تجمد جسدها داخل حضنه ودفعته إلى الخلف مبتعدة بحزن وهي تتحدث بضيق: – بس أني بدور يا سي حسن مش عهد. كان حديثها هو مَن أعاده إلى واقعه من جديد، ابتعد سريعًا بهلع وهو ينظر إليها بصدمة دون أن يصدق ما فعله معها، حاول التحدث مبررًا فعلته بجدية: – أني مخابرش حُصل كيف إكده مكنتش واعي لحاليّ. عادت سريعًا ترتدي ثيابها وهي تبكي بحزن على حالها وخوفًا مما سيحدث لها إذا علم أحد بما فعلته، تحاول أن تتخفى سريعًا داخل ثيابها من عينيه الجائعة، تنهد بضيق عندما رأى بكاءها المستمر مغمغمًا بجدية:
– ايه يا بدور بكفياكي بكا عاد مفيش حاچه حُصلت لچل ما تعملي إكده. تحدثت بضعف من بين بكائها: – كيف يا سي حسن محصُلش حاچه عاد أنت خابر زين اللي حُصل فيه جطع رجبتي لو حد چاله خبر. وقف هو الآخر يرتدي ثيابه وهو يطمئنها بجفاء وبرود: – مفيش حاچه ولا حد هيعرف حاچه عن اللي حُصل اتطمني يا بدور وانسي كل اللي حصل إهنيه، أني راچل وجد اللي عملته. قابلت حديثه صامتة فاقترب يجذبها بعنف من ذراعها ضاغطًا عليه بقوة:
– فاهمة حديتي زين يا بدور مرايدش أعيده من تانيّ. أومأت برأسها أمامًا وتحدثت بخفوت عنوة: – فاهمة…فاهمة يا سي حسن هنسى كل اللي حُصل بيناتنا إهنيه.
ابتسم برضا ثم تركها وابتعد كما كان مشيرًا لها بالذهاب ببرود كما لو أنه لم يفعل شيء، لكنه زفر بضيق بعدما خرجت زاجرًا ذاته بعنف، لا يعلم كيف كان مغيب هكذا، توقف عقله تمامًا عندما تخيل أن مَن أمامه تلك الحية الفاتنة التي سلبت عقله بجمالها الخلاب، لا يقول أنه يحبها في الحقيقة هو فقط كان يريدها ويريد جمالها الفاتن الذي يريده أي راجل، لكن صوت بدور أعاده إلى الواقع المرير وجعله يتذكر كل ما حدث معه، كيف كانت في النهاية من نصيب شقيقه على الرغم مما فعله كي لا يجعل تلك الزيجة تتم، كان يكسر كل ما حوله بغضب وصدره
يعلو ويهبط بضيق كما برزت عروقه الغاضبة وازداد توعده لعمران وتلك الفاتنة السالبة للأنفاس والعقول عهد.. ❈-❈-❈-❈
بعد مرور يومين .. في الصباح حيثُ يجتمع الجميع على مائدة الطعام ليتناولوا الفطور الخاص بجميع أفراد العائلة، لاحظ عمران غياب والدته التي لم تخرج من غرفتها إلى الآن، تطلع نحو صفية التي لازالت تعد المائدة وتضع الاطباق الشهية وأردف مغمغمًا بجدية: – هملي اللي في يدّك وروحي شوفي ستك فهيمة منزلتش ليه لحد دلوك. اومأت برأسها أمامًا وأجابته بهدوء:
– من عينيا التنين يا سي عمران. أسرعت تفعل ما أمرها به وصعدت نحو غرفة فهيمة دقت الباب بهدوء لكنها تفاجأت عندما لم يصل إليها رد إلى الآن لكنها تستمع إلى همهمات خافتة لم تستطع فهم أي منهم، فلم تجد أمامها سوى أن تدلف الغرفة ويا ليتها لم تفعلها وقفت متصنمة من هول الصدمة وتعالت صرخاتها المرتفعة بعدما بُوغتت مما رأته: – يا مري يا مري الحجني يا سي عمران..
صيحاتها المرتفعة دوت في المنزل بالكامل شقت مسامع الجميع، هب عمران واقفًا بصدمة اختلجت فؤاده بقلق، فأسرعت عهد تربت فوق كتفه بحنو بعد أن رأت تشنج جسده وملامح وجهه التي برزت ما يشعر به بوضوح أمام الجميع الذين لم يفهموا شيء إلى الآن لكن صرخات صفية أوضحت أن هناك شيء ما قد حدث.. -❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈- رواية نيران نجع الهوى بقلم هدير دودو تمزق الفؤاد، وانسابت الدموع لتدل على الحزن الضاري لتلك الفاجعة المدمرة لروحها ❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈-❈
سار جميع أفراد العائلة متجهين نحو غرفة فهيمة والجميع يعلم أن ما سيعلمونه سيكون كالصدمة القاتلة لأفئدتهم بعد تلك الصيحات التي دبت الرعب داخل أوصال الجميع، كان عمران أول مَن اقتحم باب الغرفة ليرى ما حدث والجميع يلاحقه، لكن ما رآه كان كفيل أن يشق فؤاده إلى نصفين لفرط الحزن القادم، رأى والدته وهي ساقطة أرضًا كالجـ,ـثة الهامدة غير قادرة على حركة أي من أطرافها أو التحدث يصدر منها بعض الأصوات الخافتة التي تؤكد ذلك، الآن أصبحت كالجـ,ـثة الهامدة، اختلج الحزن فؤاده والجميع يقف يطالعها بنظرات الذهول والشفقة، دنا يجثو أمامها هامسًا بنبرة يكسوها الحزن:
– أمّا ردي عليّ يمّا إيه اللي حُصل عاد، مين اللي عمل فيكي إكده. لم يصدر منها سوى بعض الهمهمات الغير مفهومة يجلس أمامها كالتائه ويشعر أنه مذنب بعدما تشابكت الأفكار داخل عقله لتفقده صوابه، اقتربت عهد مسرعة وعينيها يملأها الحزن والشفقة لكنها تحاول الثبات لأجله، وضعت يدها فوق كتفه وأردفت هامسة بتعقل وهدوء: – مش وجت يا عمران أي حديت دلوك لازمن الست فهيمة تروح المستوصف وانشاء الله هتُبجى زينة صدجني.
كان حديثها كالإنذار الذي دوى بصخب ليوقظ عقله الغافل فأسرع يحمل والدته وسار بها مسرعا والقلق يسيطر على قلبه المضطرب يلاحقه حسن الذي لم يتفاجأ كان يعلم نتيجة فعلته جيدًا وينتظرها دون شفقة أو ندم تجاه والدته، لن يهمه سوى أنه سينال ما يسعى إليه. كان جميع مَن في المنزل ينتظر عودة عمران بجمرات من النيران المشتعلة، منهم الذي يود الاطمئنان كما أيضًا منهم الشامت الحاقد وأبرزهم تلك الأفعى نعمة التي تعلم أن التخلص من فهيمة سيسهل عليها تنفيذ مخططها الماكر الذي يشبه نواياها.
لا أحد يعلم ممكن الوقت مرّ عليهم وهم ينتظرون عودتهم، لكن لم ينتظروا طويلًا وعاد عمران وهو يجر أمامه والدته التي أصبحت جالسة فوق كرسي متحرك يؤكد أن ما فعلوه الآن بلا جدوى ولازالت حالتها كما هي،
سار بها نحو غرفتها والجميع حولها، اقتربت نعمة صائحة بعدما وضعها عالفراش والحزن يفترش ملامحه: – يا مريّ عاللي چرا لست النچع كان متخبيلك فين يا خيتيّ المرار ده كلياته، يا مريّ عاللي چرالك. قبل أن تواصل حديثها السام الذي يصل لفؤاد فهيمة كالخنجر يطعنها بقوة دون رحمة اعتلى صوت عمران الغاضب:
– عمة ست النچع لساتها زي ما هيّ سته والكل عيمشي بأوامرها بلاها خريطة حديت عاد، ودلوك هي لازمن ترتاح اتفضلوا. خرج الجميع دون حديث عدا عهد التي وقفت بجانبه تربت فوق كتفه بحنو، وتحدثت مسرعة بهدوء: – صفية چهزي الوكل لستك فهيمة لچل ما تتعافى. أسرعت صفية مهرولة بخطوات أسرع وهي تهمهم بحزن: – من عينيا التنين يا ست عهد ربنا يجومها بالسلامة. تطلعت نحو زوجها واسترسلت حديثها المتعقل: – ادخل أنت ريح چسمك وأني هبجى چارها اوكلها وأشوف اللي رايداه لحد ما تروح في النوم.
اقترب يقبل يد والدته وجبهتها بحزن وهو يمحو آثار دموعها العالقة في عينيها هامسًا بحنان: – هتبجى زينة ومليحة يمّا ست النچع معتبكيش إكده، هو كيف ما الدَكتور جال هتبجي زينة والله وجولي ولدك عمران جالك. ابتسمت بمرارة من بين دموعها والحسرة تسيطر على فؤادها عجبًا لكِ أيتها الدنيا القاسية استطاعت أن تبدل حالها في سواد الليل الحالك، تحولت من الآمرة الناهية في النجع إلى امرأة أخرى هزيلة لم تستطع الوقوف على قدميها.
بقيت عهد بجانبها تساعدها في تناول الطعام والأدوية الخاصة بها وهي تطالعها بندم تريد الاعتذار منها لكن ذلك حتى لم تستطع فعله، نظراتها الحزينة النادمة كانت كافية لتبرز ندمها واعتذارها لتلك المسكينة التي لاقت منها ظلم وقسوة، فطبعت قبلة حانية فوق جبهتها مختتمة حديثها بهدوء: – أني مسامحاكي يا ست فهيمة أنتي أم الغاليّ كيف ما عمران سامحني كَتير أني مجدرش مسامحكيش، اللي عيحب حد عيحب حبايبه معاه وأني شوفت في عيون عمران حبك الكَبير.
ابتسمت فهيمة بندم أكثر بينما عهد بقيت بجانبها إلى أن غفت واطمأنت عليها، أغلقت جميع الأنوار بالغرفة، وسارت نحو الخارج بخطوات واسعة لترى زوجها وتبقى بجانبه، تعلم جيدا كيف يحتاجها الآن، ويحتاج حضنها الدافئ بشغف. ولجت الغرفة وكما توقعت وجدته يجلس بذهن شارد والحزن يبدو فوق قسمات وجهه، وجسده المتشنج يشعر أنه فشل في حماية والدته بعدما أخبره الطبيب أن ذلك بفعل فاعل، لا يدرى ماذا يفعل وكيف يثأر لحقها، ومَن تجرأ على أذية والدته بتلك الطريقة القاسية، يشعر أنه مذنب، اقتربت عهد بجانبه تجذبه داخل أحضانها وأردفت هامسة بحنان:
– متعملش إكده في حالك، أنت معملتش حاچه كله مقدر ومكتوب يا عمران، والله هتبجى زينة بس بلاش أنت تعمل إكده، هي دلوك محتاچالك محتاچة تتجوى بولدها وراچلها، هتعمل إيه عاد لما تلاجيك حزين. يحاول أن ينفذ حديثها لكنه الآن لم يريد سوى أن يبقى داخل أحضانها فألقى ذاته نحوها أسرعت تقابله بلهفة وهي تقبل جبهته وتربت فوق ظهره بحنو، بقيت صامتة تعلم أنه الآن لا يحتاج سوى ذلك العناق ليداوي جراحه، ويستمد قوته بعشقها المتوغل في فؤاده التي خارت بعدما فشل في حماية والدته، تحاول أن تحيي نبضاته وروحه المجروحة بجراح غائرة ستشفى بعشقها.
في منتصف الليل…
حيثُ تسود ظلمة الليل الحالكة ويغطي ستارها على أنفس الجميع، داخل الغرفة الخاصة بفهيمة ولج حسن وبيده أوراق التنازل لتنفيذ الجزء الأكبر من مخططه الماكر عد الأوراق بتاريخ سابق حتى لا يشكك بها أحد، وتناول يدها بالقوة مما جعلها تنفزع في نومتها واهتز جسدها بعنف من هول الصدمة بعدما اتضحت لها الرؤية بوضوح وعلمت المتسبب في حالتها، ليتها لم تعلم فالآن حسرة قلبها على ولدها لا تضاهي شيء في حزنها على حالها من قبل، تحاول أن تمنعه من تنفيذ ما يسعى إليه لكنه لم يهتم برفضها وجميع همهماتها الخافتة التي تظهر رفضها التام لأفعاله، لكنه أسرع بجحود يضع يده فوق فمها
ليمنع صوتها تمامًا لم يكتفِ بما فعله إلى الآن، ويجذب إبهامها عنوة ليحصل على بصمتها الثمينة التي تعطيه حقوق ملكية جميع أملاكها، معززًا فعلته الدنيئة بحديثه القاسي:
