Uncategorized

نيـ,ـران نجع الهوى ٥

تطلع نحوها فوجدها تطالعه بعتاب والحزن يبدو بوضوح فوق قسمات وجهها بعدما تذكرت ما فعله أمس، للمرة الأولى تهتز ثقته بها، يعلم أنه أخطأ عندما سار خلف ظنون كاذبة، لم يتأكد من صحتها فحاول التحدث معها بهدوء وندم: – حجك عليّ يا جلب عمران ونن عينيه التنين من چوه. حاولت ألا تنظر داخل عينيه حتى لا تتأثر، وهتفت تجيبه بنبرة يتغللها الحزن: – هو أني لو جلب عمران صُح كيف ما عتجول مكنتش عِملت فيا إكده ولا صدجت حديت الخسيس أخوك.

أكملت حديثها بجدية يتخللها بعض الحدة قليلًا: – أني لو مرايدكش يا عمران مكنتش سلمتك حالي وجلبي. نهضت مبتعدة عنه توليه ظهرها حتى لا تتطلع نحوه، علم بالحزن الذي يملأ صوتها مما فعله أمس شعر وكأنه خنجر قاتل أصاب قلبه، وكاد ينهي حياته، نهض يتبعها وضمها من الخلف بمشاعر شغوفة بصدق هامسًا بندم داخل أذنيها:

– الله في سماه جلب عمران خالي من أي حاچه إلا عشجك يا عهد الجلب، أوعاكي تعيدي الحديث الماسخ دِه تاني، أني غلطت ومعاكي حج تزعلي وأني أراضيكي، بس والله غصب عنيّ غيرتي عليكي عمتني وخلتني أعمل إكده بس حجك على جلبي، أني متحملش بعادك عنيّ. استسلمت داخل أحضانه بعدما شعرت أنها ملكت العالم بأكمله بعد حديثه العاشق الذي داعب فؤادها لينهي جميع جراحه. لكنها لم تتنازل عن كبريائها بعد فعلته ليلة أمس، فظلت صامتة تخفي مشاعرها بداخلها وابتعدت عنه متحاشية النظر داخل عينيه المثبتة نحوها.

هو مَن جعلها تعلم معنى الحب بعدما رأت غرامه الكبير لها، تعلمت كل شيء على يده، لم تنكر أن حديثه أسعدها كثيرًا لكنها تفعل ذلك حتى لا يعيدها مرة أخرى، تلك الأنثى الماكرة تتلاعب بأوتار قلبه المغرم بمهارة حتى تسترد كبرياءها من جديد. ❈-❈-❈

داخل الوحدة الصحية كانت تقف إيمان تستند على جدار الغرفة بمفردها بعد أن أعدت والدتها كل شيء لعودتها إلى المنزل لكنها ذهبت تأخذ بعض التعليمات الهامة من الطبيب الذي قال أنها بخير الآن لكن الحقيقة تنفي ذلك هي ليست بخير، هي فقدت طفلها ومعه فؤادها الذي تحطم تمامًا واتملأ باللون الأسود الحالك الذي يعبر عن حياتها القادمة في مصير مجهول وقدر اشتد قسوته عليها، ليسلب منها سعادتها وأحلامها والإن هي تجر خيبة آمالها المبعثرة وتبخرت مع الرياح.

ملامح وجهها شاحبة مجعدة حيثُ تبدو بعمر أكبر من عمرها لسنوات بسبب اختيار خاطيء منها مع شخص لا يستحق أن يُقال أنه رجل،  فهو لا يعرف للمروءة معنى. وجدت من يقتحم الغرفة عليها بقوة ومان آخر شخص تريد أن تراه، عادت جراح قلبها تنزف من جديد عندما رأته يقف أمامها بهيئته التي تسلب أنفاسها لكن احتقارًا كما ظهر في نظراتها المصوبة نحوه بازدراء، واعتلت صيحاتها الغاضبة بحدة: – اطلع بره مرايداش أشوف وشك العِكر، اطلع هملني لحالي، ربنا ينتجم منيك ويدوجك الجهرة اللي في جلبيّ.

لم يتأثر بحالتها المثيرة للشفقة لكن لشخص رحيم ليس مع أمثال ذاك صاحب القلب المتحجر، يقف يتابع انهيارها وهي تستند فوق الممرضة التي تمنعها من السقوط أرضًا دون أن يرمش له جفن،  يتابعها بأعين متسعة ببرود وآتى صوته يحمل جميع قسوة العالم بداخله: – أني مچيتش أشوفك ولا أطمن عليكي كيف ما عتجولي،  أني خلاص مرايدكيش وطلجتك امبارح جدام الكل، أني چاي اجولك تبعتي حد ياخد خلجاتك مرايدهاش.

لم تحزن على فراقه لأنها تعلم أن ذلك سيكون بداية لحياة جديدة لكن بعقل ناضج بعدما حطمت تلك التجربة السيئة جميع الأحلام والآمال التي بُنيت بسبب قلبها الضعيف، لكن الآن هي امرأة ناضجة لم تستمع سوى لصوت عقلها، ازدادت نظراتها نحوه بغضًا وتفوهت بجدية: – دِه يوم الهنا والمنى لما أبعد عنيك يا خسيس، عتستجوى على واحدة ست عشان فلوس أهلها، والله ما عمري شوفتك راچل ربنا خلصني منيك وهينتجم منيك حج ابنيّ اللي اتحرمت منيه مهيروحش واصل.

ازداد غضبه من حديثها، واللا مبالاه التي ظهرت في حديثها وسعادتها لفراقه،  فسيطر عليه تفكيره الشيطاني لينتهز تلك الفرصة التي آتت إليه ويستطيع أن يكسرها ويدمرها تمامًا، ذلك القاسي لم يكتفِ بما عمله بل يريد أن يستكمل على تلك الأنثى الضعيفة التي أمامه فقط لأنها لم تظهر ضعفه، فألقى حديثه القاتل: – دِه أني اللي ربنا عيحبني عشان خلصت منيكي بعد ما بجيتي كيف الأرض البور مفيش منيكي نفعة كيف ما جال الدَكتور، ابجي وريني هتخلفي كيف بعد إكده، لكن أني من صباحية ربنا هكون چبت مرا تانية.

توقفت الدنيا بأكملها عند ذلك الحديث وتلك الكلمات القاتلة التي أصابت قلبها ونال ذلك الوغد مبتغاه، لم تستمع إلى شيء آخر وقد بدأت تتلاشى الرؤية من أمام عينيها بعدما ارتفعت أصوات عالية تدوي داخل أذنيها وعقلها يردد كلماته التي كانت كالسوط الذي هوى فوق فؤادها يمزقه، وإلى هنا وانتهى صوتها لتبدأ في الصراخ بأعلى صوت دوى يرج أرجاء الغرفة، وسقطت أرضًا لكن صراخها لم يتوقف اصطحبه عبراتها التي تعبر عن الآسى والحزن وهو يقغ يشاهدها بجمود دون أن يهتز، لكن بعد ارتفاع صوتها خشي أن يأتي أحد عليه بعد أن تسبب في سوء حالتها فأسرع يفر هاربًا بخوف من الغرفة.

لم يمر سوى بضع دقائق ودلفت والدتها مسرعة باصطحاب الطبيب وهي كما هي على حالتها المثيرة للشفقة تبكي وتصرخ والوجع بداخل لازال مستمر بل تضاعف في الحقيقة بعد أن علمت أنه سيصاحبها إلى الأبد، بعدما فقدت جميع أحلامها التي كانت تبنيها بسعادة ومحبة، إلى هُنا وتشعر أن كل شيء انتهى. أسرع الممرضات نحوها يحاولون السيطرة على الأمر ووالدتها تقف تبكي بحزن على حال ابنتها المدللة التي عانت من ظلم الحياة. لم يستطيعوا السيطرة عليها سوى بعد حقنها بالمهدئ حتى تهدأ قليلًا وتتراخى أعصابها بينما والدتها أسرعت تقف بجانبها بقلب متلهف قلق.

وجدت مَن يدق باب الغرفة بهدوء فصدر عنها همهمة خافتة حزينة وبعدها ولج أكرم الغرفة بهدوء يتحدث مع والدتها بصوت خافت حتى لا يزعج تلك النائمة: – أنى أكرم يا حچة سي عمران بعتني لچل ما ابجى چاركم لو احتاچتي أيتها حاچة هتُبجى عنديكم. ابتسمت بوهن وأجابته خافتة: – ربنا يخليه ويجبر بخاطره، وينتجم من كل ظالم ظلم بتيّ وكان السبب في جهرتها ورجدتها في الوحدة إكده.

كان يتطلع نحوها يريد الاطمئنان عليها بقلب قلق، يرى ملامحها الهادئة المسيطر عليها الحزن، وعينيه ترسل العديد من النظرات المفعمة بالمشاعر التي أخفق في التفوه بها وبداخله ما يدفعه لقتـ,ـل ذلك الوغد والثأر منه، حاول أن يسيطر على ذاته وتطلع نحو والدتها متسائلًا باهتمام: – هي بجت زينة دلوك صُح طمنيني عنيها يا حچة. أجابته في حزن وأسى والدموع تسيل من عينيها: – يسمع منك ربنا ياولدي ادعيلها، كانت زينة وهنخرچ ونهمل إهنيه بس مخابراش إيه اللي حُصُل عاد، بجت تصرخ، ادعيلها يا ولديّ.

هو يفعل ذلك منذُ أن علم، لم يتوقف عن الدعاء لها، يتمنى أن تصبح بخير وتتخلص من جميع أحزانها والآمها بالرغم من صعوبة ذلك لكنه يتمنى. لم يمر كثيرًا وفتحت عينيها من جديد ليتجدد بداخلها جميع المشاعر المكروبة تطلعت نحو والدتها بلهفة وقبل أن تستمع إلى أي كلمة تحدثت هي برعب: – صُح يمّا أني مهجدرش أخلف تانيّ بجيت أرض بور صُح. تطلعت والدتها أرضًا وتحدثت في حزن: – المهم صحتك بالدنيا كلياتها يا بتي متفكريش في أي حاچة تاني.

بدأت دموعها تسيل من جديد وتتفتح جميع جراحها وهي تردد كلمات قاسية لذاتها: – بجيت أرض بور ومهجدرش أخلف تاني خلاص يمّا. لم يستطع الصمت وهو يتابعها ويراها بتلك الحالة، فأردف بحنان: – متجوليش إكده يا ست حنان، ده إنتي زينة ستات النچع والله. ترى كل ما يحدث ليس سوى شفقة تنالها من الجميع لما حدث لها، لا تعلم لماذا طعنتها الدنيا بتلك القسوة؟ وأين تتوارى من قسوتها،  لكن ما تعلمه الآن في تلك اللحظة بعد أن تمكن منها اليأس وسيطر على ضجيج أفكارها المبعثرة ومشاعر فؤادها الممزق أن الآن كب شيء قد انتهى ولا تنتظر عودة.

❈-❈-❈ كان عمران يجلس مع زوج نوارة في الخارج حيث يجتمع بضيوفه ويبدو الصرامة والغضب فوق قسمات وجهه، معقبًا بجدية وخشونة: – إيه اللي حُصُل عاد لچل ما تعمل إكده من ميتى وحد بيرفع يده على واحدة من عيلة الچبالي، دي يطير فيها رجاب الله في سماه. لم ينكر زوجها أنه شعر بالتوتر من صرامة عمران وغضبه لكنه لم يهتز، تحدث بجدية هو الآخر: – اسمعني اللول يا سي عمران وأحكم أنتَ بنفسك، أني خابر اللي عتجوله زين وأني محبش أن يدي تترفع على مرتي بس لولا اللي عِملته.

تطلع نحوه بعدم فهم وسأله مستفسرًا بهدوء: – وهي عِملت إيه عاد لچل ما ترفع يدّك عليها وتعمل العاملة المجندلة ديه. أجابه بهدوء يوضح له الأمر: – نوارة مرايداش تسمع حديتي وعتكسره مش مرة لاه كَتير وأني مطول بالي، هتخرج من الدار من غير ما تجولي واتحدت معاها كَتير وهي معتسمعليش، وأخرتها تروح لصاحبتها اللي أني جولت عليها لاه وأخوها يُبجى هناك في الدار،  هي اللي غلطت ومعتحترمش چوزها،  وأني اتحدت وياها كَتير والله. تطلع عمران أمامه بغضب لكنه حاول السيطرة عليه ليبقى هادئًا، وأردف بحكمة:

– أني مش هجول أنها مغلطتش على حديتك ده بس برضك يدك متترفعش عليها، بتنا غلطت تعالى واشتكي وجولنا وحجك هيرچع وزيادة، اتعامل معاها بأي طريجة غير إكده، وأني هتوكد من اللي عتجوله ولو حُصل إكده كيف ما عتجول حجك هيرچع وزيادة. أجابه الآخر بهدوء: – الموضوع مش إكده يا سي عمران، ربنا يعلم أني مبجولش كلمة محصلتش على مرتي ولا كنت رايد اطلع اللي بيناتنا لمخلوج بس هي اللي عملت إكده.

ابتسم بهدوء لحديثه المتعقل مقررًا أن يتعامل مع الأمر بهدوء وحكمة بعد أن رأى تمسك زوجها بها والإصرار الكبير في عودتها ااذي ظهر بوضوح من نظراته وحديثه المتعقل بحكمة، فقرر أن يتحدث مع ابنة عمه لمعرفة الحقيقة، والتأكد من حديث زوجها المُحق إذا صدر منها تلك الأفعال. آتى المساء بظلمته الحالكة وولج عمران المنزل وجد نوارة جالسة في استقباله في بهو المنزل، نهضت تقترب منه مبتسمة بهدوء: – نورت السرايا يا عمران. بادلها ابتسامتها بأخرى هادئة:

– بنورك يا بِت عميّ، جعدت مع چوزك واتحدت وياه. اقتربت منه أكثر وتحدثت بملامح متأثرة: – أني مرايداهوش يا عمران طلجني منيه، مهجعدش مع واحد كيفه عيمد يدّه علي أني بت الچبالي برضك ولا إيه يا عمران. ابتعد بخطواته إلى الخلف تاركًا مسافة بينهما وأكد على حديثها بجدية: – محدش يجدر يجول غير إكده يا بت عمي، دي سرايتك في أي وجت رايداه تاچي إهنيه ومحدش يجدر يفتح خشمه، بس چوزك عيجول إنك معتسمعيش حديثه وعتكسري كلمته حُصُل ولا لاه يا نوارة.

أجابته مفسرة بضيق بعدما امتعضت ملامح وجهها: – هو اللي صعب يا عمران كل حاچة عنديه لاه، وأني مجدراش على العيشة وياه. لم يُعجب بحديثها فأجابها بحدية: – چوزك شاريكي وبعدين اللي عيجوله مش غلط ولا صعب، هو مرايدكيش تطلعي من غير رضاه. التقطت أنفاسها بصعداء وتحدثت بحزن بعد أن سيطر على ملامح وجهها وازداد اقترابها منه: – أني مرايداهوش، طلجني منيه مرايداش أكمل وياه، وجولت إكده لعمتيّ نعمة. تطلع نحوها بعدم رضا وحاول استمالة عقلها بهدوء:

انت في الصفحة 2 من 14 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى