Uncategorized

فرط الحب للكاتبة دينا ابراهيم روكا 6

أما في عالم الواقع الموازي كان أحمد يجرر ساقيه كالمغيب في الطرقات ناسيًا إنه ترك سيارته مركونة أمام المبنى الخاص بعيادة الطبيب الذي خرج من عيادته للتو مثقلًا بالهموم في خضم الصدمــ,,ـات المتتالية التي تلاقاه في مــ,,ـ اليوم.
لا يدري كيف وصل ومتى لكنه وجد نفسه جالسًا متربعًا داخل جزيرة وسط الطريق والفجر على وشك البزوغ، لامس بأنامله النباتات الرطبة أمامه وذهنه منشغل بكل كلمة خرجت من الطبيب.

شعر بخمول وتبلد بل أسوأ يشعر بالنقص والغباء والإهمال… يشعر بأن والده قد نجح أخيرًا في ســ,,ـرقه أدميته فهو ذاته لم يحترمها واختار الانسياق كالحيوان خلف رجل ظالم في ضعف وخضوع بل تمادى في أخطاءه بالانسياق خلف أوهامه عن الهروب.
نظر للخلاء من حوله متعجبًا شعوره بالاختناق كمن علق في أتوبيس عام وقت الظهيرة بين جموع الموظفين، استقام في إرهاق شديد وقد انزاحت ضبابية أفكاره نوعًا ما يبحث عن سيارته كي يعود لمنزله التي تسكنه مشعوذة بعثرت مشاعره المضطربة فصار أشد اضطرابًا بعد أن أجبرت قلبه على الضــ,,ـرب فوق جدران سجــ,,ـن نسجه بخيوط أوهامه ومخاوفه.

وجد نفسه يركض في تيه ولهفة لا يطيق الصبر والانتظار حتى يصل إليها ويحتمي بهالتها المحاربة. *****
-الرقم الذي تحاول الاتصال به مغلق أو غير متاح …. ضغطت ليان فوق الشاشة في عنــ,,ـف مغلقه المكالمة قبل أن تجفف دموعها المنهمرة ثم عادت تنظر إلى شاشة هاتفها المشيرة إلى أن الوقت قد تعدى الرابعة فجرًا مقررة عدم الانتظار أكتر والتصرف.
بالتأكيد تغاضت عن فكرة الاتصال بأخويها وطلب المساعدة فماذا ستخبرهم؟
ان زوجها أحمد الذين لا يكرهون أكثر منه في الحياة خرج من المنزل ولم يعد؟!

لا ستعتمد على حدسها تلك المرة فهي ستوقف سيارة أجرة وتبدأ بحثها من المتجر فلا بد إنه قابع في ظلام مخزنه الموحش،
دلفت تعبث بالأكياس التي أحضرتها دعاء العاملة في متجر الملابس الخاص به بعد يومين من زواجهما، بناءً على طلب أحمد الذي أشفق عليها أو ربما هو فقط سئم استعارتها المستمرة لملابسه، كانت تحاول إيجاد ما يمكن ارتداءه حين سمعت باب المنزل ينغلق في هدوء.
اتسعت أعينها ملقيه ما بيدها راكضة للخارج في لهفة فوجدته يستقر فوق الأريكة بينما يميل للطاولة يضع أغراضه في إهمال قبل ان يدفــ,,ـن وجهه بين كفيه في تعب يظهر على أكتافه المتشنجة.

ركضت ليان نحوه هاتفة في اعتراض: -انا كنت نازلة أدور عليك من كتر القلق، أنت ليه اناني كده ومش بتفكر غير في نفسك،
رد عليا مفكرتش ان في كلبة في البيت هتتجنن عليك لأن أنا حرفيًا مبقاش ليا حد غيرك في الدنيا ومش بمزاجي!،
ما تنطق كنت فين كل ده؟ رفع كفيه من على وجهه وعبارتها الصريحة ” مبقاش ليا حد غيرك في الدنيا” تعيد نفسها في ذهنه دون رحمة بحاله التخبط الذي وصل لها، رفع ذراعه يجذبها في لطف لتجلس إلي جواره قائلًا بصوت خشن لعدم خروجه منذ مدة:

-هقولك كل حاجة. تنهد وهو يعود بذاكرته إلى وقت جلوسه كالتلميذ المشاغب المنتظر عقابه أمام كرسي الطبيب …..
*** -ايوة طبعًا مؤثر يا فندم وتأثيره مختلف حسب طبيعه جسمك، أنا مش هقدر افيدك بشكل كامل غير لما نعمل شوية تحاليل….
لكن اللي أقدر أقوله من الكشف ان حضرتك مش بتعاني من أي مشكلة عضوية. بلل أحمد المصدوم شفتيه دون جدوى فحلقه جاف كمن حُرم من الماء منذ أيام، تعجب الطبيب لصمته الذي طال وتشنجه الواضح فسأل في مهنية بلمحه من الاهتمام:

-حضرتك متوتر ليه، احنا شباب زي بعض اعتبرني صديقك وحاولي تحكي كل حاجة بالتفصيل عشان أقدر ابني صورة واضحة عن أبعاد المشكلة.

حرك أحمد رأسه في توتر فقد كانت المرة الأولى التي يدلف فيها إلى طبيب، بعد أن كابر كأي رجل شرقي يعيش وسط مجتمع حازم متنمر وحارب كي يتجاهل ما أصــ,,ـابه فكان يعتقد بانه ان تجاهل الوضع سيختفي.
يعترف بانه كان يخشى الاعتراف لأحد بما حدث بل كان يخشى الاعتراف بالأمر أو تذكره حتى أمام نفسه….
لكنه فعلها مرة حين فقد السيطرة على مشاعره أمام ريم التي التقطت الأمر بسبب رفضه القاطع لفكرة الزواج ليستسلم في لحظة ضعف ويعترف لها بما يخشاه.

حرك فمه ليسرد عليه في بطء وتأني تفاصيل حياته شارحًا ضغوطاته التي تعرض لها منذ كان طفل ووقت صباه حين كان مراهقًا لم يصل سن الرشد فقد وجد الأمر ضروريًا لتبرير موافقته على تناول الدواء الذي اقترحه عليه صديقه في هذا الوقت، لينتهي أخيرًا بسرد الموقف القبيح الذي سلبه رجولته وجعله غير قادر على تقبل الأمر أو الإفصاح عنه لأيًا كان.

حرك الطبيب رأسه في تأني وتركيز يحاول منع ملامح اشمئزازه من الظهور على وجهه لوجود ذوي على هذه الدرجة من الغباء فلا يحتاج إلي خبير لنفسي لمعرفة أن قسوة والده قد زعزعت وجدانه وحفرت ثغرات عميقة داخل شخصه، فأحمد ليس الحالة الأولى التي يعالجها تعاني من حاجز نفسي يمنعها من ممارسة الحياة بصورة طبيعية وحين أنتهى حديث أحمد، مط الطبيب شفتيه لأسفل بعدم رضا قائلًا:

-طبعا مش محتاج أقول لحضرتك، ان أكبر غلطه غلطها هي انك تاخد دوا بدون اي استشارة طبية،
صدقني مش أفورة لكن احنا كدكاترة مش بندرس سبع سنين من فراغ وياريت تفتكر الموضوع ده بعد كده ومتكررهوش تاني لأن معظم الشباب بيقعوا في الغلطة دي،
وانت لازم تحمد ربنا انك محظوظ لان في ادوية بتسبب هبوط في الدم وبتؤدي للوفــ,,ـاة اللحظية لو مش مناسبة مع جسم المريض وفي ادوية تانية ممكن تدخلك في غيبوبة. -عارف.

اعترف احمد الخجل في نبرة منخفضة وهو يعبث بغرض ما فوق مكتب الطبيب يحاول عدم الظهور ككتله متوترة وهو ما فشل به فشل ذريع، لأنه يشعر بالغباء وكأنه ذلك الأحمق الذي امتطى حماره بطريقة عكسية.
رأف الطبيب بحالته وقد شعر بذبذباته الغير مستقرة فقرر التعامل معه بحذر وهدوء مدونً بضع اسماء اختبارات دون أن يخبره صراحة بانه يريد التأكد من إدمانه بجانب امور أخرى لينهي حديثه بغرض تخفيف الوضع:

-انا هطلب من حضرتك صراحة تمتنع عن أي نوع من الادوية وانك تعملي التحاليل دي في أقرب وقت ممكن خلال الأسبوع ده عشان اقدر اساعدك بشكل مناسب،
وياريت حضرتك تسمحلي أتدخل واقولك ان مشكلتك أكبر من كده بشوية ومُتعديه تخصصي لأنك محتاج استشارة نفسية بجانب المعالجة الجسدية.

انت في الصفحة 8 من 10 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى