………… نظر اليها “عم محمود طويلا” بعدما طال شرودها وهي تتأمل بعض الكتب والمجلات حديثة الاصدار عم محمود : مالك ياصفا يابنتي ، مش مبسوط ليه، شكلك كنتي في مكان وراجعه منه متضايقه فتنهدت “صفا” عدة زفرات متتالية ، تحمل يأسها : – مافيش شغل، مافيش شغل كله بالوسطه عم محمود : كلها أرزاق يابنتي، اسعي تاني واكيد ربنا مش هيسيبك وانحني صوبها قليلا يربت فوق ظهرها بحنان أبوي ، ثم التقط احدي المجلات القابعة علي تلك المنضده الخشبيه المتهالكه
عم محمود ، وهو يشير نحو المجلة ويعلم كم سيسعدها الأمر : – فيها اخبار عن كاتبك المفضل (مراد زين ) فيتلاشي عبوس “صفا”، وتتهلل اساريرها بغبطة ، وهي تلتقط منه المجله التي تتحدث عن كاتبها المتيمه باعماله .. طالعت بعض عباراته المصُرح بها عن اخر إصدار ورقي تم نشره وصور لبعض من الاشخاص الذين حصلوا علي توقيع منه بواسطة دار النشر التي لا يطبع إلا لها. رمقها “العم محمود ” وهو يري سعادتها العجيبة علي من يراها، ولكن هو كان يعلم مدي عشقها لهذا الكاتب ثم تمتم ضاحكاً:
– الكاتب المجهول (مراد زين) فاماءت “صفا” برأسها وتنهدت بحالمية وعادت تشرد في عالمها مع سطوره وتصريحاته – رجعتني للخيال ليه تاني ياعم محمود هتفت بها وهي تسبل أهدابها ، فنفرجت شفتي العجوز بأبتسامة واسعة علي هيئتها : – لو عايزه المجلة خليها معاكي ، عارفك بتحبيه قد ايه وبتحبي كل كلمه بيكتبها فرفعت عيناها نحوه ، وقد نهضت عن المقعد الجالسة عليه متمتمه بحماس – والله أنت راجل طيب يا عم محمود والتقطت منه المجلة بطفولة تليق بها
– محدش هيونسني غيره ، بعد رحلة البحث عن عمل .. اه بدل ما اكتئب , اعيش مع الخيال شوية ثم ودعته هاتفة : سلام ياراجل ياطيب ……………………………………………………… هناك شعور غامض كان يجثم فوق صدرها ، لا تعرف مهيتها ولا لما بدأت دقات قلبها تتسارع هكذا وأنفاسها تُسلب منها ..، ثقلت خطواتها ومهما قاومت ذلك الشعور ..، كان يعود ويقتحم قلبها ..، يُنبئها أن هناك ما ينتظرها. سكنت مكانها وهي تري سيارات اسعاف وعربات شرطه تقف .. وغبار يحاوط مدخل حارتها والناس يركضون ويلطمون كفوفهم ببعضهم
اغمضت عينيها حتي تتضح لها الصورة ولكن الصورة كان واضحة وهي تستمع لحديث الناس ، ركضت صارخة غير مصدقة ما سمعته ..، ولكن ما رأته كان هو الحقيقة ..، اشتدَّ الصراخ حولها ولكنها لم تكن تعلم اهو صراخها أم صراخ من حولها .. – لااا وضاعت بعدها في عالمها المظلم ، عالم قد خلي من أغلي ما ملكته وها هي الحياة تعلمها أقسي الدروس الفصل الرابع ********** عندما يخبروك أن هناك شطراً أخر من حياتك ستعيشه ، صدقهم ..، لا يختار أحداً فصله الجديد من رحلة الحياة ..، ولكن هناك ما تخبأه لنا الحياة في دفاترها.
وقفت “صفا ” تمسح دموعها بعدما توقفت قليلاً تلتقط أنفاسها وتبتلع تلك الغصة المريرة ، وبحرقة كانت تعلو شهقاتها بعد أن عادت دموعها مرة أخري تنساب فوق خديها بغزارة.. الألم ينهش روحها ، ونيران الفراق تحرق فؤداها – ليه سبتوني ومشيتوا ، أنا مبقتش عايشة خلاص خاطبتهم وكأنها تراهم أمامها ، ودموع أخري أخذت تُحرق خديها كم حرقت قلبها – أنتوا حتي مودعتونيش لم تتحمل الصمود في وقفتها ، فلم تشعر بساقيها وهم يرتخوا ، ثم هوت فوق الأرضية تستند بظهرها خلف الجدار ، وتضم جسدها بذراعيها وقد عادت تلك الرجفة تُصيبها ..
مر الوقت ، ولا تعلم كم مر منه وهي تجلس هكذا ..، وتتذكر والديها في بؤس لا تُصدق أنهم رحلوا وتركوها في منتصف الرحلة تمالكت حالها أخيراً ، وهي تنظر أمامها..، فعليها النهوض لتنظف منزل عمتها وتطهو الطعام ..، رغم أن عمتها تغضب كثيراً منها لقيامها بأعمال المنزل .., عمتها الحنون التي لولا وجودها هي وعائلتها الصغيرة لكانت ودعت حياتها وراء والديها. نهضت بصعوبة متجهة نحو دورة المياة الصغيرة ، تغرق وجهها قليلا بالمياة وتلتقط أنفاسها و تُحادث حالها
– مش هتقعدي عالة عليهم في البيت ، وكمان يخدموكي يا صفا بدأت بطيّ أكمام جلبابها المنزلي ثم ربطته في عقدة بعدما رفعته نحو خصرها حتي تتمكن من مهمة التنظيف، و باحدي المقشات التي تصنع من قش الأرز ..، اخذت تزيل الاتربة من فوق الأرضيات ، فمنزل عمتها بسيط لا يشبه منازل المدينة ، انحنت بجسدها تحمل الأغطية الصوفية البسيطة كي تُنفضها ، ولكن اعادتهم مكانهم وهي تتذكر أن عليها البدء في الغداء فلم يعد يتبقي الكثير من الوقت ، من عودة زوج عمتها “العم صابر” وعمتها من المزرعة التي يعملون بها.
اسرعت بخطوات سريعة نحو المطبخ ، والذي اصبح جزءً من يومها بإرادتها ، بعد ـن كانت لا تهوي الدلوف إليه وترغمها والدتها علي ذلك ..، حاربت بشدة تلك الغصة التي عادت تسحق فؤادها , وسرعان ما اطبقت جفنيها بقوة ،تتغلب علي دموعها العالقة ، شرعت في الطهو ولم تكن أعباء المنزل إلا راحة لها ، ورغم أن عمتها ستُعاتبها علي قيامها بكل شئ في المنزل إلا إنها تفعل كل ذلك برضي . تذوقت طعم الحساء وابتسمت بسعاده ، ولكن سرعان ما تذكرت والدتها ، ولم يكن الحنين ليتركها للحظات , لعلا نيران الوجع ترحمها قليلاً
” يابنتي ياحببتي اتعلميلك اي طابخه تنفعك ” وعادت الذكريات تتدافق على قلبها بمرارة ، فمهما حاولت إلهاء نفسها لا تستطيع وكل شئ يذكرها بهم ، مسحت دموعها التي أنسابت فوق خديها مجدداً الي ان تنهدت بانفاس مثقلة تجثم فوق روحها : – شوفتي ياماما اه انا بقيت ست بيت شاطره ، وبقيت اتحمل المسئولية ومبقتش مدلعه … وعادت للبكاء بحرقة وشهقات عالية صفا : اصل هتدلع على مين غيركم من بعدكم وعلقت عيناها بالسلسال الذي يلتف حول عنقها ، فمضته داخل كفها بشوق ثم فتحته ، تتأمل قلبه ومايحتويه على صورة والديها
فلم يتبقي لها من وجودهم سوى الذكريات وسلسال يحمل صورتهما اقتربت منها جنة ببطء بعدما دلفت للمنزل وعادت من جامعتها، وفي لحظة خاطفة باغتتها بدغدغة تُمازحها ، شهقت صفا بذعر ثم وضعت بيدها فوق قلبها تلتقط أنفاسها من أثر الخضة صفا: خضتيني ياجنه.. حرام عليكي جنه ضاحكه : الجميل سرحان في ايه ؟