Uncategorized

فرط الحب للكاتبة دينا ابراهيم روكا 6

صمت أحمد المستمع إليه في صمت وحرج وكأنه يخجل بجلوسه هنا امامه، فحاول الطبيب الشاب الذي تعاطف معه تخفيف وطأة الوضع مستجيبًا لضميره الانساني قائلًا: -على فكرة أنا مبسوط جدًا ان حضرتك لجأت ليا، صعب جدا الاقي انسان بيحارب عشان نفسه. ظهر شبح ابتسامه ساخرة على وجه أحمد ما أن سمع كلمة محاربة فابتسم الطبيب مؤكدًا محفزًا إياه: -مجرد أنك تعترف بان عندك مشكلة ده في حد ذاته قوة ونص الطريق، حضرتك باين عليك راجل محترم وعلى خلق بلاش تتراجع بعد الخطوة المهمة دي.

سعل الطبيب في خفه قبل أن يستكمل في هدوء: -أنا حقيقي مهتم بحالتك وشايف انك مشروع صديق لدرجة اني عايز اتطفل واطلب منك تديني رقمك عشان أقدر أتواصل معاك. خلل أحمد خصلاته في توتر لكنه سارع في إعطاءه رقمه ليس لأنه غبي مصدقًا إنه يرغب في صداقته بل لأنه يخشى أن يتراجع ويعود لذاته المستسلمة وقد يعمل تواصل الطبيب معه كحافز لدفعه في الاستمرار.
اقتحمت صورة ليان المبتسمة في تحدي أفكاره وكأنها تؤكد له قوة حضورها في حياته حتى في غيابها، فحتى وأن قضت بها أيام قليلة فهي تؤكد له بأنها لم تمتلك قلبه بل امتلكت روحه العاطبة.

-انت متجوز يا أحمد؟ سأل الطبيب الذي لاحظ خواء أصبعه من خاتم الزواج لكنه تعجب حين حرك أحمد رأسه بإثبات قبل ان يهزها بالنفي قائلًا في حرج: -متجوز بس الموضوع معقد شوية. -معقد بسبب الموضوع ده ولا معقد لظروف تانيه. -الاتنين. خرجت شبة ضحكة يائسة من الطبيب الذي أخفض راسه متعجبًا من أطنان التعقيدات المحاطة بمريضه قبل ان يسأله في مرح: -انت دوست على ديل قطة سودة وانت صغير؟ اهتز وجه أحمد بابتسامه ضعيفة مجيبًا في تعب:

-شكلي كده يا دكتور. -مش مشكلة كفاية علينا كده انهارده هنتكلم في النقطة دي بعدين. تحدث الطبيب في ثقه وهو يفتح أحد الأدراج مخرجًا كرت صغير لأحد الأطباء النفسيين قائلًا في جدية: -ده دكتور نفساني محترم وشاطر جدًا خليه معاك عشان هتحتاجه أكيد لو قررت تكمل. اجبر احمد كفه على الإمساك بالورقة وبروشته الطبيب وهما يتبادل بضع كلمــ,,ـات قليلة وقبل أن يغادر أوقفه الطبيب قائلًا في تمني: -اتمنى لو حصل أي مشكلة وحسيت ان جسمك محتاج الدوا ومش متقبل غيابه، كلمني…

-أنا مدمــ,,ـن صح؟ سأله أحمد الشاحب فأنكر الطبيب بطريقته اللطيفة الحذره: -مش مدمــ,,ـن بالمعنى المتعارف عليه بس أي علاج في الدنيا بيأثر على الجهاز العصبي والجسم بيتعود عليه،
فطبيعي لما توقف الدوا هيظهر عليك أعراض انسحاب. تنهد أحمد يشعر بالندم لأن الإهمال النابع من لامبالاته اللامتناهية هو من رماه في مصائبه الشائكة، شكر الطبيب في صدق قبل أن يتحرك للخارج مجرجرًا ساقيه في تعب.
*** -بس كده وبعدها محستش بنفسي غير وانا قاعد في الشارع للفجر فرجعت.

نظر نحو ليان التي تسند رأسها فوق كفها تخفي فمها المزموم خلف انامها، كان متوتر بل قلق يخشى رد فعلها غير قادر على التنبؤ بقراراتها فربما هي نادمة تفكر الآن بأي مصيبة أوقعت نفسها بها… -ليان أنا انسان غير سوي وعايز إعادة بناء من الألف إلي الياء وعارف أنك انسانه متهورة عنيدة ماشية ورا حب قديم،
بس صدقيني نصيحتي ليكي أهربي انتي متستحقيش التعب ده. خالفت ليان توقعاته حينما لمست ذقنه ترفع عيناه نحوها قبل أن تتفوه بما لم يتوقعه:

-حب قديم، يعني أنت عارف أني بحبك؟ نظر لها احمد وكأن لها رأسان متسائلا في نبرة متعجبة مما تنتبه له النساء: -هو ده اللي سمعتيه من كل اللي قولته … هو ده اللي همك؟ حركت رأسها فاقدة للأمل بأن يفهمها قبل أن تخبره في نبرة شبة ساخرة وابتسامه مستفزة: -انا اختارتك بعيوبك من غير ما اشوف مميزاتك حتى،
تفتكر هنسحب دلوقتي بعد ما عرفت ان حياتنا ممكن تكون طبيعية حتى لو الطريق صعب؟!

تعلقت أبصاره بوجهها المبتسم كالأبلة غير قادر على ترجمة ذلك الشعور الذي ينبعث من عينيها فيبعثر مكنوناته …
لا يدري أهو حبً أم إعجاب لأنه لم يتذوق أيً منهما قبلًا لكنه متأكد مائة في المائة بأنها تقحم شعورًا دافئ بالأمان والاحتواء داخل صـ,,ـدره. -لما أنت عارف أني بحبك مقولتليش قبل كده ليه، ولا أنت مش حاسس بأي حاجة نحيتي؟ سألت في تعنت بأنف مرفوع شامخ متجاهلة صمته ونظراته المطولة بها رغم لمعة الخوف البارقة من عيونها خشيةً من جوابة.

-أنا مكنتش حاسس بحب أكيد، لاني وقتها اخترت أمنع نفسي عن الحب وعن الستات كلهم. اهتزت ملامحها وكأنه كسر قلبها لتوه لكنه أنقذ الموقف بهمسته الخافتة في صدق: -بس ده ميمنعش أني لما بشوفك بكون عايز أحبك وأعرف معنى الحب،
ومعاكي انتي بالذات ليه؟
عشان كل ما أبص في عنيكي بسافر لمكان جواه أمان عشت عمري كله محروم منه.

أنهى كلمــ,,ـاته بتنهيده أسى ثم شاهد بقلب ينبض بين ضلوعه اقتراب ليان منه في بطء تدريجي وكأنها تخشى أن يتبخر في الهواء حتى احتوته في عناق صادق بريء يصب حبها المجنون داخل قلبه الأجوف.
أسبل جفونه سامحًا لنفسه باستشعار لمساتها دون قيود حتى وإن كانت تلك القيود في حالة هياج تطرق على أبواب رأسه تحاول التحرر لامتلاكه من جديد، ضغط على جسدها يدفعها للجلوس بين أحضانه فوق ساقيه وكأنها يحتمي بها ويخشى انفلات تلك القيود.
فتاه في لمسات أصــ,,ـابعها الحنونة على خصلات شعره خلف رأسه لدقائق طويلة قبل ان يخبرها بصوت أجش:

-عارفة ان لمستك حنينه اوي بتفكرني بأمي الله يسامحها. عادت بجسدها للخلف تحتضن وجهه بين كفيها وقد شعرت بحاجتها لتبرير الحقائق هامسة في صدق: -متزعلش من مامتك يا أحمد صدقني هي أخر ما تتمناه منك انك تلومها،
انت عارف ومتأكد ان باباك صعب وهي مجرد ست اتكسرت تحت جناح راجل قاسي فبلاش تقسي عليها أنت كمان.

هز رأسه معترفًا بكلمــ,,ـاتها ولكنه لا يستطيع منع شعوره الداخلي بالحزن والغضــ,,ـب لأنه لم يستمع منها أو من شقيقته منذ زمن طويل وهو مشتاق … مشتاق كثيرًا.
شعرت به ليان يشد على خصرها فارتخت بين احضانه باستسلام ترغب لو تعطيه كل الراحة التي في العالم لكنه عاد يفتح حديث يؤرق كلاهما: -اعملي حسابك انه هيجي ياخد البيت قريب هو بس مديني فرصة ولسه عنده أمل اني هرجع زاحف اطلب منه السماح. تلك المرة هي من شدت على جسده تزيد من احتواءه قائلة في تحدي ساخر:

-متقلقش هبقى أنزل أكمل نومي عند عم عبده البواب لحد ما تأجر أي شقة. رفع رأسها بيده يعيد ترتيب خصلاته للخلف سامحًا لأنظاره بالانتقال فوق ملامحها ثم قال بابتسامه خفيفة بها لمحة من المرح: -وعم عبده ليه هبقى انيمك في عربيتي. ارتفع حاجبها في تساؤل متعجبة: -هو مش هياخد العربية؟ -لا دي بتاعتي، العربية كنت واخدها من كام سنة تخليص حق من واحد، هي الحاجة الوحيدة اللي طلعت بيها ….اااه.. تأوه حين صفعت كلا كفيها فوق صـ,,ـدره تعنــ,,ـفه في غيظ:

-ولما هو في عربيه مصفي دمي ليه يا بني آدم ما ده معناه اننا مش على البلاطة عربيتك شكلها نضيق وغالية ولو بعتها هتوفرلك راس مال حلو،
ده غير ان معايا مبلغ صغير لو حطناهم على بعض ممكن نفتح مكان خاص بينا، سواء بوتيك أو محل مكياج … أنت بتبصلي كده ليه؟ -انتي عايزة تديني فلوسك بجد؟ سأل وكأنها تفعل امرًا معيبًا فشعرت بالارتباك قائلة في نبرة مستغربة: -اه وأيه المشكلة، ولا أنت ناوي تنصب عليا؟

خرج باقي سؤالها مقطرًا بمشاكسة وقد زين وجهها ابتسامه رائعة فتجرأ أحمد بأصــ,,ـابع مهتزة على جذب وجهها أمام وجه كي يضع قبلة طفيفة لا تذكر فوق فمها مباشرةً قائلًا: -أنتي مش هتســ,,ـرقي قلبي وبس، أنتي مش هترتاحي غير لما تســ,,ـرقي روحي مني. علت ضحكتها الرنانة النابعة من قلبها المجنون الذي يثب في صـ,,ـدرها لا تصدق أنه تقرب منها للتو حتى وان كانت لمسه طفيفة إلا إنها هزت كيانها بالأمل، غمزت له ما ان توقفت عن الضحك مؤكدة في غرور أنثوي:

-دي اقل حاجة عندي. حاولت الاقتراب منه فعاد قليلًا للخلف مجيبًا على تساؤلها الصارخ فوق وجهها الواجم: -انا لسه في البداية. -يعني؟ سألت بشفه مرتفعة في ازدراء لا يعجبها منحنى حديثه فزفر في حرج قبل ان يقرر إعلان مخاوفه في صدق دون خجل: -أنا خايف مش عايز الأمل ده يتسحب مني بسرعة. علا التفاهم فوق ملامحها قبل ان تهديه ابتسامتها الهادئة مقبلة جبينه في مؤازرة مؤكده: -متخافش أنا متأكدة ان كل حاجة هتبقى تمام وعارفة اننا هنتعب شوية بس أتاكد اني هكون معاك دايمًا وهساعدك…

أسبل جفونه في مشاغبة غريبة عن طباعه ولكنها تستفزها من أعماقه، قبل ان يعود بأنظاره الثاقبة فوق عيونها الجريئة يحاول كسر حاجز الخجل في شخصه والارتواء من جراءتها فهمس في براءة متعمدة: -هتساعديني ازاي؟ حركت ليان راسها عدة مرات تحاول استيعاب سؤاله لكنها سعلت في حرج متمنية أن لمحه الخجل داخلها لم تكسو وجنتيها الدافئة ثم قالت في نبرة منخفضة: -هساعدك يا احمد! -هتساعديني ازاي يعني مش فاهم! جزت على اسنانها وهي تسب غباءه وتحركت حدقتيها للجانب مرة قبل ان تمسك بعينه قائلة في نبرة مغتاظة:

-بلاش غباء هساعدك وخلاص.

انت في الصفحة 9 من 10 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى