الإثم الحادي عشر ذنوب على طاولة الغفران نورهان العشري
_ مش عارفين ترفعوا راسكوا وسط الناس ليه أن شاء الله ؟ هو انا اول ولا اخر واحدة تطلق! مرزوق بانفعال
_ لا مش اول ولا اخر واحدة تطلق. بس اطلقتي من ابن الحاج عبد الحفيظ الصباغ اللي ألف واحدة تتمنى تخدم في بيته مش تتجوز ابنه، و خلي في علمك انا لحد دلوقتي مش لاقي سبب قوي لطلبك الطلاق. بس أنتِ مشتيها لوي دراع يبقى تتحملي بقى.
ناظرته بقهر احتل صدرها حتى صار ثقًلا بحجم الجبال لا يستطِع شيء في العالم إزاحته، فهتفت بنبرة مُلتاعه
_ كل اللي عملوه فيا وفيك قدام الناس في القاعدة والاتهامات اللي اتهموهالنا دي، ولسه زعلان عشانهم! مرزوق بغضب
_ اي حد مكانهم كان هيعمل كدا، والناس لحد اخر لحظة كانوا باقيين عليكِ. بس أنتِ اللي اتبطرتي و اتعوجتي، و اديكي نفذتي اللي في دماغك و اطلقتي. متفكريش بقى اني هسيبك تمشي على حل شعرك. في حدود و قوانين هتلتزمي بيها، و أي حرف هسمعه عنك متلوميش غير نفسك، وأنتِ فاهمة قصدي كويس.
برقت عينيها من قسوة حديثه و جفاءه معها وكأنها شخص لا يخصه، ولا ينتمي إليه، فأي ظُلم هذا الذي يقع عليها من أقرب الناس إليها ؟ و أي شيء في العالم يُمكنه إصلاح ذلك الفساد الذي يتسبب به الأباء في قلوب ابنائهم؟ _ خلاص يا مرزوق اللي فات مات. كل شيء مقدر و مكتوب، و غنى عاقلة و عمرها ما تعمل حاجه تخليك توطي راسك وسط الخلق أبدًا. صح يا غنى!
ناظرتها غنى بقهر يشوبه السُخرية التي تجلت في نبرتها حين قالت
_ مفروض اقولك حاضر يا ماما، و اجري اقعد جنب الشباك استنى لما يجيلي عريس تاني شبه رأفت و اتجوزه عشان تخلصوا من همي! مانا بنت! و البنات هم للممات صح ! مرزوق بغضب ونبرة تحمل الوعيد بين طياتها
_ أقصري الشر احسنلك يا بنت صابرين. مش عايز أمد ايدي عليكِ كفيانا فضايح وسط الخلق.
كشفت لها الحياة عن وجهًا آخر يحمل من البشاعة ماجعل جسدها يرتجف خوفًا، ولكن على صعيدًا آخر تحفزت غريزة البقاء داخلها، فقد أصبحت ضد الجميع، وهي لن تخسرها أبدًا، فإما أن تنتصر أو تُفارق الحياة ولكنها لن تخضع مرة أخرى. هتفت بنبرة جامدة
_ ماشي كلامك. انا هسكت و هقصر الشر، و هدور على مكان تاني افتح فيه مشروعي. بس خلي بالك دي مش أول مرة تتخلى عني.
لهجتها و نظراتها جعلت مرزوق يُطالعها بغضب قبل أن تهتف صابرين بتقريع
_ تصدقي انك بت غاوية تعب! شغل ايه و نيلة ايه؟ واخدة مبلغ محترم روحي حطيه في البنك هيطلعلك اللي يكفيكي و زيادة. بدل وجع القلب دا. غنى بحنق
_ وافضل قاعدة بين أربع حيطان اطق وامـ,ـوت! و الفلوس دي هصرفها على ايه؟ عالمرض اللي هيجيلي من كتر القهرة و الوحدة! لا ياماما لو أنتِ بيعاني انا شاريه نفسي، و الناس اللي أنتِ خايفة منها و عملالها حساب. انا هقطع لسانتها لو جابت سيرتي.
هب مرزوق من مكانه وهتف بغضب
_ مالك يا بنت صابرين! فارده قلوعك ليه؟ مستقوية بأية و بمين؟ لم تفلح في قمع عبراتها التي تدحرجت كالجمر فوق خديها حين قالت بأسى
_ بنفسي. مستقوية بنفسي يا بابا. للأسف معنديش حد استقوى بيه غيرها. انهت جملتها و التفتت تهرول إلى غرفتها وهي تبكي بصوت ارتجت له جدران المنزل، فشعر مرزوق بألم حاد في صدره، ولكنه تجاهله و هتف بجفاء
_ بت قليلة الرباية.
لم يكد يُنهي جُملته حتى سمعوا صوت طرق على باب المنزل، فتقدم مرزوق ليفتح الباب و إذا به يتفاجأ بجابر الصياد و بجانبه كُلًا من يزيد، و سمير و رجلان آخران لا يعرفهما
_ اهلًا و سهلاً اتفضلوا. هكذا تحدث مرزوق بعد أن تغلب على صدمته ليتوجه الرجال معه الى الداخل و بعد أن استقروا في مقعدهم تحدث جابر بود
_ لقيناك مجتش صلاة العشا قلقنا عليك قولت اجي اطمن عليك و اجيب الرجالة عشان نمضي العقد.
مرزوق بارتباك
_ حسيت نفسي تعبان شويه، فمقدرتش اروح اصلي في المسجد، و بعدين عقد ايه اللي بتتكلم عنه ؟ تدخل سمير موضحًا
_ عقد البيت بتاعي اللي عند الشونة. انت نسيت ولا ايه؟ جابر بجفاء
_ لا منستش. بس اتفاقي معاك أننا هناخده لغنى، و بعد كدا عرفت أن في حد تاني هياخده، و بصراحة نظام الشراكة دا مش عاجبني.
ابتسم جابر حين تذكر حديث ياسر منذ ساعتين
_ أنا واثق أن مرزوق مش هيوافق على الشراكة دي بسببي، و هي ملهاش ذنب، فيا تقنع روضة انها تشوف مكان تاني غيره، و تسبهولها. يا تقنع مرزوق أنه يوافق على الشراكة بينهم. _ بتعمل كدا ليه يا ياسر؟ حاول البقاء ثابتًا حتى في نبرته حين قال
_ ربنا ميرضاش بالظلم، وهي اختارت المكان الأول، وانا قولت انبهك عشان عارف دماغ ابوها، و القرار ليك في الأول وفي الآخر.
تحمحم جابر قبل أن يقول بنبرة مازحة
_ معقول يا معلم مرزوق مش عايز يبقى في بينا شراكة؟ انت زعلان مني ولا اي؟ تحمحم مرزوق بحرج تجلى في نبرته حين قال بلهفة
_ لا طبعًا يا معلم جابر. انت راجل محترم و جمايلك مغرقانا. انا بقول بما أن بنت اخوك عجبها المكان هي أولى، وغنى تشوف مكان تاني. جابر بهدوء
_ غنى بنتي زي روضة بالظبط، و انا عرفت أن هي اللي شافت المكان الأول، و الأصول بتقول اني أسألها لو هي مسامحه فيه يبقى خلاص، مش مسامحه يبقوا يتشاركوا الاتنين فيه، و ليك عليا أنا هظبطهولهم و اخليه فابريكا.
شعر مرزوق بالحرج من حديث جابر، ولم يجد أمامه خيار سوى أن يتوجه إلى غنى التي جلست أمامهم بعد ان ألقت التحية ليتحدث جابر بنبرة ودودة
_ ازيك يا غنى عاملة ايه يا بنتي؟ غنى بخفوت
_ الحمد لله يا عمي. حضرتك عامل ايه؟ _ الحمد لله بخير. قوليلي يا ست البنات سمعت انك مش عايزة تشاركينا الكلام دا حقيقي ؟ قال جملته الأخيرة بمرح فهتفت غنى بلهفة
_ لا طبعًا مش كدا. بس انا قولت اشوف مكان تاني يعني.
جابر باستفهام
_ و تشوفي مكان تاني ليه؟ بدل المكان عاجبك نشوف احنا مكان تاني. غنى بحرج من ذوقه في الحديث
_ لا والله مش هتفرق الأماكن كتير. جابر بوقار
_ طب ايه رأيك تتشاركي مع روضة؟ عندك مشكلة في الموضوع دا؟ غنى بارتباك
_ لا مش موضوع مشكلة. بس انا معرفهاش، و كمان كنت حابة ابتدي واحدة واحدة.
_ طب بصي يا ستي البنات روضة بنت اخويا متتخيرش عنك في أدبك و أخلاقك و تربيتك، و كمان معاها كورسات في الموضوع دا، وأنتِ اكيد هتبقي عايزة حد يشتغل معاكِ. ايه رأيك تجربوا كدا تشتغلوا سوى، و تشوفوا والله ارتحتوا اديكوا ماشيين. مرتحتوش يبقى نفضها. التقت عينيها مع عيني والدها الذي شعر بالحرج هو الآخر من حديث جابر و طريقته الودودة في الكلام لذا أومأ لها في صمت لتلتفت ناظره إلى جابر وهي تقول بابتسامة هادئة
_ خلاص اللي حضرتك تشوفه.
جابر بحبور
_ على خيرة الله. المتر محمود مجهز العقود و كل حاجه فاضل بس تقريها، ولو عندك اي شروط قوليها، لو معندكيش يبقى نقرا الفاتحة. كان يزيد صامت منذ بدأ الحديث إلى أن انتهى الأمر بكتابة العقد على يد ذلك المحامي الذي كان معهم، و الرجل الآخر كان أحد رجال جابر الذي شهد على العقد مع يزيد الذي اقترب من أذن غنى قائلًا بمرح
_عدي الجمايل و احمدي ربنا أن الريس بتاعنا قلبه رهيف و مهنش عليه زعلك و خلانا نطب على ابوكي زي القضا المستعجل.
تقاذفت دقات قلبها حين استمعت إلى كلماته فهتفت بخفوت
_ تقصد مين؟