سار عمران لا يعلم إلى أين وجهته، وجلس منفردًا بذاته يفكر في حظه اللعين السيء الذي ابتلاه بالعشقِ الخطأ جعله يهوى مَن لا تهواه وتفكر به يومًا، يرى في عينيها نظرات الكره وحبها لغيره يرى ما يجعله يعلم ويتأكد أن العشق له وجه آخر قاسي كان من نصيبه هو، لا يعلم لمتى سيظل يعاني من قسوته، كان يرى أن ابتعاده عنها قسوة لكنه وجد اقترابه منها عنوة أقسى، كل شئ يصدر منها يؤكد ذلك، رأى بعينيه لهفتها وحزنها على شقيقه، عينيها التي تفيض لغيره بالعشق، كل ذلك لأجل شقيقه ليس هو…يالك من قدر كتبت الحزن على قلب أعتى رجال نجع العمدة
وحاكمها، دمعة حزينة خائنة فرت من عينيه وسط دمعاته الحبيسة بقوة…يبكي لأجلها أيعقل! هو ذلك الشامخ الذي يقف يأمر وينهي ويحكم، يبكي الآن لأجل عهد! لمَ لا فذلك هو العشق وقسوته المريرة؟!! ❈-❈-❈ في المساء.. سارت إلى الأسفل عندما علمت بوجوده ليجتمع معهم في تناول العشاء، كانت تسير عهد بخطوات متهالكة ولازالت أثر صفعه لها يعلو فوق وجنتيها بوضوح، ابتسمت نعمة شامتة ما أن رأتها ورأت نتيجة مخططها الماكر غمغمت هامسة لـفهيمة الجالسة بجانبها: – كنه ضربها كيف ما جولتي صُح.
تطلعت تتفحصها بنظراتها الشامتة هي الأخرى وهي ترى ذاتها تثأر لابنها، فغمغمت تسألها بخبث: – إيه اللي عليكي دِه أنت ضربتها يا عمران وشها كلياته متعلم ياولديّ. وضعت يدها سريعًا فوق وجنتيها تتحسسهما واجتمعت الدموع داخل مقلتيها بحزن تحاول أن تمنعهم من السيل أمام أنظار الجميع حتى لا تزداد شمتاتهم، أسرعت تحرك رأسها نافية متمتمة بخفوت متلعثمة: – لـ….لاه لاه عمران معيمدش يدّه عليا واصل.
تطلعت نحوه مسرعة بنظرات متوسلة ترجوه ألا يفضحها ويقلل من شأنها أمامهما، تعلم أن غضبه لازال مسيطر عليه لكن لا تريد أن يفصح عما فعله مفتخرًا بذاته حتى لا يجعلها تشعر بالإهانة، ستضع عينيها أرضًا شاعرة بالخجل منهما.. وجدته يتطلع نحوها ورأى عينيها المعلقة عليه برجاء لمحه بسهولة داخل عينيها، فغمغم بجدية متعقلًا يؤكد حديثها: – لاه طبعا يمّا حديت ايه ده كيف أمد يدّي على مرتي، مرت عمران الچبالي محدش يجدر يهوب يمتها الله في سماه أكون دافنه بيدّي جبل ما يفكر في إكده.
نهض تارك المكان خلفه دون أن يستكمل طعامه وسار بخطوات متعثرة، تطلع نحو عهد الواقفة ترمقه بارتباك شاكرة ربها عما فعله وسترها أمام الحاقدين، لمح ابتسامة خفيفة تزين ثغرها وترمقه بامتنان كأنها تشكره، أومأ برأسه أمامًا عدة مرات يخبرها أنه قرأ نظرات عينيها وأدركها مثلما يفعل دومًا، وأردف بجدية هادئة: – بعد ما تخلصي وكل اعمليلي جهوتي رايد اشربها من يدك الزينة. ابتسمت بسعادة وقد تبدلت ملامحها الحزينة ووجها الشاحب شاعرة بلذة الإنتصار تحت أنظارهما ووجوهما الباهتة، جلست بسعادة وبدأت تتناول الطعام متمتمة بدلال زائد:
– وأنت يا عمران مهتاكلش ياحبيب جلبي لازمن تاكل. تطلعت نعمة نحوها بنظرات يملأها الغضب وامتعضت ملامحها بعدم رضا، فهمست لفهيمة بضيق وحقد: – بصي جليلة الحيا والرباية عتجوله إيه ومعاملاش حساب لوچودنا جدامها، حبيب جلبها جال چتها واجعة في جلبها توجفه ونرتاح منيها وش الخراب الشوم دي. نكزتها فهيمة بخفة حتى لا يستمع إليها ابنها المتطلع نحو عمته ويبدو أنه علم مغزى حديثها فعقبت مسرعة بجدية وتعقل: – بس بس ميصُحش إكده عمران لساته واجف.
فعلت ما تريده وصمتت وهي تمصمص بشفتيها في غضب وعدم رضا والغيرة تعميها والحقد ينبش في قلبها وعقلها ذو التفكير الشيطاني. عاد عمران ببصره نحوها تقف تطالعه بابتسامة واسعة تزين وجهها وكأن روحها قد عادت مرة أخرى في جسدها والدماء المتجمدة عادت تسير وردت إليها من جديد، فأجابها بهدوء مبتسمًا وعينيه مثبتة نحوها: – لاه يا عهد مرايدش الوكل دلوك هبجى اكل بعدين.
سار تارك المكان خلفة بهدوء شاعرًا بضربات قلبه تزداد كمراهق ومحبوبته ستأتي الآن للمرة الأولى، هو حقًا يشعر بمشاعر مختلفة لم يشعر بها من قبل، كل شيء معها جديد، عمران الجبالي معها شخص آخر غير ذلك الصارم الشامخ الذي اعتاد عليه الجميع، هو معها طفل صغير ينتظر تدليلها الذي يسعد قلبه ويجعل ضرباته تزداد بعنف كالطبول، أمامها عمران عاشق ولهان ينتظر القليل منها ويرضى به بجعله يشعر بالسعادة وفرحة العشق التي حُرم منها.. جلست تتناول طعامها مبتسمة عندما رأت نظرات نعمة وفهيمة المسلطة نحوها بغيظ مكتوم، تمتمت نعمة بمكر غاضبة:
– والله يا فهيمة ياخيتي في بنتة الوجت ديه يستاهلوا الجتل كيف ما كان بيحصُل فيهم جبل سابج، بجى مين يصدج أن مرت الكَبير منيهم. أكدت حديثها ووجهت بصرها نحوها ترمقها باحتقار وازدراء مقللة من شأنها: – مرت الكَبير عينها مكشوفة معتتكسفش، عتعمل الغلط وتجف جدام الكل كنها عملت الصُح، ربنا يبعدها عنيه ويشوفها عمران كيفي لچل ما تاخد حسابها وتتحاسب على يده وانتي خابرة حساب عمران واعر جد ايه. كانت تحاول أن تجعلها تخاف منه ليظل هناك حاجز سام بينهما لكن عهد فقد ازدادت سعادتها بعدما فهمت ما تريده وأجابها ببرود مدللة يتنافى لما استمعت لتخبرها بفشل ما تريده:
– كنك انتي ياست فهيمة اللي مخابراش عمران، دِه مفيش أحن منيه ولا من جلبه لما يعشج أسأليني أني مچرباه. صاحت بها بحرقة وغل أخرستها، تريد أن تخرسها ملتقطة أنفاسها بصعداء: – اتحشمي يا به كيف عتتحدتي إكده جدامي جليلة الحيا وعينك مكشوفة كيف ما جولت. نهضت من أمامهما تسير بدلال مغمغمة ببرود: – أني مجولتش حاچة عفشة ولا بتحدت عن راچل غريب أني بتحدت عن عمران راچلي، هلحج اعمله الجهوة الزينة كيف ما طلبها من يدّي.
اختفت عن أنظارهم الغاضبة وبدأت تعد القهوة بعناية كما طلبها منها واضعة يدها فوق قلبها الذي يدق بعنف طالبة منه الهدوء شاعرة بالانتصار عندما رأت غضبهم وغيظهم منها علمت أنها استطاعت الثأر لحقها.. غمغمت فهيمة بغيظ والدماء تغلى داخل عقلها: – البت ديه ميتسكتش عنيها بزياداها إكده لازمن تتأدب يا نعمة. أيدتها نعمة مسرعة بلهفة ماكرة: – أني جولتلك مـاللول انتي موافجتنيش هي كيف الحية لازمن نجقطعُ راسها وسمها لچل ما تبّعِد عنينا.