كانت السيارات تبتلع الطريق أمامها وبداخلها خالد و رجاله، فقد قاربوا على الوصول لنقطة بعيدة تمامًا في الصحراء، و التي توقفت عندها السيارة المُحتجز بها ابنته، ليصرخ في الهاتف بجنون:
ـ اسمع اللي هقولك عليه و نفذه بالحرف الواحد، اشتبكوا معاهم بس على حذر. شتتوا انتباههم و خليهم يحسوا بالخطر من غير أي ضرب نار حي. اشغلهم عنها بس لحد ما نوصل. احنا مقدمناش كتير. نفذ الرجال حديثه لتنشب الاشتباكات بينهم، و يهتف أحد الرجال بغضب :
ـ هنعمل أيه دلوقتي، و رماح بيه إتقبض عليه!
سمع أمين حديثهم فهتف بعويل:
ـ الله ينتقم منك يا رماح الكلب. سلمت رقبتي للوتيدي! الله يخربيتك هعمل أيه دلوقتي! دا هيموتني. تراجع بظهره إلى أحد الغرف وفجأة وقعت نظراته على رنا التي كانت ترتعب في آخر الغرفة ليهرول تجاهها قائلًا بطمئنة زائفة:
ـ اهدي يا حبيبتي. انا مخطوف زيي زيك. بس أنا مش هأذيكي، ولا هخليهم يأذوكي. انا هوديكِ لباباكي. رنا بذُعر وهي تبكي بحرقة:
ـ وديني لبابي بليز. أمين بلهفة:
ـ حاضر. حاضر.
التفت أمين إلى الباب إلى النافذة التي تتوسط هذه الغرفة الكبيرة التي كانت مُعدة للماشية، فلفت إنتباهه هروب بعض الرجال من الخلف، فلعن تحت أنفاسه، وقد صح ظنه بأن هذا القذر يلعب به و جعله طُعم لخالد الوتيدي ليهرول إلى الخارج، فقد كان هناك مناورات من كلا الجانبين لتقع أنظاره على مفاتيح السيارة المعلقة في زنار أحدا الرجال، فهرول ليختطفها، وحين التفت الرجل قام بتوجيه ضربة قوية إلى رأسه بمقدمة سلاحه، و توجه إلى الغرفة ليجد رنا مازالت تنتفض رعبًا لم يمس قلبه، بل تركها و قام بالقفز من النافذة مهرولا إلى أحد السيارات ليستقلها بسرعة، و إذا بوابل من الرصاص
ينهال فوقه، فعلم بأن القيامة قامت فوق رأسه ليقوم بتدوير المحرك، و يحاول الهرب بأقصى سرعته، و خلفه خالد الذي كان يزأر كالوحوش، وقد راى وجه هذا الحقير و علِم هويته ليصرخ في الرجال:
ـ اطلعوا ورا الكلب دا، هاتوه حي.
أطاعه بعض الرجال بينما اشتبك الآخرون معه في حرب الرصاص هذه، ليُشير إليه عابد في اتجاه النافذة المفتوحة، فهرول إليها و خلفه أربعة رجال مسلحين ليقوم بمعاينة الغرفة والتي كانت خالية إلا من رنا، فهوى قلب خالد بين قدميه حين شاهدها وهي ترمي في آخر الغرفة تبكي برعب من صوت إطلاق النيران، ليقوم بالقفز من النافذة، و فعل أحد رجاله المثل من النافذة الأخرى ليهرول هو محتضنًا طفلته، بينما الرجال يحمون ظهره ليهتف بقلب يخفق بعنف:
ـ اهدي يا حبيبة بابا. أنتِ في حضني خلاص.
ـ بابي. انا مرعوبة. هكذا هتفت رنا بجسد مذعور كالعصفور الصغير بينما خالد كان يحل وثاقها بكل ما يحمل من لين، وما إن انتهى حتى جذبها لتستقر بين ذراعيه ولسانه يردد عبارات الحمد بأنها بين أحضانه، و فجأة انفتح الباب على مصرعيه ليُطل عابد بجسده الضخم و من خلفه حفنة من الرجال ليهتف بطمأنه:
ـ خلصنا عليهم يا خالد بيه.
حمل خالد رنا بين يديه، وهو يهتف بشراسة:
ـ و الكلب اللي هرب. عابد بأسف:
ـ للأسف العربية انقلبت بالرجالة، و عرف يهرب..
لعن خالد من تحت أنفاسه قبل أن يقول باستفهام:
ـ حد من الرجالة جراله حاجة؟ ـ إصابات بس. حتى اللي كانوا في العربية الحمد لله مخسرناش حد منهم. خالد بنبرة آمرة:
ـ عالجوا كل الرجالة اللي اتصابت، وشوف لو في أحياء وسط الكلاب دول هاتوهم. هينفعونا. أنهى حديثه وخرج حاملًا رنا بين يديه عائدًا إلى البيت. «اللهمَّ إني أعوذ بك من الهمّ والحَزَن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجُبن والبُخل، وأعوذ بك من غَلَبة الدَّين وقهر الرجال♥️
★★★★★★★ كانت جامدة كجثة لا حراك بها، تنظر إلى البعيد بأعيُن لأول مرة يتلمع بهم الندم، فكان حالها أشبة بشخص خسر نزاله مع الحياة وهو على مشارف خط النصر، فقد ظنت أنها انتصرت، أو هكذا أوهمها عقلها المريض، الذي آمن لتقلبات القدر، و أعماه كبرياء جشع صور لها ان بإستطاعتها امتلاك كل شيء و هاهي تهوى في فخ غرورها و تعود خائبة من النقطة ذاتها التي ظنت أنها ستظل فوق قمتها للأبد. ـ كمال.
هكذا همست بلوعة، وهي تتذكر نظراته المذبوحة من فرط الألم، و ملامحه التي امتص الخزلان وجهها وخروجه العاصف منذ البارحة ليتركها للوحدة التي ظنت أنها فارقتها إلى الأبد، فأخذ قلبها يتضرع إلى الله بأن ينفتح باب هذه الغرفة و يطِل عليها لتُشرِق الحياة بقلبها من جديد. مرت ساعة تلو الأخرى والصمت يُخيم على المكان حتى كاد عقلها أن يُجن، فهبت من جلستها على الأرض الصلبة لتقرر تغيير ملابسها، فقد كانت لازالت تردي هذا الفستان منذ البارحة، ليُقاطع خطتها ارتطام باب الغرفة بقوة بالحائط خلفه، و وجه ميرهان القبيح وهي تهتف بشراسة:
ـ كمال راح فين؟
آسيا بجمود:
ـ معرفش. كان مظهرها مُذريًا أعيُن متورمة، و وجهًا كان كلوحة مُريعة شكلتها مساحيق التجميل التي سالت، فاختلطت فأصبح شكلها مرعبًا خاصةً بذلك السواد الذي سال من عينيها، لتتراجع ميرهان إلى الخلف وهي تقول باحتقار:
ـ ياريته كان هنا عشان يشوف بشاعتك. لم تكُن لديها القدرة لسماع حرفًا واحدًا لذا هتفت بتحذير:
ـ اخرجي بره. ميرهان بتجبر:
ـ أنتِ اللي هتخرجي بره. توسعت حدقتي آسيا من حديث ميرهان التي كانت تقصد كل حرف تفوهت به، فقد قامت بجرها من يدها وهي تصرخ باحتقار:
ـ اخرجي من حياتنا. اللي زيك مالوش مكان وسطنا. اخرجي بره.
خرجت أشجان مفزوعة على صراخ ميرهان التي ما أن رأتها حتى قامت بدفع آسيا لتستقر في أحضان أشجان التي هتفت باستفهام:
ـ في اية؟ لأول مرة لم تقاوم، فقد كان غيابه كالفيروس الذي شل جميع حركاتها و امتص كامل طاقتها، فقط تبكي بحرقة بين احضان شقيقتها وهي تهمس بضعف:
ـ كمال. أشجان بلهفة:
ـ ماله كمال! تولت ميرهان الإجابة قائلة بغل:
ـ أخويا مشي بسببها. بعد ما عرف خيانتها له مقدرش يستحمل، مشي و مرجعش من امبارح، و أظن أنه لما يرجع مش هيكون حابب يشوفها.
تعالت شهقات آسيا لتهتف أشجان بلوعة: