في صباح يوم جديد في احد المصانع الصغيرة القريبة من منطقتها الشعبية
ظلت هي تباشر عملها بين عاملات المصنع وتشرف عليهم فبعد العريضة التي قدمتها هي وامثالها من العاملات المهدور حقهم في رئيس العمال المدعو عوض تم طرده شر طردة وتم تعينها بمنصبه نظرًا لشعبيتها وسط العاملات واسبقيتها في العمل
وحين كانت تلقي تعليماتها على احداهم لفت نظرها مجموعة يتبادلون الأحديث الجانبية لتباغتهم هي:
-جرى ايه منك ليها هنسيب شغلنا ونقعد نتسامر ولا ايه كل واحدة تشوف شغلها
انتفضوا على صوتها وباشروا عملهم بطاعة
لتؤشر هي لأحدهم أن تقترب وتدعي فاطمة وتسألها بفضول:
– في ايه يافاطمة ملاحظة ان البنات من الصبح عمالين يتوشوشو جرى حاجة وانا معرفهاش تحمحمت فاطمة بتردد وأخبرتها: -بصراحة يا أبلة كوثر البنات ملهاش سيرة غير فتون وفضيحتها اللي في الجرايد لطمت كوثر صدرها وقالت
بتفاجئ:
– يالهوي فضيحة ايه يابت؟ -والله يا أبلة كوثر انا مصدقتش، دي فتون كلنا عارفنها ملهاش في الغلط لغاية ما لتحمحم بحرج
-اصل يا أبلة كوثر… – انطقي يافاطمة وقعتي قلبي
في رجليا
-بيقولو أن جمال جابها وحابسها عند إحسان وحالف ليتجوزها بالغصب ورجالته مالين الحارة ومحدش عارف يفتح بؤه خايفين منه ما أنتِ عارفاه يا أبلة كوثر بلطــ جـ .ـي والكل بيعمله حساب همهمت كوثر بحزن ونبرةمتحسرة:
– ياعيني عليكِ يافتون طول عمرك الدنيا جاية عليكِ
انا هروح اشوفها يا فاطمة خلي بالك عقبال ما أرجع
-من عيوني يا أبلة كوثر
لتتركها وتهرع الى منزل إحسان قاصدة الأطمئنان على صديقتها ومعرفة ما آل إليه حالها.
——————-
دلفت هي الى غرفته بالمشفى فلم تجده لينتابها القلق لتخطو الى مكتب هاشم بخطى مهزوزة وقلبها يكاد أن يتمزق لنصفين من القلق لتدفع الباب وتصيح بنبرة مرتعشة:
-أكمل فين …فين ابني مش في الأوضة هو حصله حاجة ياهاشم رد عليا الله يخليك فين ابني نهض هاشم من على مكتبه وأقترب منها وحاول تهدئتها قدر المستطاع:
-هو كويس انا أطمنت عليه الصبح اول ما جيت تلاقيه كان في الحمام ولا حاجة أهدي وتعالي نشوفه
إنصاعت له وهي تناجي ربها ان يكون تخمين هاشم بمحله لكن عند البحث عنه لم يجدو له أي أثر بكامل المشفى ليلعنه هاشم لتسرعه الأهوج فهو يعلم الى اين ذهب.
—————–
أما عنها ظلت شاردة في الفراغ داخل السنتر الخاص بها فتلك هي المرة الأخيرة التي سوف تأتي الى هنا فقد تحدد موعد سفرها بعد يومان و أصرت ان تودع العاملات معها وتعطيهم مستحقاتهم وترتب بعض الأمور الخاصة بالعمل قبل سفرها -الجميل سرحان في ايه؟
باغتها هو بعدما لاحظ شرودها المستديم بعدما اتى إليها ليفاجأها كعادته
ابتسمت هي وردت بهدوء:
-اهلآ يا آسر، ابدًا المكان هيوحشني تسأل هو بمكر:
-المكان بس اللي هيوحشك ولا في حاجة تانية -لأ مفيش حاجة تانية دة طبعًا باستثناء خالتو وصقر ومي عقب هو بخفته المعتادة وهو يضيق عينه:
– واللهِ قلبي حاسس أن في حد كمان مش عايزة تقولي أسمه ردت هي بعصبيةبعدما تفهمت الى ماذا يرمي بحديثه:
-أسكت يا آسر بلاش تضايقني
رد هو بجدية عكس طباعه وهو يتعمد مواستها:
– على فكرة انا مش قاصد اضيقك انا عاذرك علشان كل اللي مريتي بيه انا كمان مريت بيه
بس مع اختلاف بسيط
ان اللي انا حبتها فضلت عليا واحد تاني واتجوزته علشان اهلها شافو انه مناسب ليها وظروفه أحسن…وقتها كنت في بداية طريقي ومكنتش هعرف احقق ليها ربع طموحها ولا طلبات اهلها واضطريت اسافر علشان اثبت ليها وللدنيا كلها ان الحياه موقفتش عليها، وبقيت حاجة كبيرة زي ما انتِ شايفة من غيرها، لكن انتِ مش مضطرة يافدوة تثبتي لحد وخصوصًا ان أكمل لسه بيحبك
زفرت هي بعصبية ونهضت وولته ظهرها تحاول ان تخفي
دمعاتها:
-مبقاش ينفع هو صعبها عليا اوي -حاولي يافدوة…ياريت انا عندي فرصة علشان أحاول مرة تانية صدقيني مش هتردد ثانية ساد الصمت لثوانِ بينهم وهي تحاول جاهدة أن تبدو ثابتة ولا تسقط من جديد بنوبة بكاء لا تعلم سببها أو بلأحرى ترفض تبريرها ليهتف هو بسأم بعدما طال صمتها:
-انا زهقت تعالي نتغدا في أي حتة وبالمرة أخد رأيك في كام موضوع كده شاغلني
ايه رأيك؟
تنهدت هي واغتصبت بسمة هادئة على ثغرها واومأت له بموافقة لتسحب حقيبتها وتتبعه ولكن قبل أن تخرج تسمرت في محلها وهي تشعر بضــ . ـربات قلبها تتقافذ ثائرة فور رؤيتها له… فكان يستند على إطار الباب بتهاون ويتمسك بصدره وينظر لها نظرة عميقة مستعطفة جعلتها تهرول إليه متسائلة والقلق يكسو معالم وجهها:
– أكمل انت ايه اللي جابك هنا انت لسه تعبان أزاي تسيب المستشفى
ليهمهم بتقطع وهو بالكاد يحاول الصمود واقفًا:
-عايز اتكلم معاكِ…ممكن؟
ليتقدم نحوه آسر ويسنده بعدما لاحظ عدم قدرته على الصمود ليدفعه أكمل بضعف ويعترض على مساعدته له لكن الآخر لم يكترث ونهره بخفوت وهو يسنده ويتقدم به نحو أقرب مقعد:
-والله العظيم انت مجــ . ــنون رسمي بس نقول ايه الله يخرب بيت الحب وعمايله رمقه أكمل بملامح جامدة واستغرب كثيرًا ردة فعله لكنه ألتزم بصمته ولم يتفوه ببنت شفه لينسحب آسر بهدوء بعدما أخبرها بتعقل وهو يرجوها بعينه أن تستمع له وتعطيه فرصة أخيرة:
-انا هسيبكم تتكلمو براحتكم
أومأت له بتوتر وإن أنصرف صوبت نظراتها عليه دون حديث ليتمتم هو بعتاب وبنبرة ضعيفة وهو يخرج قلادتها من جيب سترته ويحتضنها بيده: -وحشتيني يافدوتي كده تقلعي سلسلتي وترمهالي، هونت عليكِ
ده انتِ وعدتيني زمان مش هتقلعيها لأخر يوم في عمرك أجابته هي بعدما تمالكت نفسها وحاولت عدم الأكترث لعتابه الذي يطــ . ــعن بقلبها:
-عايز ايه يا أكمل؟ تنفس بعمق وحاول أن يتحامل على نفسه ويتجاهل ذلك الألم اللعين بصدره:
-متسبنيش يافدوة انا محتاجك
حانت منها بسمة هازئة وهي تجلس على طرف الطاولة الصغيرة مقابل له وأخبرته: -اسيبك…انت نسيت ولا أيه يا أكمل انت اللي سبتني اجابها بهوان وشعور الندم ينهش به:
– ندمت وعرفت اني كنت غبي لما فكرت بالحقد ده بس اعذريني مكنتش هعرف اتجوزك وانا فاكر أن صقر هو السبب في مــ . ــوت أختي
أجابته بسخرية مريرة وهي تكبح رغبتها بالبكاء:
– وانت كمان اعذرني مقدرش اسامحك بعد ما كسرت فرحتي فاليوم اللي اتمنيته من كل قلبي، انا كنت بدعي ليل نهار علشان تبقى من نصيبي بس انت خذلتني…خذلتني يا أكمل ولأ مكفكش روحت اذيت صقر واتعمدت تضره وانت عارف معزته عندي همهم هو بخزي من نفسه:
-آسف
حانت منها بسمة ساخرة ونطقت بنبرة ممزقة:
-آسف دي تقولها لما تخبط فيا من غير قصد وتدوس على رجلي لكن انت دوست على قلبي واتخليت عني عارف كان ممكن تيجي تحكيلي وكنت هساعدك تكتشف الحقيقة ولو كان اعتقادك في محله كنت هسيب الدنيا علشانك وهقف في صفك بس انت أصريت تبعدني وأخدتني بذنبه وخليت شيطانك يتحكم فيك
لتستأنف بعيون غائمةو بنبرة حزينة وهي تتحسر على آمالها التي بنتها عليه:
-لو كنا اتجوزنا كان نفسي اوي يبقى عندي أطفال منك
يشبهوك في كل حاجة، كان نفسي أبني أسرة وبيت الاقي فيهم الحنان اللي اتحرمت منه بعد مــ . ــوت أهلي، انت لما سيبتني خدت روحي معاك، وسلبتني أحلامي وحتى طموحي مبقاش عندي هدف أعيش علشانه لتستأنف ببسمة مريرة ممزقة:
– علشان كده سيبتهم يتحكموا فيا وأقنعت نفسي اني نسيتك واتخطيت اللي عيشته معاك
كانت كلماتها كسهام ضارية أصابته بمقــ . ـــتل، وجعلت شعوره بالندم يتخطى قدرته على التحمل ليهمهم بنبرة متألمة:
– انتِ ليه فاكرة اني كنت مرتاح من غيرك انا كنت بتعذب في بعدي عنك والأيام كانت بتمر عليا بالعافية وانا لوحدي انا عمري ما نسيتك ولا ثانية واحدة ومفيش واحدة عرفت تاخد مكانك في قلبي ضحكت هي بهستيرية من بين دمعاتها الخائنة وهتفت بسخرية مريرة وهي تزيحهم بكف يدها وكأنها تتبرأ منهم:
– انت كنت كل يوم مع واحدة شكل متحاولش تحسسني إني فرقت معاك
هز رأسه بقوة وهو يستنكر حديثها ويحاول أن يستعطفها: -والله فرقتي معايا .. ومفيش حد خد مكانك في قلبي، انا كنت بقعد انادي عليكِ زي العيل الصغير وكان نفسي تبقي جنبي لتباغته بحدة وبنبرة هستيرية: -كـــــــــــــــــداب ومش مصدقاك تقدر تقولي مين حاول يقــ . ـــتلك؟ نكس رأسه بخزي ولاذ بالصمت لتغمغم هي:
-واحدة من اللي كنت تعرفهم هي اللي عملت فيك كده صح حتى بالأمارة اسمها فتون انتبهت كل حواسه حين لفظت أسمها ليتسأل بدهشة:
-عرفتي منين؟
أجابته ببسمة متخاذلة:
-كنت بتهلوس بأسمها وانت تعبان
لتباغته من جديد بسؤالها لكن بحدة أكبر:
– تقدر تقولي ليه حاولت تقــ . ـــتلك؟ تلعثم وتنحنح ولم تسعفه الكلمات فبماذا يخبرها أيخبرها عن ابتزازه ل فتون وتهديده المستمر لها أَم يخبرها انه طــ . ــعنها بشرفها ودنث سمعاتها، هو لا يقوى على أن يخبرها فهو يعلمها تمام المعرفة هي لن تصفح عنه ولن تلتمس له أي عذر وخاصًة إذا كان للأمر صلة وثيقة ب صقر وإن طال صمته أخبرته هي بفطنة:
– البنت دي هي اللي عملتلها الفضيحة مع صقر مش كده
رفع نظراته لها بضياع وخزي من نفسه لتتفهم هي من نظراته أجابته وتخبره بكل ثقة:
-انا متأكدة انك عملت كده علشان صقر حبها وانت حاولت تفرقهم بطريقتك مش كده هز رأسه بضعف وأخبرها بتقريع ضمير وبنبرة راجية اضناها الفراق:
– هصلح كل حاجة هروح ل صقر وهحكيله وهبرئها بس متسبنيش مش هعرف اعيش من غيرك انا بجد محتاجكك يافدوة
نهضت هي بعصبية من جلستها مقابل له قاصدة المغادرة فهو حقًا خذلها من جديد بسوء افعاله
ليتمسك بيدها ثم انزلق بوهن وجثى على ركبتيه وباغتها بأحتضان خصرها بقوة و أخذ يرجوها بنبرة متألمة تقطع نياط القلب:
-متسبنيش…والله انا ندمت وهفضل عمري كله بكفر عن اللي عملته…سامحيني انا بحبك…والله بحبك
وعندها أطلقت العنان لدمعاتها التي جاهدت لتكبحها طويلًا وجثت هي ايضًا مقابل له واحتضنت وجهه براحتها وهمهمت بضعف من بين شهقاتها:
– مبقاش ينفع افهم انا ممكن اسامح في حقي لكن حق صقر لأ انت زمان سيبتني بسببه وانا النهاردة هسيبك بردو بسببه وده عدل ربنا
هز رأسه برفض قاطع وأخبرها بأنفاس متقطعة وبنبرة ضعيفة متألمة:
-مش هعرف…مش هعرف اعيش من غيرك لو على صقر هفهمه واستسمحه بس متسبنيش هزت رأسها بعدم اقتناع فهي تعلم صقر لن يتهاون، لذلك أغمضت عيناها بقوة تحاول ان تلملم شتاتها ثم قالت بنبرة قاسية اعتصرت قلبه:
– انا مش عايزة اشوفك تاني…ابعد عن حياتي…وسيبني ابدأ من جديد همهم هو بيأس وبملامح
منكسرة يائسة:
-مش هقدر أصرت هي:
-لأ هتوعدني وهتقدر أحلف انك هتسيبني وتحاول تنساني
هز رأسه بعدم اقتناع وأجابها بضعف وكأنه يحتضر:
– انتِ بتطلبي مــ . ــوتي هدرت بأصرار عجيب وبنبرة مختنقة بعبراتها وهي تحاول التغاضى عن أنين قلبها:
-أحلف يا أكمل صمت لبرهة يتأملها ثم انسلتت من عينه دمعة حارقة دون وعي من أصرارها اللعين على تركه ليهمهم بأحتياج وبنبرة منكسرة ضائعة مثل روحه التي تود أن تنسلت من جسده من قرارها:
-احــ . ــضنيني رفعت عيناها الباكية إليه بذهول
ونظرت له دون ابداء ردة فعل ليستأنف هو بيأس وبعيون دامية تقطر بالرجاء:
-اعتبريه حــ . ــضن الوداع يافدوة علشان خاطري متعارضيش
فكرت في الأمر لبرهة ثم أومأت له ليفتح ذراعيه وعينه المنكسرة الدامية تحثها على الأقتراب وإن فعلت دثرها هو بقوة بين أحضانه دون الأكتراث لألآم صدره يستنشق عبقها الأخاذ بأنتشاء يحاول ان يدفــ . ــنه بأعماقه الممزقة ويحتفظ به ما حيا، فقد دام عناقهم لثوانِ معدودة، و كان متشبث بها بقوة وكأنه يخشي إنفلاتها فلا يريد أن يبتعد ابدًا يتمنى أن يظل الى أخر العمر هكذا بين احضانها فهي دون عن نساء الأرض من ملكت كل ذرة به وصكت قلبه بعشقها.
تنهدت هي تنهيدة مطولة تحفز ذاتها بها ثم رتبتت على ظهره وكررت بأصرار لعين:
– اوعدني أخذ نفس عميق من عبقها و
هسهس بأذنها بنبرة رغم وهنها إلا أنها كانت تقطر بإصراره على عشقه وانتماء قلبه لها:
– اوعدك…عمري ما هنساكِ، وكل اللي هقدر اعمله اني هسيبك تبعدي وتعملي اللي انتِ عايزاه وهيفضل عندي أمل لأخر نفس فيا انك ترجعيلي بأرادتك
ليسلتها من أحضانه برفق ثم نظر لها بعيونه المنكسرة الدامية نظرة عميقة مُطولة وكأنه يود أن يوشم صورتها على جدار قلبه قبل فراقها.
وبعد ثوانِ مال عليها يلثم جبينها ونهض بعدها وهو يتحامل على نفسه ينسحب من امامها بخطوات واهنة متألمة
لتتطلع هي الى آثاره ويزداد نحيبها؛ ولكن ليس ندمًا على قرارها بل على عشقه المؤذي الذي أدمى قلبها وهدم آمالها فكانت تدعوا الله بسرها أن يمنحها القوة كي تتخطى أمره و تحيا بعيدًا عنه في سلام.
————————-