خرجت بدور من المنزل الخاص بعائلة الجبالي وأحلامها تسيطر عليها بعدما ظنت أن الحياة ستفتح لها بال من أبواب الجنة وستقدمه إليها بتلك السهولة، وبدلًا من أنها كانت خادمة في ذاك المنزل الفخم هي ستصبح زوجة أحد ابنائه، ابتسامتها تتسع ولا شيء يضاهي فرحتها الواسعة، بعدما ستحصل على ما كانت تتمناه يومًا ولم يأتِ ببالها لوهلة واحدة. سارت أسفل المنزل بخطوات واسعة لتجده في انتظارها كما أخبرها، اقتربت تحتضنه بسعادة: – ربنا يخليك ليا يا سي حسن ويچبر بخاطرك يارب كيف ما هتسترني أني وولدك.
لم يبادلها مشاعرها المبتهجة أبعدها عن أحضانه بحدة ورمقها بنظرات حادة جعلها تشعر بالدهشة والقلق المضطرب الذي سيطر على قلبها بعد حدته المضطرمة لكنه لم يهتم صدح صوته بجدية محتدمة: – يلا جدامي خلينا نخلص جبل ما حد ياخد خبر. سارت أمامه بخطوات واسعة، يسير داخل أماكن مظلمة تجعل الخوف يسيطر عليها مع كل خطوة تخطيها معه، لكنها تحاول الثبات وتطمئن ذاتها أن كل شيء سيتم على ما يرام كما أخبرها وأنه فقط يسير من ذاك الطريق الحالك حتى لا براهما أحك وينكشف أمرهما.
لكن هناك رجفة قوية سارت في جسدها بالكامل عندما شعرت بذراعه الصلب وهو يحيط خصرها بقوة ليجعلها تقترب وتسير مع خطوته، طالعته بوجه شاحب يبدو عليها الخوف تطلعت نحوه بنظرات قلقة قابلها بابتسامة باردة ولا مبالاه، تفاجأت به عندما وقف فجأة يتطلع حوله وكأنه يبحث عن شيء ما، كانت صامتة في البداية لكن صمتها لم يدُم طويلًا وهو يتلاعب بأوتارها الخائفة بمهارة ويجعلها تمـ,ـوت رعبًا، بللت أطراف شفتيها تحث ذاتها على الحديث وصدر صوتها المتسائل خافتًا بضعف:
– في حاچه يا سي حسن؟ أحنا واجفين إكده ليه عاد؟ اقترب بشدة بوجهه أمام وجهها وأنفاسه تلفح وجهها وهمس داخل أذنيها كفحيح الأفعى بمكر متماثل: – هتعرفي كل حاچه يا بدور. قبل أن تزداد تساؤولاتها تفاجأت بوجود بعض النساء حولها، جميعهم يرتدون عباءات سوداء ولم تنجح في التعرف على وجوههم في ذاك الظلام الدامس، اتسعت عينيها بطمع عندما تفاجأت به يخرج حفنة من المال يعطيها إليهم معززًا فعلته بحديثه المبهم: – كيف ما اتفجنا وزيادة هبابة كُمان.
قبل أن يفكر عقلها في المقابل تم تنفيذه تفاجأت به وهو يدفعها نحوهم وهم يستقبلونها بعنف قابضين فوق خصلات شعرها وبدأوا يشددون إليها بعض الضـ,ـربات المبرح فتعالت صرخاتها تشق سكون الليل وهي تهتف باسمه بعد أن رأته سيذهب ويتركها في براثنهم: – لاه يا سي حسن لاه ربنا يخليك بلاش تهملني ليهم إكده، هعمل كل اللي تؤمرني بيه، بلاش إكده يا سي حسن.
لم يبالِ بصرخاتها سار يستكمل طريقه دون أن يهتم، وهم مستمرون في فعلتهم لكن قامت أحداهم بوضع يدها بقوة فوق فمها لتمنع تعالي صرخاتها، لم يصدر منها بعد ذلك سوى همهمات عالية متأوهة منها تدل على وجعها، تركوها بعد أن سالت الدماء منها معلنين على نجاح فعلتهم وما طُلب منها، تركوها ملقاة أرضًا تلهث وتعافر لالتقاط أنفاسها وهي بين اليقظة والفقد لوعيها، علمت أن هذا حق فهيمة وما تسببت في فعله لها، نتيجة تنفيذها لمؤامرتهم القذرة، ماذا كانت تنتظر منه وهو مَن تسبب في أذى والدته، كيف كانت حمقاء ووثقت به، حياتها تمر أمام عينيها بحسرة وندم، وهمست بينها وبين ذاتها
بتوعد: – لاه يا ولد الچبالي أني مهسيبش حقي ولا حق ولديّ اللي راح فطيس. إلى هنا ولم تستطع أن تبقى، انهارت كل ما مشاعرها وفقدت وعيها، بقيت ملقاة أرضًا بين دمائها ولم تشعر بأي شيء الآخر بعد أن نالتها رحمة ربها لترحمها من أوجاعها وسوط عقلها الذي استيقظ بعد أن شعرت بالظلم التي فعلته..
عاد حسن منزله ببرود كما لو أنه لم يفعل شيء لكن في الحقيقة هو شعر بالارتياح واطمأن قلبه بعد تخلصه من تلك الفاجعة التي حلت عليه وكانت ستتسبب في كشف أمره ومخططه الذي دام طويلًا واقترب كثيرًا، أصبح يحلم وينتظر ذلك اليوم بلهفة ضارية، وعينيه تلتمع بالشر. ❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈
آتى اليوم الموعود والمنتظر لحسن الجبالي وحمدي، اليوم سيتم تسليم أكبر صفقة سلاح داخل النجع، سيفعل ما يريده في بلده، سيثبت لهم سيطرته ونفوذه الواسعة، في ظلمة الليل الحالك بالقرب من الجبل يقف حسن وبجواره حمدي وبعض الرجال الآخرين خلفهم، وعلى الجهة المقابلة يقف حشد هائل من الرجال ليتسلموا السلاح، تحدث كبيرهم بجدية ورجاله يلقون بعض الحقائب السوداء: – دي الفلوس يا حسن زي ما طلبت بالظبط، فين الأمانة؟ ابتسم حسن بسعادة وأشار لرجاله للتأكد مما داخل الحقائب، وأجابه بابتسامة ماكرة:
– الأمانة موچودة ومحفوظة كيف ما وعدت، كلمة حسن الچبالي سيف. أشار إلى حمدي ليحضر المطلوب فذهب ومعه الرجال وآتوا يحملون الصناديق الخشبية ويضعونها أرضًا بابتسامة سعيدة تدل على انتصارهم، واسترسل حسن حديثه من جديد: – الأمانة عنديك وخروچك من النچع عليّ كيف دخولك. حملوا الحقائب واستعدوا ليذهبوا لكن فجأة تعالت بعض الطلقات النارية وصوت كبيرهم وهو يهتف باسم حسن بغضب عارم بعد أن انتفخت أوداجه وتشنج عضلات جسده: – عندك يا حسن يا جبالي السلاح مضروب مش أبو الحكم اللي هيتضحك عليه.
التفت حسن نحوه ومعالم الصدمة تعلو وجهه كما فعل حمدي أيضًا، وأسرع نحو الصناديق ليتأكد من صحة حديثه وتفاجأ بصدمة لم يتوقعها، حقًا هذا السلاح مزيف، تطلع نحو حمدي بنظرات متسائلة بادله إياها وكلاهما لم يفهم سبب ما حدث ومَن قام بفعل ذلك، استرسل الآخر حديثه بجدية محتدمة وهو يرفع سلاحه بوجهه كما فعل رجاله أيضًا: – حسن هات فلوسي سلاحك ميلزمنيش، ابقى وزعه على رجالتك. وقف حسن بعقل شارد لا يدري ماذا يفعل ويفكر مَن من الممكن أن يقوم بفعلها لكنه تحدث بتعقل لتهدئة الأمر:
– اللي عتعمله دلوك ملوش لزوم صدجني، احنا حبايب وهنفضلُ حبايب وفلوسك موچودة.
أشار لرجاله بوضعها أرضًا فهدأ الأمر قليلًا وتم نزول جميع الأسلحة المصوبة، التفت حسن ليتحدث مع حمدي بجدية لكن بصوت منخفض لم يصل إلى أحد من الواقفين يريد أن يتأكد أنه لم يفعلها، فأكد له حمدي حديثه وأقسم أنه ليس هو مَن قام بتلك الفعلة، تأكدت ظنون حسن وعلم أن لم يفعل ذلك سوى عمران شقيقه بالطبع، ذلك الماكر كان يعلم بما يفعله والآن أفسد عليه صفقته بتلك الفعلة الغير مصدقة إلى الآن، تطلع نحوهم مرة أخرى وتفوه بجدية والغضب ينبعث من ملامح وجهه التي اشتعلت كجمرات نارية، ولكن ما بداخله أوشك على الانفجار حقًا:
– دلوك الفلوس عنديك أني مهاخدش مليم واحد منيك يا ابو الحكم، احنا حبايب وبيناتنا كَتير، بس اللي عمل العملة الخسيسة ديه عمران أخوي، دلوك جدامك إنك تجف معاي وتساعدني نهچمُ النچع وتاخد اللسلاح ونص اللفلوس كُمان، أو تاخد فلوسك وأني هشوف مين يساعدني في العركة وياخد اللسلاح بنص اللفلوس. تطلع حمدي معترضًا وتحدث مستنكرًا بمعالم يملأها الصدمة: – كيف عتجول إكده، چرا لعقلك إيه أومال. أجابه هامسًا بصوت منخفض ماكر: -إكده أو إكده هنخسرُ ومهناخدش اللسلاح من عمران وأنت خابر زين إكده يبجى خسارة نص اللفلوس ودمار عمران أحسن كَتير.
اقتنع بحديثه فقابله بالصمت، وعاد حسن يلتفت إلى أبو الحكم متسائلًا بجدية: – ها إيه جولك في حديتيّ. طال صمته قليلًا وبدأ يفكر في مكاسبه من بعد مساعدته له، رأى أن في جميع الأحوال هو أن يخسر شيء، إذا نجح في الحصول على السلاح فسيوفر نصف سعره، وإذا لن ينجح في فعلها فهو لم يخسر شيء في النهاية سيحصل على فلوسه، اتسعت ابتسامته بطمع وأجابه مؤيدًا بجدية: – ماشي يا حسن أنا معاك وهساعدك عشان اللي بينا، شوف عايز تعمل كده امتى وأنا جاهز.
لم ينتظر طويلا وأجابه بغضب عارم ونيرانه المضطرمة تسيطر عليه: – من دلوك چهز حالك ورچالك ونهجمُ عليه. بدأ كل منهم يعد ذاته ورجاله للهجوم على النجع وحسن تتعالى أحلامه في السيطرة عليه ليبقى هو الكبير، يعلم أن ذلك لن يحدث سوى بقتـ,ـل عمران شقيقه، الانتصار عليه وحده لن يكفي لتدمير ذاك الجبل الشامخ الذي لن يهتز مع الرياح ولن ينهار مع الطعنات لابد من تدميره بالكامل والقضاء عليه، حين ذلك سيصبح هو الكبير الحاكم للنجع ويشعر أنه انتصر في معركته وحصل على ما يريد، تعالت أحلامه حتى ظن أنه لن ينجح في تحقيقها لكنه ها هو الآن سيحققها..
سار بحشد هائل من الرجال متجهين نحو منزل الجبالي لتحقيق هزيمته داخل وكره، وصلوا جميعهم أمام المنزل ولكنهم تفاجأوا باستعداد عمران ورجاله كأنه كان يعلم أنهم سيأتون إليه وينتظرهم وهو على أتم استعداد بأسلحته ورجاله، أشار إلى أحد الرجال ليغلق الباب الداخلي للمنزل كما أمر حتي يحمي نساءه وهناك مَن يتواجد معهم بالداخل لحمايتهم. وقف حسن أمامه بنظرات غاضبة وسأله بحدة: ـ فين اللسلاح بتاعيّ يا عمران؟ قابل سؤاله المحتدم بابتسامة باردة ورد ساخرًا بتهكم:
– سلاح إيه يا ولد أبويّ مخابرش حاچه عنيك، ولو صُح عتشتغل في اللسلاح يُبجى حاچتك مع الحَكومة يا أخوي مش معايّ. انتفخت أوداجه غضبّا وصاح به بعنف: – الحاچه معاك. يا عمران وأني خابر إكده زين. لازال يجيبه ببرود: – الله في سماه حاچتك دلوك ما معاي. طالعه بأعين تزداد شراسة واسترسل حديثه متوعدًا: – يُبجى أنت اللي اختارت يا عمران.