغمض أيوب عينيه بارتياح، وابتسم ابتسامة راضية؛
فدعائها أثلج صدره، وهدأ ثورة غضبه، وبتمنى أمّن على دعائها..
“امين يا رب العالمين..”
تنهد بتعب..
“ادينى ايمن يا امه..”
بعيون تملأها الدموع، نظرت زينب لابنيها نظرة لوم، وعتاب تخبرهما بصمت، أن شقيقهما لا يستحق منهما ما يفعلانه معه،
وبوهن، مدت يدها وأعطت الهاتف لأيمن،
بيد مرتجفة أمسك أيمن الهاتف، وبتردد قال..
“اححم..ا اي ايوه يا ايوب..”
قال أيوب بخشونة “اخوك فين؟؟..”
بخوف نظر أيمن لأحمد وبصعوبة همس..
“معايا هنا..”
فامره بجدية..
“افتح المايك..”
أسرع أيمن بالتنفيذ، ليكن صوت أيوب مسموعاً للجميع وهو يقول بصرامة،
“اسمعونى كويس..
أمى هتفضل معاكم فتره وانا هكلمها فى كل وقت صوت وصوره كمان”..
صمت لوهلة يستجمع قوته رغم شعوره بالضعف ، وأكمل بجملة، جعلت شقيقيه ينفجرا بكاءً كأطفال صغار..
“لحد ما انتو بنفسكم تجبوها وترجعوا لحضنى..”
أخفض صوته الباكى
“يا ولاد عمرى..”
أنهى جملته، وأغلق هاتفه بوجههما، حتى لا يستمعا لصوت شهقاته، التى بدأت تتعالى، حدة بكائهما، جعلت زينب تبتسم بأمل، وبلهفة، فتحت ذراعيها لهما ليسرعا نحوها وارتميا داخل حضنها يبكيان بنحيب،
وبتقطع من بين بكائهما قال أيمن..
“مش بالسهوله دى يا امه..لو اعترفت بوجود ايوب هخسر كل اللى وصلتله..”
وأكمل أحمد مؤكداً كلمات أخيه
“وانا كمان..”
ابتعد عن حضن والدته قائلاً
“ومعنديش استعداد نهائى ان اخسر اللى وصلتله..”
أنهى جملته، وبخطى شبه راكضة اتجه خارج الغرفة،
هب أيمن واقفاً، ومسح دموعه، واتحولت ملامحه لأخرى جامدة، وبأنفاس متهدجه تحدث..
“لو ليان عرفت بيتى هيتخرب وانتى ميرضكيش يا ام ايوب..”
هزت زينب رأسها نافية، وقالت بثقة “الحق مسيره يبان ومراتك مش هتفضل مخدوعه فيك طول عمرها يا ابن بطنى..”
تنهدت بأرهاق وأكملت
“احكلها انت بدل ما تعرف من بره..”
بسطت جسدها المتعب على فراشها وأكملت بأمر..
“يلا اتكل على الله روح ورا اخوك وسبنى ارتاح شويه..”
سار أيمن للخارج بخطى ثقيلة، يفكر بحديث والدته، وهو يعلم أنها على صواب، ولكنه حرك رأسه بالنفى، وهمس محدثاً نفسه
“لا مش هينفع اقولها..انا عارف ليان مش هتسامحنى وهتحرمنى من كل حاجه حتى ولادى..”
نفض الفكرة من رأسه،وحسم قراره أنه لن ولم يخبرها عن شقيقه مهما حدث،
غافلاً عن زوجته الواقفة داخل غرفة مقابلة لغرفة والدته مستندة على بابها بظهرها، تبكى بانهيار، وصوت مكتوم، بعدما سمعت كل ما حدث بين زوجها، وأشقائه..
*********
..عذراً حبيبة لم يكن اليوم يوم حظك على الأطلاق،
فقد حان موعد إحدى العواصف القوية، التى ستعصف بحياتها الهادئة، وستظهر معدنها الحقيقى؛وستزيد عشقها لزوجها، وعشق زوجها لها أضعاف،
تمسد بكلتا يديها على كنزة زوجها التى ترتديها،
تميل برأسها قليلاً وتستنشق رائحته بهيام،
وبحب شديد همست لنفسها
“ربنا ميحرمنيش منك ابدا ابدا يا ايوب ولا من حبك وحنيتك عليا..ويرجعلنا امه زينب بالف سلامه يا حبيبى..”
بقلق أمسكت هاتفها، وطلبت رقمه المرة التى لا تعلم عددها وبتمنى همست..
“يارب ترد عليا بقى يا أيوب..قلبى قلقان اوى عليك مش عارفه ليه..”
انتبهت على صوت طرقات على باب مملكتها الصغيرة، يليه صوت شقيقتها الحنون..
“بت يا بيبه افتحى يا حبيبتى..”
تهللت أسارير حبيبة وهي تركض نحو الباب، وفتحته سريعاً وبفرحة طفوليه تحدثت..
“بوبتى حبيبتى..”
همت باحتضانها لكنها تراجعت سريعاً حين تذكرت أنها ترتدى كنزة زوجها، لا تريد أحداً غيرها يستنشق رائحته، هو وكل ما يخصه ملكها وحدها،
بلحظه كانت قد فرت نحو غرفتها قائلة..
“بوبا ادخلى وانا ثوانى وجيالك..”
ابتسمت هبة متفهمة، وسارت للداخل، وأغلقت الباب من خلفها، وجلست على أقرب مقعد تلتقط أنفاسها، وتنظر حولها بدهشة من بساطة المكان، ولكنه مليئ بالحب وبراحة، وطمأنينة عجيبة،
وارتداء شقيقتها لثياب زوجها دليل على شدة عشقها له،
التمعت عينيها بالدموع حينما تذكرت ثياب زوجها، التى كانت دوماً تحمل أثر، ورائحة غيرها،
أغمضت عينيها، تحاول التحكم بدموعها حتى لا تخونها، وتنهمر على وجنتيها، ورسمت ابتسامه على وجهها تخفى بها ضعفها، وبحب همست لنفسها..
“ربنا يفرحك يا حبيبه يا حبيبتى..ويجعل حظك احسن من حظى..”
انتفضت حينما ركضت شقيقتها نحوها، بعدما بدلت ثيابها، وارتمت داخل حضنها تحتضنها بحب شديد قائلة..
“يا حبيبتى يا هبه انا مبسوطه اوى علشان انتى جتيلى..”
ربتت هبة على ظهرها، وبحب تحدثت..
“الف مبروك يا حبيبتى..ربنا يهدى سرك ويفرح قلبك يارب..”
ابتعدت عنها حبيبة، ونظرت لها بعبوس، وتحدث بغضب مصطنع
“انتى جايه لوحدك يا هبه؟!..”
وضعت يدها بخصرها..
“مجبتيش سيفو معاكى ليه بقى.؟؟!!!انتى مش عارفه ان سفيان دا قلب خالته”..
أخذت هبه نفساً عميقاً وبابتسامة، وعيون لامعة بالدمع تحدثت..
“سفيان مع ابوه..”
ضيقت حبيبه عينيها، ونظرت لها بعدم فهم وبتساؤل تحدثت..
“نعم؟!..سفيان مع سيف؟!..”
نظرت لها بتمعن، فحركت هبه رأسها بالايجاب، وبغصة تحدثت..
” ايوه انا وسيف انفصلنا يا حبيبه..”
نظرت حبيبة بحزن لشقيقتها قائلة بأسف..
” انا كنت متوقعه ان دا هيحصل يا هبه..”
ربتت على يدها، “ومش هسألك عن السبب لأنى عارفه انك مش هتقولى..بس اكيد السبب مش هين اللى يخلى أختى الصبوره اللى بتحافظ على بيتها بكل جهدها تطلب الطلاق و؟؟..”
قطعت حديثها فجأه وبتحذير تابعت..
“اوعى تقولى انه خد منك سفيان علشان يجبرك ترجعيله؟!..”
حاولت هبة أن ترسم الجمود قائلة “ياخده وايه يعنى..هو ابوه زى ما انا امه..”
تنهدت بأصرار..
“لكن انا مستحيل ارجعلو..
دارت حبيبه حول نفسها و مسحت بكف يدها على وجهها، وشعرها وببكاء نظرت لهبة وبأمر تحدثت..
” هبه..ازعلى يا حبيبتى وعيطى متكتميش فى قلبك..”
فتحت ذراعيها لها..
“تعالى فى حضنى يا قلب اختك..”
بكت بنحيب أكبر..
انا مش ماما اللى هتعملى انك كويسه قدمها..”
نظرت لها هبة قليلاً، ومن ثم هبت واقفة..؛
وبانهيار، ارتمت داخل حضن شقيقتها تبكى بحرقة،
وبصعوبة من بين شهقاتها همست..
“سفيان..”
تمسكت بشقيقتها بكل قوتها..وهي تقول..
“عايزه أبنى فى حضنى يا حبيبه..”
بحنان بالغ تربت حبيبة على ظهرها، وببكاء حاد تهمس بأذنها..
“هيرجع لحضنك يا هبه..والله ليرجع لحضنك يا حبيبتى..”
ضمتها حبيبة بحب وهي تمسد على ظهرها، وتقرأ بهمس مطمئن ما تيسر من القرأن الكريم، لتخفف من حدة انهيارها،
حتى هدأت هبة قليلاً، على مضض ابتعدت عنها حبيبة، وبمزاح تحدثت..
“انا عارفه انك بتعيطى علشان خايفه تاكلى من الأكل اللى انا عملاه..”تحولت نظرتها لغرور مصطنع..
احب اقولك ان اكلى هيعجبك واوى المرادى لانى عملاه بمزاج..”
ابتسمت هبة لها، وبحب شديد تحدثت..
“ربنا يسعدك ويهدى سرك ويجعل لك أيوب الزوج الصالح يا حبيبتى..”
مدت حبيبة يدها، ومسحت دموع شقيقتها، وبحب قالت
“ويعوضك خير ويفرح قلبك باللى تتمنيه يا حبيبة قلب اختك..”
************
..سيف..
يجلس بين والدته وأم زوجته،
مستنداً بمرفقيه على ركبتيه، خافضاً رأسه بين كفيه،
لتتحدث والدته بتعقل..
“يا ابنى اللى انت بتعمله دا غلط..ادى سفيان لهبه مينفعش تضغط عليها بيه..كده هتزعلها منك اكتر و؟!..”
قاطعتها نجوى بغضب..
“بقولك ايه يا ام سيف مش هبه بنتى بس سيف عنده حق..هو عايزها ترجعله ولو خدت ابنها يبقى مش هترجع زى ما هو قال..”
نظرت لها منال بغيظ..
“هو انتى تعرفى ابنى عمل ايه لبنتك علشان يوصلها انها تطلق منه وتتنازل عن كل حقوقها حتى ابنها؟!!!..
نظرت لابنها…اكيد عمل عمله سوده ومنيله..”
نظرت لنجوى بدهشة وهي تكمل
“وعيزاه كمان يضغط عليها اكتر بابنها..”
ابتسمت لها باصطناع..
“انتى متأكده انك ام هبه ولا تكونيش انتى ام سيف وانا ام هبه وانا مش واخده بالى..”
ض-ربت بقوة على كتف ابنها، وبأمر قالت..
“ادى سفيان لحماتك خليها تديه لأمه..دا لو كنت فعلا عيزها تديك فرصه وتسامحك..”
أمسكت وجنتيه بين أصابعها لتجعله ينظر إليها وبتفهم أكملت..
“دا طبعا لو اللى انت عملته ينفع انها تسامحك عليه..”
بالايجاب حرك سيف رأسه، ونظر لحماته، وبحزن شديد ظاهر على ملامح وجهه تحدث..
“خدى سيف معاكى اديه لهبه”
هبت نجوى واقفة وتحدثت باسف..
“مش هينفع اخده معايا انا مستأذنه من شغلى ولازم ارجع دلوقتى..ابقى وديه انت ليها..”
نظرت له بضحكة ساخرة..
“بس افتكر انى قولتلك ان هبه لو خدت ابنها مش هترجعلك تانى..”
نظرت لمنال وهي تكمل..
“علشان هى بنتى وانا عارفها كويس عايزاها ترجع لجوزها..”
نظرت لسيف مرة أخرى وهي تقول..
“لو هبه شمت خبر انك هتاخد الواد وتسافر هتجيلك جرى وساعتها انت تصالحها وتتصافوا يا ابنى..”
أنهت جملتها واتجهت لخارج المنزل،
اقتربت منال من الصغير، وحملته، وتحدثت بتحذير..
“متسمعش كلام حماتك يا سيف يا ابنى وخد ابنك وديه لأمه..”
بكت بتأثر..
“ربنا وحده اللى هيكون عالم بحالتها بعد ما طلقتها وكمان ابنها بعيد عن حضنها..”
قال سيف بأسف..
“لو هبه خدت سفيان مش هترجعلى يا ماما..”
حمل ابنه واكمل باصرار..
“هعمل زى ما حماتى قالت..هاخده واسافر شويه واكيد هبه مش هتستحمل بعد ابنها وهترجعلى..”
حركت منال رأسها بيأس وهي تقول..
“اللى هتعمله دا اكبر غلط وهتندم عليه يا سيف..”
**********
ايوب..
يسير بالطرقات على غير هدى، كطفل صغير فقد والدته،
غير منتبه لما حوله،
حتى هاتفه، الذى يرن مراراً وتكراراً لم يصل صوته لأذنه،
يعاد بذاكرته كلمات شقيقه السامة بلا توقف،
قلبه يؤلمه بشدة، فبعد والدته عنه ليس بهين،
وما ألقاه شقيقه على سمعه شطر قلبه لنصفين،
رفع نظره للسماء بعيون تملأها الدموع، وحاول أن ينطق بحرف يناجى به ربه، إلا أن لسانه لم يمتثل،
فاكتفى بالبكاء بصمت، وقلبه يصرخ بجمله واحدة،
“أجبرنى يا الله فعبادك كسروا خاطرى..”
أكمل سيره بطريقه، وأخيراً انتبه لصوت هاتفه،
فابتسم بحب من بين دموعه حين لمح
اسم زوجته،
ضغط زر الفتح، ورفع الهاتف على أذنه ليأتيه صوتها الملهوف
“أيوب يا حبيبى انت فين؟!..”
رد أيوب بضياع..
“..حبيبه..امى هتفضل مع اخواتى..”
بانهيار بكت حبيبة، حين سمعت الألم بصوته،
وبرجاء تحدثت..
“طيب تعالى يا ايوب علشان خاطر ربنا..انا مستنياك فى بيتنا..”
بدأ يركض بكل سرعته، يريد أن يصل إليها، ويرتمى داخل حضنها، لعله يجد الراحة بقربها ولو قليلاً،
بأنفاس متهدجة تحدث اثناء ركضه..
“انا جيلك..”
تأوه بصوت مسموع..
“انا محتاجلك..ااااااه يا حبيبه انا بحبك..”
ردت حبيبة وهي تغالب دموعها..
“وانا بحبك..تعالى يا حبيب حبيبه حضنى مستنيك..”
يركض بكل سرعته غير منتبه لبوق السيارة المسرعه، الأتية نحوه،
وبلحظة كان ملقى أرضاً فاقداً الوعى بعدما صدمته السيارة،
ليصل صوت ارتطامه لقلب حبيبه قبل أذنها،
لتصرخ وقد اوشك قلبها على التوقف من شدة فزعها، وخوفها عليه..
“ايووووووووووووووووب..”
*********
..بشهقة قوية،
انتفضت زينب بفزع و صرخت فجأه..
“ايوووووووووووب..يا ضنايا يا ابنى فيك ايه يا قلب امك..”
أسرعت ليان، واقتربت منها، واحتضنتها بحنان، وتحدثت ببكاء..
“مالك يا ماما زينب..اهدى يا حبيبتى..”
قالت زينب وأنفاسها متقطعة..
“ايوب ابنى فيه حاجه..”
نظرت لابنيها الواقفين أمامها، ينظران لها برجاء..
“اخوكم فيه حاجه..قلبى واكلنى عليه..”
قالت ليان بتأثر..
“يا حبيبتى اهدى..ان شاء الله مافيش حاجه..”
نظرت لها زينب، وتحدثت بغضب..
“انتى مفكرانى اتجننت وبقول اى كلام زى ما جوزك مفهمك..انا ابنى ايوب عايش ربنا يحفظه لشبابه ويديله طولة العمر..”