هتفت بها السيدة “فاطمة” ، فنهض هو الأخر وهاتفاً – مسيرها في يوم هتواجه الدنيا لوحدها يا فاطمة ، مش هنعيش ليها طول العمر ………. وعلي طاولة طعام أخري أكثر فخامة ولكنها تفتقر دفئ الحديث ، كان يتناول “عاصم” وجبته مع شقيقه ..، تنهد “احمد” بضجر وشقيقه لا يكف عن مدح تلك التي تسمي فريدة وقد فرضها عليه شقيقه – هنفضل طول العشا ، مش بنتكلم غير عن فريدة بنت محسن باشا ابتسم “عامر” وهو يري حنق شقيقه ، ثم تناول كأس الماء يرتشف منه القليل
– البنت تستاهل المدح ولا أنت رأيك إيه – هي فعلا هايلة يا عامر، لكن اوعي تحلم بشئ زيادة القي “احمد” عبارته الأخيرة ، ناهضاً عن مقعده .. ينظر نحو ملامح شقيقه التي تجمدت وكأنه لم يكن ينتظر منه هذا الحديث ………
اختلت بنفسها داخل غرفتها حزينة علي حالها من رفض والدتها الدائم لكل شئ ، مُعلله أن هذا نابع من خوفها عليها ..،تعلقت عيناها بالكتاب الذي أعطاه لها “العم محمود” اليوم ..فأخذها الشوق نحو العالم الذي تجد به روحها ، وفور أن التقطته لم تشعر بحالها إلا وهي تستكين بين ثنايا سطوره وتذيب روحها مع كلماته ، غرقت في عالمها المنفرد تزفر أنفاسها بتنهيدة طويلة ، ثم رفعت عيناها عن صفحات الكتاب ، وتعالت تنهيداتها حانقة من حالها وهي تُحادث نفسها
صفا: جنه طلع معاها حق ، انا شكلي أدمنتك ومش هخف من أدمانك فاقت من حالتها علي صوت طرقات فوق باب غرفتها ثم دلوفها للغرفة ، وفور أن وقعت عينيها نحو الكتاب الذي تحتضن أبنته هتفت حانقة فاطمه : يابنتي ياحببتي ، الكتب الي بتشتريها ديه هي اللي لسعتلك دماغك ، اكتر ما أنتي لاسعه قومي معايا أتعلمي كام طبخه صدقيني هتفيدك ، مش عيب علطولك ده لما تكون بنت في سنك ولسا متعلمتش ازاي تطبخ ، ده اللي قدك اتجوزوا وخلفوا
أسترسلت والدتها في محاضرتها اليومية كالعادة ، حتي إنها اصبحت تحفظها: خضتيني يابطه فاطمه : بطه في عينك ، انا فعلا معرفتش أربيكي واردفت السيدة “فاطمة” بعدما جلست فوق الفراش ترثي حالها ببكاء مصطنع : اه يا أخرة صبرك يافاطمه ، بنتك الوحيده اللي مالكيش غيرها مطلعه عينك وكل عريس يتقدم ليها يا ما تطفشه من خيالها الواسع او هو يطفش لواحده ، قال ايه نفسها في راجل زي ابطال الروايات ..، أجبلها العريس الورق ده منين انا
علقت عينين “صفا” وقد فهمت أن حديث والدتها وندبها تلك اللحظه ، ينبأ بوجود عريس أخر أتي عن طريق أحد المعارف ..، وستستمر أسطوانة والدتها من الزن والندب حتي تُقابل العريس وينتهي الأمر كالعادة بالفشل : تاني ياماما ، عريس تاني وده من طرف مين المرادي .. انا قولتلك مليون مره انا مش عايزه اتجوز بالطريقه ديه ، غير انك مستعجله ليه علي جوازي انا لسا عايزه أحقق مستقبلي
تجهمت ملامح “فاطمة” وهي تستمع لعبارتها ، فعن أي مستقبل تتحدث به أبنتها ..، ومنذ أن تخرجت من كلية الهندسة “قسم الاتصالات” جلست جوارها خائبة الرجا لا تفعل شئ سوا قراءة الكتب والغوص في الخيال – مش موافقة اقابل العريس يا ماما ، وبقولها ليكي أه ، عشان متجبيش عريس تاني ومتحرجيش نفسك مع حد ازداد حنق “فاطمه” ثم نهضت تلتقط ببعض الكتب والروايات التي تتناثر علي درج مكتبها تهتف ساخره – : ما اه باين المستقبل يابنت بطني ، عايشالي في الخيال ..، متخلنيش أحلف يا صفا إني احرقهوملك
تمتمت السيدة “فاطمة” عبارتها الأخيرة بوعيد ، ولكن عندما رأت نظرتها الكسيرة ..، تراجعت وتنهدت بتعب ، فابنتها عنيده كحالها في شبابها : انا وابوكي يابنتي نفسنا نخلص من حملك لراجل يصونك .. خايفين عليكي من الدنيا وانتي ولا ليكي اخ ولا ليكي اخت وهكذا كان الحديث الذي تكسب فيها السيدة “فاطمة” قلب أبنتها وتعاطفها ، اسرعت “صفا ” في الأقتراب منها ، تضمها بقوة خوفًا من الفقد الذي تتحدث عنه والدتها
: بعيد الشر عليكم ياماما ، متقوليش كده ، انا هعمل كل اللي يريحك ولو علي الروايات والقرايه خلاص مش عايزاهم ومن بكره صدقيني هنزل أدور علي شغل .. بس بلاش الجواز اللي بطريقه ديه ياماما فابتعدت عنها السيدة “فاطمة” تنظراليها بسعادة لرضوخ ابنتها الحبيبة ، ثم أحتضنها بقوة : انا مش عايزاكي تشتغلي ، انا عايزه يبقي ليكي بيت وزوج اطمن عليكي معاه مالبثت أن انتهت من السيده “فاطمه” من عبارتها حتي تعالا رنين هاتف “صفا”
جنه : انتي طلعتي أرحم من عمتك ياصفا ، عمتك جيبالي عريس وبتقولي لازم اتجوزه .. طالعت “صفا” نظرات والدتها المحدقه ، ثم تعالا الحنق فوق ملامح وجهها وهي تستمع لضحكات أبنتها وتلك النظرة التي ترمقها بها. …………………………………………………………. انتهي العرض ،وبكده اكون وضحت ليكم كل حاجه! فتنفتح الانوار فجأه ، ونظر كل الجالسين ، وقد أخذوا يُطالعوه بعينين منبهرة لما قد عُرض من خطة لبداية فوريه في مشروعهم الذي تم توقيعه وجاء وقت البدء علي ارض الواقع، وقف عامر مصفقاً بحرارة وفخر لشقيقه
عامر :هايل يابشمهندس ، تطلع محنك ، ومخطط هندسي علي أعلي مستوي حتي جدولة الربح والتكلفه ممتازه ليجلس أحمد بإسترخاء علي مقعده كفرد من أفراد مجلس الأداره ويمد يده بالاوراق التي تخص المشروع أحمد : أنسه دينا هتوزع علي حضرتكم كل التفاصيل اللي تقدروا تقيموا بيها المشروع وينتهي أجتماعهم المغلق ،ويغادر الحاضرون قاعة الاجتماعات وهم يتهامسون ، ويبقي أحمد واقفًا يجمع اوراقه ليغادر ايضا فقترب عامر منه بسعاده : انا النهارده فخور بيك يا احمد ،وتأمل عامر ساعة يده الفاخمه بهدوء
عامر : اوعاك تنسي عشا النهارده ، مع محسن باشا وفريدة ..، وحاول تدي نفسك فرصة وتقرب من فريدة يا احمد وتنسي الماضي والماضي الذي يتحدث عنه شقيقه ، مهما مرت السنين لن يستطيع تجاوزه ..، لقد خسر محبوبته وزوجته ، خسرها قبل أن يمنحها ما تستحقه. الفصل الثاني ***** ذهبت “صفا” لعرس رفيقتها، وقد سمحت لها والدتها ، لعلها تشعر بالغيرة من رفيقاتها، وتقبل بالعريس الذي سيتقدم له بعد غد، بعدما أتفقت والدتها مع جارتها علي هذا الموعد.
التعمت عيناها بانبهار ، وهي تري سعادة صديقتها ..، وقد رفرف قلبها بمشاعر التوق لتصبح يوماً عروساً ، بل إنها تخيلت هذا اليوم ..، فادركت تلك اللحظة إنها بالفعل لا تنتظر رجلاً لن يمت بالواقع بصلة , ولا ذلك الكاتب الذي تعشقة دون سبب ، ولكن كل ما تتمناه أن تجد ما يُحرك قلبها ويدق من أجله ، وستنسي كل عالم الخيال وستعيش معه الواقع.
سافرت بخيالها نحو قصة حب صنعتها في عقلها ، وكالعادة الأحلام تأخذها لأعلي , لتأتي لحظة الإفاقة وتهبط علي سطح الأرض ولكن تلك المرة هبطت مفزوعة تشهق بذهول ، وهي تري أحد الصغار يسكب عليها كأس المياة الغازية بعدما تعثرت قدمه بأحد أسلاك الإضاءة و والدته تركض خلفه ، وتصرخ باسمه – أنا اسفه جدا هتفت المرأة عبارتها ، ثم التقطت ذراع صغيرها تسحبه معنفة له ، دون قول أخر لها بعد أتسعت البقعة فوق فستانها
– بدل ما أرجع لبطة بعريس زي ما بتتمني ، هرجع ليها بالبقعة ديه تمتمت عبارتها مستاءة ، وهي تنهض عن مقعدها تنظر نحو البقعة التي لطخت ثوبها ، ثم ودعت رفيقاتها من أيام الجامعة . ……………… ………………… ووسط مجموعة ممن يُماثلوه عمراً ومكانة ، كان يجلس “عامر” ضجراً من تلك السهرة التي لا تروق له ولكن يأتيها أحياناً حتي يرفه عن نفسه ويخرج من زي رجل الأعمال.
كانت هذه السهرة تضم الأصدقاء للترفيه بعيداً عن زوجاتهم .., نساء تحاوطهم حتي يتمتعن بلمسات ومداعبات وضحكات ليس إلا ..، داعبت إحدي النساء عنقه ، وقد كان يجلس بهيبته المعتاده, يحتسي مشروبه الخالي من الكحول, و يرمق بعض الأصدقاء ساخراً ، من سيل لعابه وهو يُلامس بكفه ظهر تلك الفتاه العاري ، وينظر لما اسفل عنقها – والباشا هيفضل بعيد عننا كتير هتفت احداهن عبارتها ، فالتفت نحوها ، بعدما دفع يدها بعيداً عنه متمتماً
– الباشا مستغني عن خدماتك أزدادت لوعة ورغبة وهي تري تمنعه ، فجلست جواره تفرض وجودها – ليه كده بس يا باشا ؟ رمقها “عامر” حانقاً ، وحاول النهوض حتي يرحل بعدما ازداد ضجره منها ، ولكن وجدها تلتقط كفه ، وتسبل أهدابها راجيه – خلاص يا باشا هبعد عنك ، مدام وجودي ضايقك كانت تظن أنها بنبرتها المستكينة ، الناعمة ستستطيع جذبه ..، ولكنها لم تكن تعلم أنها أمام أشد الرجال صلابة خاصة إذا رأي نظرات الوداعة من النساء
أطال النظر إليها ، وقد ظنت إنها استطاعت جذبه وتحريك غريزته ، ولكن الصدمة اعتلت ملامحها وهي تراه يخرج حفنة نقود من جزدانه ويلقيهم نحوها. ………… ……………. هل اليوم سيأتي ذلك العريس التي جلبته احدي جارتها ، تنهدت “صفا” حانقة ، وقد أنهت كل ما أمرت به والدتها ، ثم تنهدت بخيبة امل من استسلامها لمقابلة ذلك العريس المرحب به من قبل والدتها ووالدها … وانفردت بغرفتها أخيراً ، ثم امسكت بأحد اقلامها لتلون احد كلماته وقد سطرها في كتابه
لو كانت النجوم قريبه منا , نمسكها بيدينا، ما احس أحداً بصعوبه نيل بعض الاشياء ،ولو كان القمر ظاهراً لأعينا بشكله المعتم ما وصف به المحب حبيبته ،فجمال الاشياء ببعدها وجهلها ! افاقت من شرودها علي صوت هتاف والدها بها، فاغلقت الكتاب وخرجت سريعاً من غرفتها تعانقه كعادتها حينما تضجر او تحزن من شئ حسن : اوعي تزعلي مننا ياصفا ، انا عارف انك مش موافقه علي العريس ونفسك تتجوزي الانسان اللي رسماه في خيالك بس ياحببتي عمر الواقع مابقي خيال ولا خيال بقي واقع
فابتعدت “صفا” عن والدها تلتقط كفيه, تقبلهما – حببتي أيدي فيها شحم فتمسحت به “صفا” مازحه – ده أحنا نبوس الأيادي والرجلين ..، والعفريته كمان يا أسطي حسن كان “حسن” يعمل مصلح للسيارات ..، ابتسم الأسطي “حسن” وهو يجد صغيرته التي ستظل دوما هكذا أمام عينيه مهما كبرت – قولي بقي صلحت كام عربية ، ولا أنزل أنا بدالك الورشة وأوريك مواهبي ضحك والدها بملئ شدقيه ، يدفعها فوق رأسها برفق