تعالت الطلقات النارية المتبادلة بينهم تشق سكون الليل وتقبض قلوب مَن في الداخل، لا أحد يفهم ماذا يحدث في الخارج ومَن الفاعل، كان عمران في البداية يفرض سيطرته التامة على الأمر، إلى أن تفاجأ بعدد قليل من رجاله أصبح يضـ,ـرب ضده، اتسعت عينيه بصدمة لكنه بدأ يتدارك الأمر وعاد يستكمل أمامهم ببسالة واضحة، لا يخشى أحد ولا يهاب المـ,ـوت. تراجعت بعض رجال أبو الحكم بخوف عندما شعرت بهزيمتهم والنتيجة بدت معلومة إليهم بوضوح فلمَ الانتظار؟
ابتسم عمران بسعادة وكبرياء بعدما فرض سيطرته وبرز انتصاره، لكن نيران حسن لم تخمد الغيرة والغضب يسيطران عليه، في كل مرة يرى انتصار عمران عليه بعد أن غامر بكل ما لديه، اقترب غاضبًا قبض فوق أطراف جلبابه وبدأ يسدد له بعض الضـ,ـربات القوية تفادى عمران بعضها وبادله مثلها لكن بقوة تزداد، حتى استطاع دفعه أرضًا وهو يصوب سلاحه نحوه، فبدا الخوف على حسن الذي أصبح لا حول له ولا قوة الآن ملقى أرضًا وقلبه يرتعش برعب، بقي عمران ينظر إليه طويلا يرى خوفه ورهبته الشديدة فالتقط أنفاسه وقرر العفو، لم يفعلها ويقـ,ـتل شقيقه، تحدث بجدية حادة:
– قوم امشي يا حسن وملمحش خيالك في النچع بعد إكده. التفت يعطيه ظهره ويسير لكنه تفاجأ بصوت حسن الخافت يستوقفه: – عــمــران.. التفت نحوه يطالعه بنظرات مجهولة وجده يقف أمامه بعدما نهض، ولكن قبل أن يستوعب شيء وجده يرفع سلاحه بوجهه بغضب عارم: – اتشهد على روحك يا ولد أبويّ.
لم يفكر كثيرًا وخرجت من مسدسه طلقة نارية تعلم مقصدها واستقرت في جسد عمران في منتصف صدره تحديدًا، الذي وقف يطالعه إلى الآن بعدم تصديق ولكن حسن لم يهتم بعد أن سيطر الغل والغضب على فؤاده فجعل نيران عقله تشتعل من جديد بعدما أعماه الانتقام بنيرانه المضطرمة، لن يستسلم للهزيمة حتى وإن كان سيصبح خائن بعدما تم العفو عنه، كاد أن يصوب نحوه عدة طلقات أخرى لكن أسرعت رجال عمران برئاسة أكرم يلتفون حوله ويقيدون مانعين إياه من فعلها مرة أخرى.
لم يظل عمران أن يبقى واقفًا بشموخ كما اعتاد، فاليوم سنعلن عن تدمير الجبل الشامخ بعد طعنه بقوة غدرًا وعلى يد شقيقه، سقط جسد عمران أرضًا وأغمض عينيه ببطء وهو لم يتذكر سوى ابتسامة معشوقته ومعهودة فؤاده، ابتسامتها الرائعة التي ودعته بها قبل أن ينزل، واعترافها له بالحب الصادق، تم ورحيله عن قسوة العالم الذي رآه وغدره، لكنه راضٍ تمامًا عن حياته وقدره هو كان لم يريد من تلك الدنيا سوى تحقيق عهده واجتماعه بها ولكن نالته رحمة ربه عندما جعلها تبادله مشاعره العاشقة وعلم بعشقها فدقت طبول فؤاده وتعالت نبضاته، داهمت ذكرياته معها عقله منذُ أن رآها بعينيه للمرة الأولى
واستحوذت على فؤاده حتى وداعه الأخير لها تلك الليلة تزامنًا مع غلق عينيه وفقدان وعيه بابتسامة عاشقة. ليُكتب اليوم عن نهاية حياة كبير نجع العمدة، رحيم القلب المحب من جميع أهالي النجع على يد شقيقه، وبدء مرحلة جديدة للنجع يسودها الظلم والفساد، على يد حسن الجبالي بعد أن عادت رجاله من جديد بعلمهم بنهاية عمران ليسيطروا على الوضع وتعالى الهتاف باسمه معلنين أنه أصبح حاكم نجع العمدة وكبيره.. -❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-
في الصباح اليوم المعهود الذي انتهى بفراق عمران الجبالي للحياة على يد شقيقه وقبل تلك الأحداث الفاجعة، كانت تقف عهد داخل غرفتها بسعادة بعدما تأكدت ظنونها لإرهاقها الدائم في الفترة الأخيرة، كانت تتجاهل الأمر في البداية لكن مع مرور الوقت وتجدد شعورها بالإرهاق ظنت أنها حامل لكنها لم تخبر أحد حتى تتأكد من صحة ذلك الخبر وها هي الآن تأكدت هي ستصبح أُمًا لطفلها من عمران الجبالي زوجها وحبيبها، ابتسامتها تتسع بفرحة وتداخلت مشاعرها بين الغبطة والخوف من أصحاب النفوس الخبيثة الماكرة، لكنها نفضت جميع أفكارها بعد أن سيطرت عليها سعادتها الطاغية وهي تفكر في مولودها القادم، ستخبره هو بالطبع أولًا
لكن الخبر لابد من أن يكون مميزًا ليبقى معلقًا خالدًا داخل ذهنه. استلقت فوق الفراش بهدوء وهي تمرر يدها بحنان فوق بطنها حيث يتواجد صغيرها تشعره بحنانها الذي ستغمره به حين يصل إلى الدنيا وتلامسه أناملها، تزداد ابتسامتها اتساعًا وشعور فرحتها الآن لا يضاهي أي فرحة لها من قبل، تحمل طفلها ممَن أحبت وتمنت، ها قد تحقق حلمها الآن.
ظلت على وضعها منغمسة في أفكارها حتى آتى الليل بظلمته الحالكة نهضت تعد ذاتها لاستقباله عندما اقترب موعد عودته، ترتدي قميص طويل من اللون الأبيض الشفاف الذي يبرز جمال مفاتنها يصل إلى كاحليها وفوقه المئزر الخاص به من نفس اللون، ثم وقفت تهندم من شعرها تاركة إياه ينسدل خلفها بكبرياء وتتمسك بالكحل الأسود لتضعه داخل عينيها الواسعة فيبرز جمالهما الخلاب، وأنهت لمساتها الساحرة والخاطفة للأنفاس بوضع أحمر شفاه من اللون الوردي الهادئ ثم وقفت تتابع هيئتها بإعجاب صارخ تنتظر عودته ليعزز مشاعرها ويرضي كبرياءها الأنثوي كما اعتادت.
وجدته يدلف الغرفة بملامح وجه مجهدة تبدلت تمامًا عندما رآها واتسعت ابتسامته بإعجاب يرضيها جيدًا، اقتربت منه بخطى واسعة تحمل قفطانه عنه وتساعده في خلع جلبابه لكنه تمسك بيدها يمنعها مغمغمًا بجدية: – لاه يا عهد لساتني هنزل تاني أخلص بجية الشغل. اومأت برأسها أمامًا بهدوء فوجدته يجذبها داخل أحضانه وشدد من ضمه لها بمشاعر عاشقة هامسًا داخل أذنيها بشغف: – كيف البدر المكتمل ليلة تمامه يا عهد الجلب،الله في سماه الجلب عاشجك وحباله دابت من حبك اللي اتزرع چواه وتعبه ليالي كانت الليلة كنها سنة تقسم الحيل والجلب.
ابتسمت بسعادة وهي تبادله أحضانه الحنونة بحب: – سلامتك من التعب وقسمة الجلب. تحولت نبرتها إلى أخرى متسائلة بهدوء: – هتنزل تاني ليه صُح ما تخليك چار مرتك حبيبتك؟ صدر عنه تنهيدة حارة تعكس مدى اشتعال أفكار عقله، وانشغالها لابد أن هناك أمر هام سيحدث، لكنه حاول أن يخفي عنها كل ذلك وأجابها بتعقل: – ومين ميتمناش يُبجى چار مرته اللي معيعشجش غيرها عاد؟ بس لازمن ابجى تحت دلوك مع الرچالة.
سار نحو الخزانة يفتحها ويخرج منها سلاحه الخاص ليضعه داخل جلبابه تحت أعينها المتسعة بصدمة والخوف الذي سيطر على فؤادها الممزق، وتلك الغصة القوية التي تشكلت في حلقها جميعهم يؤكدون أن هناك أمر ما سيحدث، اقتربت تحتضنه مجددًا وتسأل بهدوء: – في حاچه ولا إيه يا عمران؟ أجابها نافيًا بعجالة وهو يعد ذاته للذهاب: – لاه مفيش جولتلك هجف مع الرچالة تحت. أومأت برأسها أمامًا بعدم اطمئنان واقتربت تلقي ذاتها داخل أحضانه قبل أن يخرج وأردفت هامسة بابتسامة:
– أني عندي ليك خبر حلو يستاهل يفرح جلبك ويروق بالك بس لما تطلع هجولك عليه، متعوجش عليّ. أومأ برأسه في صمت وسار نحو الأسفل بينما هي وقفت تطالع أثره وهو يختفى من أمام عينيها مع كل خطوة يسيرها وينقبض معه فؤادها، تشعر أن هناك شيء ما سيحدث لكنها تدعي ربها راجية بقلب صافٍ: – ربنا يردك ليّ ولولدك بالسلامة يا عمران يا ولد فهيمة ويخيب ظني. بقيت تدعي له ألا يصيبه مكروه وقلبها إلى الآن لم يطمئن لما هو قادم دون أن تعلمه.
تفاجأت بوجود بعض رجال عمران معهم بالداخل يطالبون بتجمع الجميع في الأسفل، أسرعت ترتدي عباءتها السوداء واضعة وشاحها فوق رأسها وسارت بخطوات واسعة شبه راكضة نحو الأسفل، تفاجأت بوجود الجميع وتلك الرجال تغلق الباب عليهم ويقفون معهم بالداخل، تطلعت نحوهم متسائلة بدهشة وهناك غصة قوية تعتصر فؤادها لتعلم أن ظنونها صائبة: – في إيه؟ إيه اللي بيحصُل إهنيه؟ أجابها أحدهم باحترام وهو يحافظ على عينيه أرضًا: – ديه أوامر چاية من الكَبير ومحدش يجدر يعارضها.
نيران مشتعلة تسيطر على فؤادها خوفًا عليه، نظراته معها قبل ذهابه كانت تخبرها أن هناك ما يخفيه عنها، تدعي له بقلب متضرع راجية من ربها حفظه لها وعودته إلى أحضانها وأحضان ولده القادم، جلست وعينيها معلقة صوب الباب منتظرة دخوله منه لترتمي داخل أحضانه، تتطلع نحو جميع مَن حولها ولا أحد يفهم ما بداخلها، تتطلع نحو نوارة الجالسة بجانب نعمة فوق الأريكة ببرود، وفهيمة الجالسة بضعف فوق كرسيها المتحرك بعدما أحضرتها صفية إلى الأسفل ودموعها تسيل فوق وجنتيها بصمت لكنها لم تقوَ على الحديث.
تأكد كل منهم مما يدور بداخلهم عندما استمعوا إلى الطلقات النارية ترتفع بالخارج فنهضت عهد مسرعة راكضة فوق الباب تحاول الخروج لتطمئن عليه لكن أسرعوا يمنعونها مردفين بقلق وجدية: – مينفعش يا ست عهد، سي عمران جايل محدش يخرچ
ومنبه عليكيّ بالذات. اعتلى نحيبها عاليًا واسترسلت حديثها من جديد برجاء: – أني رايدة اشوفه واطمن جلبي عليه، خرچوني لچوزي. حاولوا منعها بضراوة تنفيذًا لأوامره الصارمة، ظلت واقفة بجانبهم تبكي ويتعالى صريخها كلما تتعالى صوت الطلقات تشعر أنها تأتي في قلبها ليست في الخارج.
بينما نعمة اتسعت ابتسامتها الماكرة متذكرة فعلتها الخبيثة مع رجال عمران، هي مَن جعلتهم ينقلبون عليه مقابل المال لتدعم زوجها عندما رأته يطالبهم بالاستعداد في ذلك اليوم بالتحديد، تجلس بلهفة منتظرة انتصار زوجها لتفرض سيطرتها على النجع بالكامل، أول شيء ستفعله حينها أنها ستلقن عهد درسًا لن تنساه مجددًا ثم تلقيها للذئاب حتى يفترسونها وهي تشاهدها بأعين مبتسمة سعيدة لتشعر حينها بعودة حقها وكبريائها. استعادت وعيها من ذكريات الماضي لذلك اليوم المشؤوم عندما فُتح الباب لها وهتافهم باسم حسن الذي تعالى جعلها تتأكد أن هناك شيء سيء قد حدث لزوجها لا تعلم ماذا تفعل في تلك الفاجعة.
انطلقت راكضة دون تردد نحو الخارج تبحث عن زوجها لكنها صعقت عندما رأته ملقَى أرضًا وبعض الرجال الذين يعملون معه يقفون حوله، تعالت صرختها باسمه المقهورة بحزن أفتك بقلبها: – عـــمـــران…لاه يا عمران متهملنيش. دنت بجانبه بحزن ووضعت وشاحها فوق صدره حيثُ تسيل دمائه وتابعت صراخها بانهيار: – جلبي ميجدرش على فراقك يا حبيب جلبي وروحيّ، قوم يا عمران لچل خاطري عنديك.
ازداد نحيبها دون جدوى فتطلعت نحو أكرم الذي كان يقف بجانبه يطالعها بحزن ضاري، يشعر بالحزن لفراقه الجميع يحبونه لطيبة قلبه ورحمته معهم، تعالت صرخاتها مجددًا وهي لازالت تحاول أن تجعل الدماء التي تسيل من زوجها تتوقف بشتى الطرق لكنها لم تنجح: – دَكتور بسرعة هات الدَكتور أو أنقله مهجعدش أشوف چوزي وهو بيروح مني، أحِب على يدّك ساعدني متهملهوش إكده، هو وعدني جبل سابج إن عمره ما هيهمنلني ويكوي جلبي العاشج بنار الفراق هو وعدني.
ظلت تكرر طلبها من جميع الواقفين وهي تحتضنه بضراوة، وعينيها ترسل نظرات حزينة يسودها القهر لما حدث لزوجها ولكن أثناء انغامسها في كل ذلك تفاجأت بمَن يقبض فوق خصلات شعرها بقوة كاد يقتلعهم من رأسها فاعتلى صراخها المتألم لكن ذلك القاسي لم يهتم لأمرها ولا لوجهها لم يكن سوى ذلك الوغد القاتل حسن، يجرها أرضًا بعنف ولازال متمسك بخصلات شعرها وهي تتمسك بعبائتها بقوة لتخفي جسدها من تلك الأعين المجتمعة، يعيدها نحو الداخل من جديد ويمنعها مع البقاء بجانب زوجها، دفعها بقوة أدت إلى ارتطام رأسها بعنف فوق الأرض الصلبة وبأعين قاسية يتطاير منهما الشرر والانتقام: